بنفسج

ثاني أقدم أسيرة: ميسر هديبات تكمل عامها الثاني في السجون

الخميس 23 يوليو

ثاني أقدم أسيرة ميسر هديبات
ثاني أقدم أسيرة ميسر هديبات

"بحياتك بوسلي حمادة كثير"… ما كانت هذه الكلمات مجرد وصية عابرة قالتها الأسيرة الفلسطينية ميسر محمود خليل هديبات لمحاميها، بل تعبير عن أمٍّ وجدةٍ حُرمت من لحظة بسيطة كانت تنتظرها بشوق، أن تحمل حفيدها بين ذراعيها، وتقبّل وجهه كما فعلت مع أبنائها وأحفادها من قبل.

كان حمادة قد وُلد بينما كانت ميسر خلف القضبان، ليكبر عامه الأول بعيدًا عن حضن جدته، التي لم تمنحها سنوات الاعتقال فرصة أن تراه أو تسمع ضحكته عن قرب. لذلك لم تطلب ميسر في رسالتها شيئًا لنفسها، لم تتحدث عن السجن، ولا عن الألم، ولا عن طول الانتظار، بل اختارت أن ترسل قبلة إلى طفل لم تلتقِ به بعد.

خلف هذه الكلمات تقف حكاية امرأة لم تعرف الفراغ يومًا، امرأة كانت حياتها مليئة بالحركة والمسؤوليات، قبل أن تتحول في لحظة إلى أسيرة تنتظر أخبار عائلتها عبر محامٍ أو رسالة من أسيرة تحررت.

من الأسيرة ميسر هديبات؟

IMG-20260722-WA0136.jpg

ميسر محمود خليل هديبات، البالغة من العمر اثنين وخمسين عامًا، تنحدر من مدينة دورا جنوب الخليل، وتقيم مع عائلتها في يطا. هي أم لخمسة أبناء، وجدة لحفيدين هما عمر وحمادة، الذي وُلد وهي في الأسر، دون أن تتمكن حتى اليوم من رؤيته أو احتضانه.

قبل الاعتقال، كانت ميسر معلمة للتربية الرياضية، تقسم يومها بين المدرسة والبيت، وبين مسؤولياتها تجاه عائلتها ونشاطها الاجتماعي. لم تكن ترى العمل مجرد وظيفة، بل مساحة تمنح فيها الآخرين شيئًا من الطاقة التي عُرفت بها.


اقرأ أيضًا: الصحافي عبدالله شتات: كيف عشت 32 شهرًا في القبر؟


تصفها عائلتها بأنها امرأة اجتماعية، محبة للحياة، لا تعرف السكون، وتبحث دائمًا عن الأشياء التي تجمع الناس حولها. كانت تنظم الرحلات والأنشطة، وتشارك في الفعاليات الاجتماعية، وتحرص على أن يكون لها حضور في حياة من حولها. لكن أكثر ما كانت تهتم به، كما أخبرنا زوجها، هم أبناؤها. فقد كانت بالنسبة لهم أكثر من أم، كانت السند والمرجعية الحاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية.

تقول ابنتها نغم أثناء حديثها معنا:  "كنت أحسها أحسن أم بالدنيا كلها، وهي أغلى حدا بحياتي. ماما كانت كل حياتنا، وكل إشي حلو فيها." وما هذه الكلمات مجرد عاطفة فطرية من ابنة تجاه والدتها، بل صوت متكرر في حديث أفراد الأسرة عن امرأة اعتادت أن تكون موجودة في كل تفاصيل البيت، تستمع، وتنصح، وترافق أبناءها في أفراحهم وتعبهم. لهذا كان غيابها بعد الاعتقال فراغًا كبيرًا.
 
من المدرسة إلى الاعتقال: يوم تغيّر فيه كل شيء

IMG-20260722-WA0135.jpg

في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، خرجت ميسر هديبات من مدرستها كما تفعل كل يوم، متجهة إلى منزلها في يطا. كان يومًا عاديًا في ظاهره، يومًا يشبه عشرات الأيام التي سبقته، ولم تكن تعلم أن الطريق إلى بيتها سيكون بداية مرحلة جديدة من حياتها. روى لنا زوجها عن لحظات اعتقالها، إذ توقفت ميسر لشراء اللبن استعدادًا لإعداد المنسف، قبل أن تصل إلى المنطقة التي كانت تتمركز فيها قوات الاحتلال قرب إحدى البوابات العسكرية.

فوجئت ميسر بدوي إطلاق نار وقع في المكان، فسارعت ميسر للابتعاد من المكان بمركبتها، إلا أن جنود الاحتلال أطلقوا النار عليها، ما أدى إلى إصابتها في كتفها. نُقلت ميسر بعدها إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السبع لتلقي العلاج، لكنها لم تغادر المستشفى إلى بيتها،  إذ أبقتها سلطات الاحتلال رهن الاحتجاز، ووجهت إليها تهمة محاولة تنفيذ عملية دهس.


اقرأ أيضًا: عائدة بشناق: "ضي عيوني ولادي عبدالله وعبد الرحمن ما شفتهم من سنتين"


وترفض العائلة هذه الرواية رفضًا قاطعًا، مؤكدة أن ما حدث كان إطلاق نار على ميسر أثناء وجودها في المكان، وأن المقاطع المصورة التي ظهرت لاحقًا، لا تتوافق مع رواية الاحتلال البتة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ميسر إلى منزلها.

بعد انتهاء فترة احتجازها الأولى التي تضمنت التحقيق وفترة مكوثها بالمستشفى، نُقلت إلى سجن الدامون، المكان الذي ما تزال محتجزة فيه حتى اليوم، دون صدور حكم قضائي بحقها، إذ تبقى موقوفة بانتظار استكمال الإجراءات القانونية. ومع مرور الوقت، أصبحت ميسر من أقدم الأسيرات الفلسطينيات الموقوفات داخل سجون الاحتلال، في وقت أُفرج فيه عن عشرات الأسيرات اللاتي اعتُقلن بعدها.

لم يكن اعتقال ميسر تجربة عاشتها وحدها، فقد امتد أثره إلى عائلتها التي وجدت نفسها أمام واقع جديد بعد غياب المرأة التي كانت تجمع تفاصيل البيت. فقد اعتاد أبناؤها أن تكون المرجع الأول في كل شيء، من أصغر التفاصيل اليومية إلى القرارات المهمة، وعندما غابت، اضطر الجميع إلى تحمل مسؤوليات جديدة.

وتقول ابنتها نغم إن والدتها أدركت داخل السجن حجم الأعباء التي كانت تحملها في الخارج، بعدما أصبحت تسمع عن تفاصيل البيت عبر المحامي بدل أن تعيشها بنفسها. ورغم بعدها، بقيت ميسر مرتبطة بأبنائها كما لو أنها ما زالت بينهم. ففي رسائلها، لم تكن تسأل عن نفسها بقدر ما كانت تسأل عنهم، عن صحتهم، وأعمالهم، ودراستهم، وعن تفاصيل حياتهم اليومية.

وتقول ابنتها نغم إن والدتها أدركت داخل السجن حجم الأعباء التي كانت تحملها في الخارج، بعدما أصبحت تسمع عن تفاصيل البيت عبر المحامي بدل أن تعيشها بنفسها. ورغم بعدها، بقيت ميسر مرتبطة بأبنائها كما لو أنها ما زالت بينهم. ففي رسائلها، لم تكن تسأل عن نفسها بقدر ما كانت تسأل عنهم، عن صحتهم، وأعمالهم، ودراستهم، وعن تفاصيل حياتهم اليومية.

كانت توصي أبناءها بما اعتادت أن تفعله قبل الاعتقال، تهتم بصحتهم، وتذكرهم بعادات صغيرة، وتتابع شؤونهم من خلف القضبان. لكن أكثر ما كان يؤلمها كان حفيدها حمادة، الذي وُلد وهي في الأسر. خلال إحدى زيارات المحامي، وبعد أن سمعت أخبار أبنائها وأحفادها، قالت: "نفسي أشوف حمادة وأحضنه وأظل أبوسه." لم تكن الجملة مجرد اشتياق لطفل لم تره بعد، بل اشتياق إلى حياة كاملة توقفت عند لحظة الاعتقال.
 

"نفسي أحضن وأبوس حمادة"

IMG-20260722-WA0133.jpg

بعد نقلها إلى سجن الدامون، بدأت ميسر مرحلة جديدة من المعاناة، حياة خلف الجدران، تحكمها القيود والإجراءات الصارمة، بعيدًا عن بيتها وعائلتها.
كمعدّة للتقرير، أستعيد مشهدًا من داخل سجن الدامون عام 2024، حين كانت في ساحة قسم الأسيرات، فنادى السجانون عليهن بالابتعاد، قبل أن تظهر أمامهن أسيرة بحالة صحية ونفسية صعبة وصادمة شكلت توجسًا لدى الأسيرات حولها..

 كانت تلك الأسيرة ميسر هديبات، التي دخلت السجن والكدمات الزرقاء تغطي وجهها، وهي تعاني من صعوبة شديدة في التقاط أنفاسها، حتى بدت في حالة اختناق دفعتها لمحاولة تخفيف ملابسها بحثًا عن القدرة على التنفس. عودة للأسيرة ميسر، الاعتقال الطويل لا يعني فقط فقدان الحرية، بل يعني أيضًا فقدان التفاصيل اليومية التي تصنع حياة الإنسان، المناسبات العائلية، اللقاءات، واللحظات البسيطة التي لا تتكرر.

 كما تعاني ميسر من مشكلات صحية سابقة، أبرزها ضيق التنفس كما أسلفت الذكر، وتؤكد عائلتها أنها لم تحصل على الرعاية الطبية التي تحتاجها بالشكل الكافي خلال فترة اعتقالها. ورغم قسوة الظروف، حاولت ميسر الحفاظ على تماسكها، كما تفعل كثير من الأسيرات اللواتي يحاولن تحويل السجن إلى مساحة للصبر والتضامن. لكن أصعب ما في الاعتقال الطويل يبقى الانتظار،انتظار موعد لا يعرف أحد متى سيأتي، وانتظار باب قد يُفتح في أي لحظة.

عندما بدأت أخبار الإفراج عن الأسيرات تنتشر مطلع عام 2025، عاشت عائلة ميسر حالة من الأمل والترقب. كانت الأسرة تعتقد أن الصفقة ستحمل اسم الأسيرة وستنتهى هذه المأساة، لكن أسماء المفرج عنهن أُعلنت دون أن يكون اسم ميسر بينها. كان ذلك من أكثر المواقف قسوة عليها وعلى عائلتها. وبحسب ما نقله محاميها، كانت ميسر تتساءل دائمًا: لماذا لم أخرج مع بقية الأسيرات؟

فهي ترى رفيقاتها يغادرن واحدة تلو الأخرى، بينما تبقى هي خلف القضبان، تنتظر دورًا لم يصل بعد. لكن هذا الانتظار لم يلغِ الأمل، فما زالت عائلتها تنتظر اليوم الذي يعود فيه صوتها إلى البيت، ويعود مكانها حول مائدة العائلة ممتلئًا من جديد.

خلف اسمها توجد أم حُرمت من احتضان حفيدها، ومعلمة غابت عن مدرستها، وامرأة كانت تملأ بيتها بالحركة فأصبحت تنتظر الأيام خلف القضبان.
وفي الوقت الذي تختصر فيه قضايا الأسرى أحيانًا في أرقام وقوائم، تأتي قصة ميسر لتذكّرنا  بأن خلف كل اسم حياة كاملة، عائلة تنتظر، وذكريات مؤجلة وأحلام لم تنتهِ بعد. تبقى ميسر هديبات تنتظر لحظة الحرية، وتنتظر معها عائلة كاملة حضنًا تأخر طويلًا.