لم يكن يعلم أن فرحته الأولى بالأبوة ستبقى حلماً مؤجلاً إلى الأبد، وأن مولوده الذي طالما انتظره يوماً بعد يوم سيأتي إلى الحياة حاملاً اسمه وحكايته التي لم تكتمل. فبعد أشهر قليلة من زواجه، علم جمال أنه سيصبح أباً للمرة الأولى، وبدأ يعد الأيام انتظاراً لمولوده الأول، لكن الحرب كانت أسرع من أن تكتمل أحلامه، فاختطفته قبل أن يحتضن طفله أو يسمع منه كلمة “بابا”، التي طالما انتظر سماعها.
تقول زوجته بيان: “كانت حياتنا حلوة وبسيطة وهادئة، كان عنا أحلام كثيرة وأشياء كنا نخطط لها سوا، وكنا بنستنى أول طفل وأول فرحة بحياتنا”. لم يكن حلم تكوين العائلة بالنسبة لجمال مجرد أمنية، بل كان واحداً من أجمل أحلامه التي كان يحدث زوجته عنها دوماً. كان يحلم أن يصبح أباً، ويحمل ابنه بين يديه، ويناديه الجميع بلقبه الجديد الذي اختاره قبل ولادة طفله: “أبا أيان”.
واستشهد في أوج الفرح

لم يمضِ على زواجهما سوى أشهر قليلة حتى علمت بيان بحملها بطفلهما الأول، لتبدأ رحلة الانتظار والشوق لرؤية ابنهما. تقول بيان: “كان بيستنى طفله على أحر من الجمر، كان يعد الأيام يوم بيوم وشهر بشهر، وكان حلمه يكون عنده أسرة وأطفال وعائلة حلوة”. حتى اسم طفله كان قد اختاره قبل ولادته؛ فقد أراد أن يسميه “أيان”، وكان يحب أن يسمع من الجميع لقبه “أبا أيان”، منتظراً يوم ميلاد طفله ليحتضنه للمرة الأولى.
لكن القدر شاء أن يستشهد جمال قبل أن تكتمل فصول حياتهما، تاركاً خلفه بيان لتكمل وحدها ما خططا له معاً، وتستقبل ابنهما الأول في غيابه، وتواجه وحدها صعوبة الحياة. وقبل استشهاده، كانت وصاياه المتكررة لبيان تحمل في طياتها الكثير من الخوف والحب لها ولابنهما القادم، إذ كان يهمس لها دوماً: “ديري بالك على اللي في بطنك، وانتبهي على حالك، وخليكي قوية وصابرة”.
لم تكن تلك الكلمات مجرد عبارات عابرة، بل بدت وكأنها رسائل الوداع الأخيرة. فمع اشتداد القصف على قطاع غزة، كان جمال يكثر من الحديث عن الشهادة، ويقول لها دائماً: “نياله اللي بموت شهيد، ربنا يكتبها إلي”. كما كان يردد: “حضري حالك… ح أجيكي بالكفن الأبيض”، وكأن قلبه كان يشعر باقتراب الرحيل.
وقع الخبر

كانت بيان حاملاً في شهرها الرابع عندما تلقت خبر استشهاد زوجها، الخبر الذي غيّر حياتها إلى الأبد. ففي طريقها إلى المشفى، وصلها نبأ استشهاد سلفها، بينما كان زوجها برفقة إخوته قد توجهوا إلى المناطق الشرقية لإحضار أخيهم بعد انقطاع الاتصال به. تروي تلك اللحظات القاسية بغصة في قلبها، قائلة: “رنوا عليّ وحكولي سلفك استشهد، وعلى أساس سلفي اللي مستشهد، وبعدها رنوا على مرت عمو وحكوا إلها الولاد كلهم شهداء”.
لم تستوعب بيان الخبر في البداية، وظلت متمسكة بالأمل حتى آخر لحظة. تضيف: “كنت متمنية أشوف زوجي بخير وما فيه شي، أو على الأقل مصاب، لكن شاء القدر إني أشوفه شهيد”. ومع غروب الشمس، تمكنت العائلة من إحضار جثامين أبنائها من بني سهيلا، وكان جمال أول من أُنزل من سيارة الإسعاف إلى ثلاجات الموتى.
تقول بصوت يملؤه الحزن: “راح… وراحت روحي معه”. فبرحيله لم تفقد بيان زوجاً فحسب، بل فقدت السند والأب والأخ والصديق والأمان، ورفيق الحياة الذي كانت تجد فيه كل ذلك. وما يزيد من عمق حزنها أن جمال أوصاها قبل استشهاده قائلاً: “لما أستشهد، ما تبكي ولا تحزني، زغرتي ووزعي حلو واصبري”. كانت الشهادة حلماً يتمناه منذ زمن طويل، لكنها بالنسبة لبيان كانت تعني وداعاً لا رجعة منه، ولم تكن مستعدة لتلك اللحظات الموجعة.
آخر اللحظات

قبل خروجه في ذلك اليوم، كان مستعجلاً على غير عادته. مشط شعره، وتعطر، ورتب ملابسه، ثم طلب هاتف بيان. تقول زوجته: “لقيته فاتح فيديو نبض وصورة السونار تبع البيبي، كان يشاهده قبل خروجه، يعني كانت النظرة الأخيرة لطفله. سكر الجوال وأعطاني إياه، وبعد ما استشهد، والدموع تنهمر من عيوني، مسكت جوالي بالليل، ولقيت هذا آخر فيديو فاتحه، وقلبي حينها احترق من شدة الألم”.
لم تكن تعلم بيان أن تلك ستكون آخر لحظة تجمعها بزوجها، وأنها ستكون أيضاً آخر مرة يرى فيها صورة ابنه الذي لم يولد بعد. وتتحدث بيان لـ”بنفسج” قائلة: “كان يحب أنشودة: غالي بروحاتك غالي بحياتك، وكان يطلب مني أحطها على صورته إذا استشهد، لكني في كل مرة كنت أرفض”.
أما اليوم، فتعيش بيان أمومتها ممزوجة بغصة غياب زوجها. تقول: “عشت عادي، بس عشت إنسانة بدون روح، لأنه كان روحي وكل حياتي… جمال”. وتضيف أنها كانت تتمنى كل يوم أن يكون خبر استشهاد زوجها مجرد حلم، وأن يكون حاضراً يوم ميلاد طفله، ليكون أول من يحتضنه بين يديه ويؤذن في أذنه.
جمال الصغير

وإن كان جمال قد رحل قبل أن يرى ابنه، فإن قصته ستبقى حاضرة في حياة زوجته وابنه. تقول لطفلها: “بحب تعرف يا ماما إن أبوك كان بيستنى اليوم اللي تيجي فيه على الدنيا، ويشوفك، ويحضنك بحضنه المليء بالحنان والدفء”.
الحرب على غزة لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق معها اللحظات التي لا يمكن للإنسان أن يستعيدها أبداً؛ تسرق لحظة أن يصبح الرجل أباً، وأن يحتضن مولوده الذي انتظره طويلاً، وأن يهمس في أذنه باسمه يوم ميلاده.
أما جمال، فقد جاء إلى الحياة بعد استشهاد والده بأشهر قليلة، يحمل اسمه وبعضاً من ملامحه. وبينما لم يُكتب للأب أن يشهد ولادة طفله، فقد ترك له من الحب والحنان ما يكفي لتبقى حكايته حاضرة في ذاكرة من أحبوه، ولترويها الأيام جيلاً بعد جيل.

