بنفسج

عن أبي الذي علمني أن لا أخاف

الخميس 20 اغسطس

أطفال فلسطين
أطفال فلسطين

كلمات يوجهها أب فلسطيني لابنه أمام رتل عسكري إسرائيلي مدجج بالسلاح والعتاد. مشهد “مخيف” بالمعنى الحقيقي للخوف الأنطولوجي الذي يواجهه الإنسان استجابةً لأسباب الخوف، ولكنه ليس مخيفًا بالمعنى الأنطولوجي أيضًا لصاحب الأرض والحق والرسالة. وهو ليس بالمشهد الجديد، لكنه الظاهر المعلن بحكم تصويره وانتقاله من المعاش اليومي إلى عالم الفرجة.

لا أعرف متى بدأت أفهم أن أبي كان يعلّمني الشجاعة بنفي الخوف، ماثلًا أمامه بصوته الحاسم الجهوري الممتلئ: “لا تخاف”. كان يقولها وهو يصرخ، إلى درجة تجعلني أخاف منه. وهو لا يقصد الصراخ عليّ، وإنما يريد أن يظهر للعدو المدجج الماثل أمامه أن هذه رسالة لك: أنا لا أخاف منك، وأنا أربي ولدي على ذلك.

اليوم، حين أستعيد تلك السنوات، أفهم أبي أكثر. أفهم أن الرجل الذي كنت أراه يحمينا، كان في الوقت نفسه يبني داخلنا أبناء قادرين على المواجهة. لم يكن يريدنا أن نعيش متكئين على وجوده وجواره دائمًا، كان يريد أن يترك في داخلنا شيئًا يبقى حتى عندما لا يكون هو هناك. “لا تخافوا منهم”. لم تكن مجرد جملة يقولها أب لابنه في موقف عابر بل كانت جزءًا من تربية كاملة.

عندنا، قد يطرق الجنود الباب في منتصف الليل، وقد تتحول الحواجز إلى امتحان يومي، وقد يصبح الاعتقال والمداهمة جزءًا من حكايات نسمعها في البيوت ونعيش آثارها في القلوب. وسط ذلك كله، كان أبي يردد عليّ جملة واحدة، كأنها وصية: “لا تخافوا منهم”.

لم يكن يقولها لي ليقنعنا بأن الجنود ليسوا مخيفين. كنت أعرف أنهم مخيفون، لكنه كان يريد أن يعلمني شيئًا أعمق: لا تمنح خوفك لمن يريد أن يستخدمه ضدك، ويستغله فيك، ويصهر وعيك على ذلك. وكان يقول أيضًا: “لا تشعرهم إنك إنت اللي خايف، هم لازم يخافوا منا”.

لم أكن يومها أملك تفسيرًا كبيرًا لها، لكنني كنت أشعر بقوة أبي وهو يقولها. كان يتحدث بثبات، وكأن الوقوف أمام الخوف يحتاج أولًا إلى أن تستعيد صورتك عن نفسك. وكان أبي نموذجًا ماثلًا أمامي عندما يقول لي ذلك بصوت واضح ثابت لا ارتجاف فيه. فأبي لا يخاف منهم، ولم يخف يومًا…

اليوم، حين أستعيد تلك السنوات، أفهم أبي أكثر. أفهم أن الرجل الذي كنت أراه يحمينا، كان في الوقت نفسه يبني داخلنا أبناء قادرين على المواجهة. لم يكن يريدنا أن نعيش متكئين على وجوده وجواره دائمًا، كان يريد أن يترك في داخلنا شيئًا يبقى حتى عندما لا يكون هو هناك.

“لا تخافوا منهم”. لم تكن مجرد جملة يقولها أب لابنه في موقف عابر بل كانت جزءًا من تربية كاملة، تربية على أن تعرفي نفسك قبل أن يعرفك الآخر، وأن تدركي أن امتلاك الحق يمنحك شيئًا لا تستطيع البندقية أن تنتزعه منك بسهولة: إحساسك بأنك لست دخيل على المكان والإحساس باختراقه.

كان أبي يعلّمني أن الاحتلال لا يبدأ فقط حين يقتحم الجنود البيوت ولا حين يغلقون الحواجز والطرق، بل يبدأ أيضًا حين ينجح الخوف في الدخول إلى الرأس، ويصبح حاضرًا في كل قرار وفي كل كلمة وفي كل خطوة، ولهذا كان يريدني أن أرفع رأسي، ومع الوقت، فهمت أن أبي كان يربيني على شيء أكبر من الشجاعة الفردية، كان يربيني على الوعي.

وبعض الخوف إذا فهمناه جيدًا يمكن أن يتحول إلى يقظة، وإلى قدرة على التماسك، وإلى رفض لأن يتحول الإنسان إلى مجرد جسد مذعور أمام قوة أكبر منه. أبي لم يكن خارقًا للخوف بل كان فلاحا فلسطينيا يعود إلى الأرض، وربما هذه هي أكثر الأشياء التي أفهمها عنه الآن. كان يعرف أن الأطفال يتعلمون الخوف كما يتعلمون الكلام، وأن ما يراه الطفل في وجه أبيه وقت الخطر قد يبقى معه سنوات طويلة لذلك اختار أن نرى فيه الثبات، اختار أن يكون هو الجدار الأول بيننا وبين الخوف.


اقرأ أيضًا: الاغتراب عن ذات في وطن يتلاشى... فلسطينيو الضفة


ولهذا، حين كبرت، أدركت أن بعض الأشياء التي قالها أبي لم تكن موجهة إلى اللحظة التي قالها فيها فقط وإنما له ولنفسه ولمن حوله وحولي. كان يعرف، ربما، أن الحواجز ستبقى، وأن المداهمات ستبقى، وأن الاحتلال سيجد دائمًا طرقًا جديدة ليضع الخوف في تفاصيل حياتنا، لكنه كان يريد أن يترك لنا شيئًا لا يستطيع أحد أن يداهمه أو يصادره وهكذا بقي صوته.

في كل مرة أقف فيها أمام موقف أشعر أنه أكبر مني، أسمع شيئًا منه في داخلي: “لا تخاف”. وفي كل مرة أشعر أن عليّ أن أتراجع فقط لأن الطرف الآخر يملك قوة أكبر، أتذكر أن أبي لم يكن يعلّمني يومًا حساب القوة بهذه الطريقة. كان يعلّمني أن هناك أشياء لا تُقاس بعدد الجنود، ولا بحجم السلاح، ولا بارتفاع صوت الآمر، أن تعرف أنك صاحب حق، وأن تتمسك بهذا الحق حتى في اللحظة التي يحاول فيها الآخر أن يجعلك تشك في نفسك.

أن نربي أبناءنا على أن الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يكون بلا خوف كي يكون شجاعًا، يكفي أن يعرف أن خوفه ليس قدره. وأن الحكاية التي يحملها في داخله أقدم من الحاجز، وأبقى من الجندي، وأقوى من لحظة عابرة يحاول فيها أحدهم أن يجعله يشعر بأنه ضعيف. ربما لهذا، كلما سمعت اليوم أبًا فلسطينيًا يقول لابنه: “لا تخاف”، لا أسمع الجملة وحدها أسمع آباء كثيرين أسمع أبي.

وأرى ذلك المشهد القديم من جديد؛ أبٌ يقف أمام رتل عسكري مدجج بالسلاح، يرفع صوته في وجه الخوف، لا لأنه لا يعرف معنى الخوف، بل لأنه يعرف جيدًا ماذا يفعل الخوف حين نتركه يكبر في داخلنا.