بنفسج

قلبه معلق بالمساجد وأوصانا بقطته "قمر".. الشهيد الطفل عدنان جابر

السبت 22 اغسطس

الشهيد الطفل عدنان جابر
الشهيد الطفل عدنان جابر

"كنت أضل أستنى رجعته ع البيت، كل شوي أتفقد سريره وأحكي: بجوز نايم، بجوز يرن عليّ. أنا عارفة إنه استشهد، بس خلص، بظل أستنى فيه". هنا توقفت أم عدنان عن الكلام، وانسابت دمعة من عينيها، فيما ارتسمت على وجهها نظرة تخفي خلفها شوقًا عظيمًا وغصّة كأنها جبل يستقر في صدرها.

على صدرها، علّقت صورة ابنها الشهيد في قلادة كوسام شرف، وكأنها تحمله وتضمه إليها أينما حلّت وكيفما مضت. هو حاضر رغم غياب الجسد، وفي ملابسه التي ما زالت تحتفظ بها، تجد رائحة طفلها وبكرها عدنان.

واستشهد ابن الـ15 عامًا

IMG-20260822-WA0074.jpg

عدنان أيسر عدنان جابر، من مواليد عام 2009، كان بكر عائلته وأكبر أربعة إخوة. نشأ في مخيم نور شمس، شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية المحتلة، وحفظ حاراته وأزقته عن ظهر قلب. ومنذ طفولته، اعتاد على أصوات الاقتحامات والاشتباكات، فتشكّل وعيه مبكرًا، ورغمًا عنه، إذ فرض الواقع عليه أن يكبر قبل أوانه.

كان صغيرًا في عمره، عظيمًا في وعيه وإدراكه، ملتزمًا بصلاته، مواظبًا على تلاوة القرآن، ومن روّاد المسجد، حتى إن المصلين في مسجد الصابرين بالمخيم عرفوه مواظبًا على الصلاة وخدمة المسجد طوعًا ومحبة واحتسابًا للأجر. كان ينفض الغبار عن المصاحف ويعيدها إلى أماكنها، وينظف سجاد المسجد، ويسارع إلى خدمة المصلين وسؤالهم إن كانوا بحاجة إلى شيء. وكان أدبه وحسن حديثه يلفتان انتباه من حوله، قبل أن يصلي ركعتي تحية المسجد، ثم يجلس ليتلو ما تيسّر من القرآن الكريم.


اقرأ أيضًا: "أساطير" رأيناها واقعًا في غزة عن أحقر احتلال عرفه التاريخ


تتذكر والدته صفاته، وتقول: "كنت أستغرب منه، رغم صغر سنه، ما كان يقطع فرضًا، ودائمًا يقرأ قرآن، وقلبه متعلق بالمسجد، ويصوم كل يوم اثنين وخميس والأيام البيض". وتضيف: "عدنان أول ولد إلي، فرحة حياتي. هادي، خدوم، بحب يساعد الناس ومحبوب بين الكل، واللي بميّزه عن إخوته إنه متسامح جدًا".

كان ابن الخامسة عشرة والنصف حين قتله الاحتلال، وأنهى حياة لم تبدأ بعد في اكتشاف أحلامها كاملة. رحل قبل أوانه، تاركًا وراءه أحلامًا مؤجلة، وبيتًا لا يشبه البيت من بعده، وقلب أم يحمل جرحًا لا يندمل. غياب عدنان كان ثقيلًا وموجعًا على والدته وعائلته، خصوصًا بعد حادثة استشهاده. كانت كل البدايات من دونه صعبة وناقصة، لكن مع مرور الوقت بدأت العائلة تستوعب غيابه، وتحتسبه عند الله، مؤمنة بقضاء الله وقدره، وترى في شهادته كرامة له، وتجد في الصبر سبيلًا لمواصلة الحياة.

هاتفته فلم يرد

IMG-20260822-WA0072.jpg

قبل استشهاد عدنان بيومين، شعرت والدته فجأة بضيق في صدرها وتعب لم تجد له تفسيرًا، رغم أنها لم تكن تعاني من أي وعكة صحية، ولم يكن هناك ما يعكّر صفوها. لم تكن تعلم أن قلبها كان يقف على عتبة فقد عظيم. وفي يوم استشهاده، اتصلت به والدته وطلبت منه العودة إلى البيت. تقول: "حكيتله بدي أشوفك، تعال ع البيت. لما وصل دخل ع الحمام، وما استنيت يطلع، دقيت ع الباب واستعجلته. حكيتله: تعال بدي أشوفك، جاي عبالي أتطلع عليك وأشبع منك".

استغرب عدنان حديثها، وسألها عن سبب تصرفها ذلك اليوم، خصوصًا مع وجود تحركات في المخيم. لكنها لم تعرف ماذا تقول، سوى: "ما بعرف شو السبب، بس بدي أضل أتطلع عليك"، كانت تلك آخر مرة تنظر فيها إليه وهو حي. أصر عدنان على خروج أمه والعائلة من المنزل، وأوصاهم بالاهتمام بقطته قمر، فيما أوصته والدته: "أمانة دير بالك ع حالك". تناولوا الطعام، ثم همّت العائلة بمغادرة المنزل باتجاه قرية شويكة لزيارة خالتهم. وفي الطريق، جاء الخبر.

يا لحدس الأمهات

IMG-20260822-WA0070.jpg

"في قصف بحي المنشية بالمخيم". شعرت الأم، دون أن تعرف كيف، بأن المستهدف هو ابنها. خرجت منها الكلمات أمام والديها وشقيقها الذين كانوا برفقتها في السيارة: "هاد ابني… ابني". توالت الاتصالات، وتسارعت دقات القلب، تقول: "رنيت ع جواله، رد واحد حكالي عدنان منيح. بحكيله وينه؟ قال منيح منيح، وطفى الخط. بهاي اللحظة حكيتلهم: ابني استشهد، ابني، ما بعطي جواله لحدا".

كان شقيقها يحاول تهدئتها، يقول إن عدنان مصاب لكن بكاءه كان يقول شيئًا آخر. "أخوي وهو يحكي بالجوال صار يبكي ويحاول يهديني إنه عدنان متصاوب، بس بكاؤه بيّن إنه في إشي أكبر. نزلت عند طلعة المستشفى، كانت أزمة كثير، بعرفش كيف وصلت فوق". حتى تلك اللحظة، كانت الأم تتشبث بأمل صغير: أن تجد ابنها مصابًا،  لكنها حين وصلت، وجدته مضرجًا بدمائه،تبدد كل شيء، توقف الزمن، وصار البكاء سيد المكان. ربع ساعة فقط كانت تفصل بين لحظة رأته فيها داخل المنزل، ولحظة رأته فيها جثة هامدة في ثلاجة المستشفى.


اقرأ أيضًا: بين الركام: تفتت "لحم" طِفْلَيَّ وغابت أجسادهم


تقول أم عدنان: "استشهاده أثر عليّ بشكل كثير كبير. قعدت فترة وأنا مش قادرة أستوعب اللي صار، وضليت أستنى فيه. لدرجة إني ما رجعت ع البيت إلا بعد شهرين من استشهاده". ثم تصمت قليلًا، قبل أن تضيف: "كل إشي أول مرة بعمله كان صعب… أول مرة نمت فيها بالبيت، أول طبخة، أول لمة للعيلة، وكل المناسبات. الله يرحمه ويرضى عنه. ولحد الآن ما حضرت فرح، لأنه فرحتي راحت".

لم يكن غياب عدنان غياب ابن عن أمه فقط، بل غياب جزء من تفاصيل البيت والحياة. ومع ذلك، تجد الأم بعض السلوى في أبنائها الآخرين، وفي الشبه الكبير الذي تراه في ملامح أحدهم وتصرفاته، كأن عدنان ترك شيئًا منه فيهم ليبقى قريبًا منها.

"بستناه يرجع"

IMG-20260822-WA0073.jpg

أما "قمر"، القطة التي رباها عدنان، فكانت جزءًا من تفاصيل يومه ورفيقة اعتاد أن يعتني بها ويحنو عليها. وبعد استشهاده، افتقدته هي الأخرى. وحين اضطرت العائلة إلى النزوح بعد أن فجّر الاحتلال منزلها، ضمن العملية العسكرية التي شنها على مخيم نور شمس وفرض خلالها حصارًا على سكانه، آثرت أم عدنان إعطاء «قمر» لإحدى العائلات لرعايتها إلى حين استقرارهم، وكانت بين فترة وأخرى تجلبها إليها ثم تعيدها.

في السادس والعشرين من آب/أغسطس 2024، أطلقت طائرة مسيّرة إسرائيلية عدة صواريخ صوب منزل في حارة المنشية بمخيم نور شمس، ما أدى إلى استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم الطفلان عدنان جابر ومحمد أحمد عليان. كان عدنان في الخامسة عشرة والنصف حين رحل، لكنه ترك خلفه عمرًا كاملًا من الذكريات؛ مسجدًا عرف خطواته، ومصحفًا حمل يديه، وقطّة كانت تنتظره، وإخوة حفظوا ملامحه، وأمًا ما زالت تنتظر عودته رغم أنها تعرف أنه لن يعود.

وفي ختام حديثها، وجّهت أم عدنان رسالة إلى أمهات الشهداء، تدعوهن إلى الاعتزاز بأبنائهن والفخر بهم، والإكثار من الدعاء لهم. فحين يغيب الابن عن العين، يبقى الدعاء الطريق الأقرب إليه، ويبقى عدنان، في قلب أمه، ذلك الطفل الذي لم تغلق له باب الانتظار؛ صغيرًا في العمر، كبيرًا في الأثر، حاضرًا في البيت، في صورته المعلّقة على صدرها، وفي كل مرة تتفقد فيها سريره، وتقول لنفسها: "بجوز نايم… بجوز يرن عليّ".