بنفسج

سيرة امرأة تشبه فلسطين: الشهيدة سماح الخالدي

الخميس 03 سبتمبر

زوجة معين العرابيد
زوجة معين العرابيد

لم يكن صباح الثلاثاء عاديًا في بيت عائلة العربيد، فالعائلة كانت تستعد لفرحٍ طال انتظاره، بعد سنوات ثقيلة من الحرب. ترتيبات أخيرة، ودعوات للأقارب، وطاولة إفطار جمعت أفراد الأسرة، فيما كان عبيدة يستعد لعقد قرانه، على أن تُقام الاحتفالية في اليوم التالي.

كانت سماح الخالدي، المعروفة بـ"أم محمد العرابيد"، منهمكة في تجهيز بيتها واستقبال المدعوين، قبل أن تنقلب تفاصيل الصباح خلال دقائق، ويتحول البيت الذي كان ينتظر الفرح إلى ساحة اشتباك. تستعيد نسمة عبدالعال، زوجة أحد أبناء العائلة، تلك الساعات، قائلةً إن كل شيء كان يسير بصورة طبيعية حتى نحو التاسعة والنصف صباحًا، حين توقفت قوة إسرائيلية خاصة أمام المنزل، بالتزامن مع انتشار عناصر مسلحة وقصف جوي في المنطقة.

جيشك الوحيد

معين العرابيد.jpg

وبحسب رواية نسمة، كان معين العرابيد قد خرج برفقة أحد مرافقيه إلى باب المنزل، قبل أن تبدأ القوة بإطلاق النار عليهما، عندها خرجت سماح لتعرف ما الذي يحدث. وتروي نسمة: "ما إن خرجت الأم سماح لتستطلع ما يجري وتكتشف أمر القوة الخاصة، حتى بدأت بالصراخ، واندلعت الاشتباكات". خلال لحظات، تبدل المشهد بالكامل؛ انتشرت عناصر القوة في محيط المنزل ومطعم مجاور، وبدأ القصف يطال المكان، بينما أحاطت أصوات إطلاق النار والغارات بأفراد العائلة.

وتقول نسمة إن القصف طال أجزاء من المنزل، ودُمّرت عريشة المدخل وبعض مرافقه، فيما خرج عبيدة برفقة شقيقته لإحضار المياه للأطفال الذين أصابهم الخوف وسط الفوضى. وفي محاولة لحماية والدهم، هبّ عبد الله وعبيدة إلى جانبه، بينما واصل العرابيد مقاومته قبل أن يُصاب ويُعتقل لاحقًا، وفق رواية نسمة.


اقرأ أيضًا: نسرين الزبدة... امرأة الظل وحصن المجاهدين


وفي الداخل، احتمت النساء والأطفال في "بيت الدرج" هربًا من القصف وإطلاق النار، لكن سماح لم تبقَ في مكان احتمائها. تقول نسمة، بنبرة تختلط فيها المرارة بالفخر: "هبّت الأم بشجاعة، والتقطت السلاح وخاضت اشتباكًا مباشرًا مع القوة الخاصة دفاعًا عن عائلتها". وبحسب رواية نسمة، كانت الطائرات المسيّرة تحلق فوق المكان وتستهدف محيط المنزل، قبل أن تطلق إحداها صاروخًا باتجاه سماح، فأصيبت وسقطت أرضًا.

شهيدة رافعة السبابة

الشهيدة أم محمد العرابيد.jpg

تقول نسمة إن سماح بقيت تنزف لنحو عشرين دقيقة، فيما حالت كثافة إطلاق النار دون تمكن أفراد العائلة أو طواقم الإسعاف من الوصول إليها. وتضيف: "لم يستطع أحد الاقتراب منها؛ لا أبناؤها الذين كانوا يحاولون القتال والنجاة، ولا طواقم الإسعاف التي حالت النيران دون وصولها".

لم تكن سماح وحدها من دفعت ثمن ذلك الصباح، في المكان نفسه، كان عبيدة، الذي كان يستعد لعقد قرانه، قد أُصيب بشظايا أدت إلى فقدانه إحدى عينيه، أما شقيقه عبد الله، الذي لم يمضِ على زواجه سوى أشهر قليلة، فأصيب إصابة بالغة الخطورة، كما أُصيبت زوجته. وفي زاوية أخرى من المأساة، أُصيبت شقيقتهما، وهي أرملة أحد الشهداء، في يدها، إلى جانب إصابات أخرى طالت أفرادًا من العائلة والمكان.

اعتقال الرجل المشتبك

اعتقال معين العرابيد.jpg

تتوقف نسمة عند هذه التفاصيل، لا باعتبارها أرقامًا في حصيلة إصابات، وإنما باعتبارها أجزاء من يوم كان يفترض أن يكون مختلفًا تمامًا؛ فخلال ساعات قليلة، تحوّل البيت الذي كان يستعد لاستقبال المهنئين إلى مكان تحاول فيه الأسرة النجاة من القصف وإطلاق النار، وتحولت تجهيزات الفرح إلى شاهد على مأساة لم تكن في الحسبان.

وسط الفوضى وانقطاع الاتصالات، لم تكن العائلة تعرف في البداية مصير معين العرابيد، قبل أن يتأكد لاحقًا اعتقاله، وفق رواية نسمة. أما سماح، فلم تعد إلى بيتها. تقول نسمة إن صورة الأم وهي تواجه الخطر بقيت حاضرة في ذاكرة العائلة؛ امرأة كانت قبل دقائق تستعد لفرح ابنها، ثم وجدت نفسها في مواجهة الخطر، محاولةً حماية أبنائها وبيتها. وتختصر نسمة ما جرى بكلمات تحمل ثقل ذلك الصباح: "تشتتت العائلة في لحظات معدودة؛ استشهدت الأم دفاعًا عن بيتها، واعتُقل الأب، وأصيب الأبناء والعريس، ليتلاشى الفرح ويحل مكانه وجع طويل الأمد".

لم يبقَ من ذلك اليوم ما يشبه العرس سوى تفاصيل صغيرة: دعوات أُرسلت ولم يصل أصحابها، وتجهيزات أُعدت ولم تُستخدم، وبيت كان ينتظر ضحكات الضيوف، فإذا به يستقبل الخوف والدم.

العريس فقد عينه

اصابات قاتلة.jpg

رحلت سماح وبقي البيت الذي كانت تزيّنه للفرح يحمل آثار ذلك الصباح، وبقي أبناؤها يحملون إصاباتهم وذكرياتهم، فيما واجه العريس الذي كان ينتظر يومه الكبير بداية مختلفة لحياته، عنوانها غياب أمه. وتستعيد نسمة صورة الأم الأخيرة في ذاكرتها، قائلة: "كانت أمًّا قبل كل شيء.. وفي اللحظة التي شعرت فيها أن أبناءها وبيتها في خطر، لم تفكر بنفسها".

هكذا، لم تكن حكاية سماح الخالدي مجرد حكاية أم رحلت في صباحٍ عابر؛ بل حكاية امرأة بدأ يومها وهي ترتب لفرح ابنها، وانتهى وهي تواجه الخطر دفاعًا عن عائلتها.

رحلت سماح، لكن صورتها بقيت في ذاكرة أبنائها؛ أمًّا تقدمت نحو الخطر حين كان الجميع يبحث عن ملاذ، وتركت خلفها فرحًا لم يكتمل، وبيتًا يحمل آثار ذلك الصباح، وغيابًا سيظل حاضرًا في كل مناسبة كان يفترض أن تكون هي أول الفرحين بها.