بنفسج

"حملت غيابه بنصف قلب"... ندى شاهين تروي حكاية أوجعها الرحيل

الثلاثاء 04 اغسطس

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

في الفجوات العميقة التي يتركها الرحيل المفاجئ، حيث تُقاس المسافات بلحظات الحنين الشديدة التي تتسلل صامتة مع كل فنجان قهوة غاب عنه صاحبه، ومع كل سؤال طفولي بريء يتردد في أرجاء البيت يبحث عن إجابة لا تملك الأم في مواجهتها سوى الدموع والوجوم.

هكذا تبدو تفاصيل الحياة اليومية لـ ندى شاهين، زوجة الشهيد محمد نصار، التي وجدت نفسها فجأة، ومن دون تمهيد، أمام واقع قاسي ومفجع، تحمل فيه ثقل الفقد ووجع الفراق ومسئولية عائلة كاملة بمفردها، بعد أن غاب شريك العمر ورفيق الدرب، مستشهدًا  برفقة عدد من أفراد أسرته في ليلة دامية، لتبدأ من وسط الركام حكاية صمود واستبسال تقودها أم صابرة من أجل البقاء وحماية أبنائها.

"محمدي فقيد قلبي"

الاستهدافات الإسرائيلية

تسترجع ندى ذكريات زوجها الراحل بكثير من الحب والجلال، وتصفه بكلمات تفيض حناناً وشجناً يعكس مكانته العميقة في وجدانها: «محمدي فقيد قلبي، قمري الراحل.. يا حسن الخلق وطيب السيرة، يا بشوش الوجه وخفيف الظل، يا ليناً في أهلك وبراً بوالديك، ومحبوباً من الناس، يا مرغوب الحضور، يا حبيب أولادك وصاحبهم، يا حبيبي أنا.. يا كل الأشياء الجميلة يا قمري.

لم يكن محمد بالنسبة لأسرته الصغيرة مجرد زوج أو أب يتحمل الأعباء المادية فحسب، بل كان روح البيت والسند الأكبر لجميع من فيه. تعبر ندى عن ذلك بنبرة صادقة: «ما شفت بحياتي حدا حنون وبيحب أولاده وزوجته وبيخاف عليهم قده». كان يقدس المناسبات الخاصة بالعائلة، ويسعى دوماً لإدخال السرور على قلوبهم عبر مفاجآت لطيفة، وكان حرصه دائماً ألا يدخل البيت إلا ومعه ما يسعد قلب كل فرد في الأسرة.


اقرأ أيضًا: مراد الرجوب محررًا في وفاء الأحرار.. مبعدًا إلى غزة شهيدًا فيها


قبل اندلاع الحرب، كانت تفاصيل يومهم العادي تنساب بهدوء ومودة؛ يحرص محمد على المشاركة في تفاصيل المنزل البسيطة، يمد يد العون لزوجته، ويتابع دروس الأبناء برفق واهتمام إذا ما رآها مجهدة أو شغلتها أعباء البيت. وكان من عادته المحببة أن يسأل أطفاله صباحاً قبل خروجه لعمله: 
شو جاي عبالكم تاكلوا اليوم عالغدا؟»، وقبل عودته يتصل ليتأكد من احتياجات البيت ويستفسر من أطفاله عما يشتهون.

أما عن يوم الجمعة، تستذكره ندى بمرارة؛ حيث تلتقي العائلة بعد العصر حول فنجان النسكافيه مع صنف حلو أعدته لهم، لتتوج الاستكانة بسهرات عائلية عفوية في الليل، إما في المنزل أو في مطعم أو على شاطئ البحر، في جولات ملؤها البهجة والرفقة بلا تخطيط مسبق.

ليلة أربكت المدى.. حين تبدلت معالم الحياة

الشهيد محمد نصار

لم تكن ليلة الاستشهاد شبيهاً بأي كابوس مرّ على خيال ندى. ففي تمام الساعة الواحدة و٤٥ دقيقة فجراً، وفي ليلة جمعة ثقيلة، استيقظت المنطقة على أصوات قصف وطيران مرعب، وسط انقطاع تام لشبكات الاتصال والإنترنت.

تسترجع ندى تفاصيل تلك اللحظات الفارقة: «ما كنت عارفة شو بيصير بس كنت مرعوبة، قمت من مكاني وصرت امشي واطلع على محمد والأولاد وأستودعهم عند رب العالمين وأقرأ القرآن، ثم رجعت مكاني وغفوت من شدة الخوف.. لأستيقظ بعد ذلك على صوت صراخ الأولاد، وأنا لا أرى أمامي شيئاً سوى الدخان والغبار الذي ملأ الغرفة.


اقرأ أيضًا: عامان تحت الأنقاض: ندى بدوان حين يجرح الأمل صاحبه


في تلك اللحظات الحرجة، استغربت ندى انعدام صوت زوجها محمد، فجلست إلى جواره تحاول إيقاظه وسط صراخ الأطفال: بابا اصحى.. بابا قوم». ظنت في البداية أنه مصاب فقط، قبل أن تشعر بسائل ساخن ينزف من رأسها وتكتشف أن أطفالها جميعاً ينزفون من أماكن متفرقة. احتضنتهم وجلست بجوار محمد وهي عاجزة عن التصرف، حتى سمعت صراخ شقيق زوجها ينادي عليهم بالنزول فوراً لأن البيت تعرض للقصف.

تتابع ندى: نزلت وأنا أجر أطفالي، وركضت نحو سلفي وقلت له: الحق شوف أخوك ما قام معي! صعد ليتفقده، ثم نزل والدموع في عينيه ليقول لي: يا ندى عظم الله أجرك.. محمد استشهد. خرجت العائلة من تحت الركام، ونُقل ابنها “علي” أولاً إلى مستشفى العودة، ثم لحقت به ندى مع ابنتها، ومن مستشفى العودة جرى تحويلهم جميعاً إلى مستشفى الأقصى لتلقي العلاج.

مرارة الفقد وأعباء المسئولية

ابناء الشهداء

تصف ندى الفترة التي قضتها في المستشفى بأنها أصعب تجربة مرت عليها في حياتها، حيث كانت البداية الحقيقية للحمل الثقيل الذي وُجدت فيه وحيدة. قضت الأسرة ٤٥ يوماً متواصلة داخل المستشفى وسط إصابات جسدية ونفسية بالغة، وكانت الابنة الصغيرة مسك تعيش حالة من الصدمة الرافضة للواقع؛ لا تتوقف ليل نهار عن النحيب والنداء على والدها.

تقول ندى بكتمان: أصعب موقف كان عندما يراها أحد من المارّين أو الأطباء وهي تبكي بحرقة فيقول لي: نادي أبوها إلها عشان تسكت.. حينها كنت ألوذ بالصمت التام، وتكون دموعي هي الرد الوحيد الذي يخرج مني أمامهم».

لم تتوقف الصدمة عند ارتقاء الزوج؛ فبينما كانت ندى تتابع جراح أطفالها، جاء خال زوجها ليزف إليها نعي عائلة كاملة: عظم الله أجرك يا خال في زوجك، وحماكِ، وحماتكِ، ونعمة، وولاء، وبنات ميساء. أمام هذا الهول، توقف العقل عن الاستيعاب، وتقول ندى: خسرت أغلى ناسي بلحظة واحدة
تستذكر ندى اللحظات الأخيرة التي سبقت الفاجعة بيومين، فتلاحظ تفاصيل لم تكن تفهم مغزاها.

كان محمد يشتري المؤن ومواد التنظيف للمنزل بشكل لافت، وقبل ارتقائه بيوم واحد أصرّ أن تشاركه ترتيب الصناديق قائلاً: «ركزي معي كل غرض وين حطيته». تقول ندى: كان يؤمّنني ويؤمّن الأولاد وأنا لا أعرف.. كان يستعد للرحيل ويودعنا بطريقته الخاصة.

صمود واستمرار بالقرآن والأمل

IMG-20260804-WA0005.jpg

منذ تلك اللحظة الفارقة، أصبحت الأم تلعب دور الأم والأب معاً، تواجه قسوة النزوح، وضغوط تأمين حياة آمنة للأبناء، والشح الشديد في الماء والمواد الأساسية. ورغم العبء الصعب، تحرص ندى على متابعة تعليم أطفالها وحفظهم للقرآن الكريم، مستمدة قوتها من الإيمان: لولا الله والقرآن لتفتت هذا القلب.. قوتي هم ولادي، وبسعى علشان أكمل الطريق اللي رسمناه أنا ومحمد إلهم.

وحين تُسأل ندى عما تود قوله لزوجها الراحل لو كان يسمعها اليوم، تخاطبه بكلمات تشبه المناجاة الوجدانية: «إلى الغائب الحاضر في كل تفاصيل أيامي، أكتب لك وكأنك ستقرأ.. منذ رحيلك تغير كل شيء؛ الأماكن فقدت أصواتها، والوقت يمشي ببطء متعب. كنتَ الأمان، واليوم أحمل غيابك وحدي، وأتعلم كيف أعيش بنصف قلب. أعدك أن أبقيك حياً في دعائي، وفي كل صدقة باسمك.. نم مطمئناً يا حبيبي، فحُبك لم يمت، وذكراك لم تغب حتى نلتقي بإذن الله.

ختامًا.. تظلّ قصة ندى شاهين شاهدةً على أن الوجع في غزة لا يُقاس بحجم الركام الذي تتركه الحرب، بل بعمق الفراغ الذي يخلفه رحيل الأحبة في زوايا البيوت وقلوب المنتظرين. غير أن هذه الحكاية لا تنتهي عند حدود الفاجعة؛ بل تبدأ منها رحلة بطولة صامتة، تحول فيها الأم المكلومة الذكرى إلى قوة والوصايا إلى خريطة طريق، لتبقى سيرة الحب والوفاء حية لا تموت.