"ولادي… ولادي".. كانت تلك الكلمات كل ما استطاعت شادية أن تقوله وهي عالقة تحت الركام الثقيل. سمعت أنين زوجها إلى جوارها، قبل أن يخفت صوته ويعمّ الصمت، وفي لحظة رعب لم يعد فيها شيء مفهومًا، رفعت دعاءها إلى الله: لو كان موتًا، لنرحل معًا". ثم غابت عن الوعي. فتحت عينيها على أصوات من حولها تسألها: وين أولادك كانوا بالبيت؟ أجابت، فيما كانت أيدي الجيران وفرق الإنقاذ تبحث بين الركام عن أحمد وليان. انتشلوا أحمد أولًا، ثم وجدوا ليان بعدما قذف الانفجار جسدها خارج البيت.
وبعدها جاؤها يقولون: 'اطلبي من الله العوض… ولادك شهداء". لم تبك شادية، لم تصرخ. لم تستطع حتى أن تستوعب. بقيت صامتة، كأن الصمت كان آخر ما تملكه لتحمي عقلها من الانهيار، وكأن استيعاب الحقيقة دفعة واحدة كان أكبر من قدرة قلب أمّ على الاحتمال. كان الخبر أثقل من أن يُبكى في لحظته، وأكبر من أن تصدقه أم ما زالت تنتظر أن يركض صغارها نحوها.
هنا تروي شادية أبو دحروج، أم الشهيدين أحمد وليان، تفاصيل اللحظة التي فقدت فيها طفليها في بدايات الحرب، وتروي عن ذكرياتهما الصغيرة التي ما زالت حاضرة في تفاصيل يومها، وعن افتقادها لهما الذي لا يهدأ، تتحدث عن أمومة حُرمت منها، وعن وجوه غابت عن الحياة، لكن في قلبها حية لا تموت.
أنفاس عالقة تحت الركام

كان أذان الفجر على وشك أن يُرفع، حين غلبها النعاس للحظات، فأغمضت عينيها قليلًا، دون أن تعرف أن تلك ستكون آخر لحظات الهدوء في بيتها. فجأة، استيقظت على ضوء أحمر شديد، تلاه انفجار، ثم وجدت نفسها تهوي بين الركام، تقول: "لم أسمع الانفجار، وبالأصل الاستهداف كان لبيت الجيران لكننا تضررنا، بعدها لم تعد الحياة كما كانت، سمعت أنين زوجي، ولم أعرف أولادي أين هم، لكن بعد نقلي للمشفى أخبروني أنهم شهداء، لم أبك وأصرخ، صمتت فحسب".
غادرت شادية المشفى بعد استقرار حالتها، تحمل حروقًا في ظهرها وإصاباتٍ لدى زوجها، لكن جرح القلب كان أشدّ ألمًا. عادت لتجد أن البيت لم يعد موجودًا، فتوجهت إلى مركز للإيواء، وهناك، وسط النازحين، بحثت عن طفليها فلم تجدهما. عندها أدركت أنهما رحلا بلا عودة، فانهمرت دموعها حتى جف دمعها، وبقيت ذكرياتهما وحدها تسكن قلبها.
اقرأ أيضًا: هواتف تحت الركام: قتلوا ما تبقى فينا من حياة
تضيف بأسى: "قبل القصف بيوم واحد، كان عمّ أولادي يمازحهم ويقول لهم: "بدنا نروح عالجنة سوا". أحمد، ببراءة، أجاب: نعم. أما ليان، فرفضت بشدة، وقالت: «بدي أعيش وأفرّح أبوي وإمي، ما بدي أترككم". لم نكن نعلم أن كلماتهم في ذلك اليوم لم تكن مجرد مزاح، وأن اليوم التالي سيحمل لنا أقسى حقيقة".
أم الشهداء الصغار

تحكي شادية بصوت متحشرج: "قبل القصف بيوم واحد، كان أحمد يؤمّنا في الصلاة، وكأن قلبه كان يعرف أن تلك اللحظات ستكون من آخر ما يجمعنا، كان محبًّا للصلاة، ذكيًّا ومتفوقًا، ويحبّ الدراسة كثيرًا، يحب الذهاب إلى مطعم التايلندي لتناول الطعام، ويحب بوظة معتوق، وكانت المقلوبة والكولا من أحب الأشياء إلى قلبه، وكان شديد التعلّق بأخواله، وكلما مرّ شهيد أمامه، ذهب إلى المقبرة لزيارتهم، لم نكن نعلم أنه بعد أسبوعين فقط، سيصبح هو وأخته ليان من أهل تلك المقبرة".
تردف: "حتى التفاصيل البسيطة بينه وبين أخته كانت تحمل حبًّا كبيرًا. عندما أجرينا له عملية اللوز، أحضرنا له المثلجات بعد العملية، فغارت ليان منه وقالت إنها تريد أن تُجرى لها العملية نفسها. كانا شديدَي التعلّق ببعضهما، وحتى في الرحيل، جمعتهما يد واحدة".
آخر ما تبقى

أما عن ليان تقول وهي تمسح دمعة سقطت: "قبل القصف بيوم، ارتدت ثياب الصلاة، وربما كانت تلك آخر صورة لنا معًا، كانت طفلة تحب الحياة، وتتشبث بنا وبعائلتها، رسامة بارعة، تتقن الإنجليزية، وتحب شقيقها، ولا تفعل شيء دونه، جائتني بعد ٦ سنوات من الانتظار وأعطت لحياتي لون".
وفي أحد أحلام شادية، رأت ليان أمامها، فطلبت منها أن تغني لها أغنية حبيبة أمها، وأن تسمح لها بتصويرها، وكأنها كانت تحاول أن تحتفظ بها للحظة أطول، وأن تخلّد ملامحها في صورة لا يطالها الغياب. أما أحمد، فقد زارها هو الآخر في المنام، وأخبرها أن ليان معه، وأنهما يلعبان معًا عند بئر من الماء.
تستذكر شادية حين رنّ الهاتف، وكان المتصل معلّمًا من مدرسة النصيرات الإعدادية ، يسألها: "أنتِ ولي أمر الطالب أحمد عبد الناصر أبو دحروج؟ نريد تسجيله في المنصة التعليمية". ارتبكتُ وسألته أن يتأكد من الاسم، ثم قلت: نعم، إنه ابني، لكنه رحل إلى العلياء مع أخته ليان وأعمامه قبل عامين". ساد الصمت، ثم اعتذر الأستاذ وقال: "لم نكن نعلم… عظّم الله أجركم". تختم حديثها: "يومها شعرت أن أحمد، رغم غيابه عن مقعده منذ عامين، ما زال حاضرًا في ذاكرة مدرسته، ذلك الطالب المتفوق الذي كان من الأوائل".

