بنفسج

الأسيرة بشرى الطويل: عزل انفرادي في اعتقالها الخامس

السبت 05 سبتمبر

الأسيرة بشرى الطويل
الأسيرة بشرى الطويل

في الثامنة عشرة من عمرها، دخلت بشرى الطويل السجن للمرة الأولى. كانت فتاةً في مقتبل العمر، ولم تكن تعرف أن الاعتقال الذي بدأ عام 2011 سيصبح فصلًا متكررًا في حياتها، يمتد معها حتى الثالثة والثلاثين. خمسة اعتقالات على الأقل مرّت بها بشرى منذ ذلك الحين، تخللتها أحكام بالسجن واعتقال إداري وإفراجات لم تدم طويلًا. وبين كل اعتقال وآخر، كانت تحاول استعادة ما ينتزعه السجن منها: الدراسة، والعمل، وحياتها الطبيعية.

اختارت الصحافة طريقًا لها، وخصصت جانبًا كبيرًا من عملها لقضايا الأسرى والأسيرات. أرادت أن تنقل ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وأن تمنح المعتقلين مساحةً للكلام. لكن سنواتها التالية جعلتها تعرف السجن من الداخل أكثر مما عرفته من خلف الكاميرا. اليوم، بعد خمسة عشر عامًا على اعتقالها الأول، لا تزال بشرى في مواجهة الاعتقال.

خمس اعتقالات

بشرى الطويل.jpg

في شباط/فبراير 2026، اعتقلها الاحتلال مجددًا وحوّلها إلى الاعتقال الإداري، وأودعت سجن الدامون. وهناك بدأت معاناة أخرى وجديدة على بشرى في جميع اعتقالاتهارالسابقة، أصيبت بالسكابيوس، وتفاقمت حالتها الصحية، فيما تقول والدتها أنها ظلت تتلقى علاجًا لأعراض وُصفت لها على أنها حساسية، قبل أن يتبين إصابتها بالجرب، إلا أنه وبعد التأكد من أنها مصابة بالجرب، رفضت إدارة السجن على التعامل معها وفق هذا الأساس.

ثم جاء مشهد بن غفير داخل قسم الأسيرات في الدامون، حيث ظهرت بشرى ضمن المقطع الذي نشره، بملامح غير واضحة، يوجّه لها كلامًا بشأن وضعها ووضع والدها الأسير، وبأن الأحوال في السجن لن تكون كما اعتادوا عليها في سني سجنهم.

ظهرت بشرى في الفيديو من داخل زنزانة العزل الإنفرادي في سجن الدامون.. إلا أنه قد تبين وأُكِّد لاحقًا، أن الاحتلال قام بنقلها إلى العزل في سجن الرملة، في ظروفٍ أسوأ ومعلوماتٍ أقل حول وضعها الصحي. من فتاةٍ دخلت السجن في الثامنة عشرة، إلى امرأةٍ في الثالثة والثلاثين، تبدو السنوات الخمس عشرة في حياة بشرى الطويل وكأنها لم تكن زمنًا بين اعتقالين، بل عمرًا كاملًا تقطّع خلف القضبان.


اقرأ أيضًا: الأسيرة الطبيبة ديمة أمين.. أزمة قلبية.. قسطرة.. ثم إلى التحقيق


في 6 تموز/يوليو 2011، اعتُقلت بشرى للمرة الأولى، وكانت في الثامنة عشرة من عمرها. حُكم عليها بالسجن 16 شهرًا، لكنها أمضت نحو خمسة أشهر فقط، قبل أن يُفرج عنها ضمن صفقة وفاء الأحرار "شاليط". لكنه كما ديدن الاحتلال مع الاتفاقات والعهود، لم يكن الإفراج نهاية علاقتها بالسجن.

في عام 2014، أعيد اعتقالها ضمن حملة استهدفت محرري صفقة وفاء الأحرار، وأُعيد إليها ما تبقى من حكمها السابق. أُفرج عنها في أيار/مايو 2015. ثم دخل الاعتقال الإداري إلى قصتها، اعتُقلت عام 2017، ثم في كانون الأول/ديسمبر 2019، وفي كل مرة كانت تُحتجز دون تهمة أو محاكمة عبر أوامر إدارية قابلة للتجديد.

 السكايبوس ينخر جسدها

الأسيرة بشرى الطويل.jpg

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2020، اعتُقلت مرة أخرى، واستمر احتجازها حتى تشرين الأول/أكتوبر 2021. خلال تلك الفترة، دخل والدها جمال الطويل في إضراب عن الطعام احتجاجًا على اعتقال ابنته، في مشهد اختصر جانبًا من الثقل الذي حملته عائلة الطويل على مدى سنوات. وفي آخر اعتقالٍ لها سبق اعتقالها الجاري، أفرج عنها ضمن صفقة (طوفان الأحرار) مطلع عام ٢٠٢٥.

بعد تجربتها الأولى في الاعتقال، اتجهت بشرى إلى الصحافة والإعلام. درست الصحافة، وتخرجت عام 2013، وعملت في تغطية قضايا الأسرى، وارتبط اسمها بشبكة "أنين القيد". لم تكن الصحافة بالنسبة إليها مهنةً فحسب، كانت مساحةً لتوثيق ما عاشته، ونقل أصوات الأسيرات اللواتي عرفت ظروفهن عن قرب.

لكن عملها الإعلامي كان حاضرًا في التحقيقات معها، وفق ما روته سابقًا، لتجد نفسها أمام مفارقة قاسية: تحاول أن تروي قصة الأسرى، بينما تُلاحق هي بسبب هذه الروايات. وكان الاعتقال في كل مرة يعيد ترتيب حياتها قسرًا. يوقف دراسة، ويقطع عملًا، ويؤجل مشروعًا، ثم تبدأ من جديد بعد الإفراج.


اقرأ أيضًا: قلبان ولقاء مؤجل... بزنزانة اعتقال إداري


في شباط/فبراير 2026، اعتُقلت بشرى مجددًا، لتعود إلى الدامون، ويُصدر بحقها أمر اعتقال إداري جديد، لكن هذه المرة حمل السجن معها معاناة صحية مختلفة. بدأت بشرى تعاني من أعراض جلدية منذ أشهر، وكانت تراجع عيادة السجن وتحصل على مراهم لتخفيف الأعراض، ولا شيء يتغير، نقلت الأسيرات المحررات عن أن حالة بشرى قد ساءت، وأن جلدها قد أُنهك! حتى اتضح أنها مصابة بالسكابيوس، ولم تعترف إدارة السجن بذلك ولم توفر العلاج المناسب.

نادي الأسير أكد أن حالتها الصحية صعبة، وأنها تعاني من حالة متقدمة من عدوى السكابيوس في ظل حرمانها من العلاج والرعاية الصحية اللازمة. الجرب، في السجن، ليس مجرد مرض جلدي، فانتشاره بين الأسيرات، مع ظروف الاحتجاز ونقص مستلزمات النظافة والعلاج، يحول الإصابة إلى معاناة يومية تتجاوز الألم الجسدي.

تهديد لها ولوالدها

الأسيرات.webp

وبشرى واحدة من الأسيرات اللواتي يواجهن هذه الظروف في الدامون. في الفيديو الذي نشره بنغفير، عادت بشرى إلى الواجهة، فخلال اقتحامه قسم الأسيرات في سجن الدامون، صوّر الوزير الإسرائيلي الأسيرات ونشر مقطعًا من داخل القسم. ظهرت بشرى ضمن المشهد، وفق ترجيح عائلتها، بينما لم تكن ملامحها واضحة.

تحدث بن غفير أمام الأسيرات عن الماضي، وأشار إلى ما وصفه بـ"المخيم الصيفي"، قائلًا إن ما كان عليه الوضع سابقًا لن يعود، في حديث شمل بشرى ووالدها. لم يكن المشهد بالنسبة إلى عائلتها عابرًا، فبعده مباشرة، وفي 31 آب/أغسطس، أعلن نادي الأسير نقل بشرى من الدامون إلى العزل في سجن الرملة. ولا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أدلة مستقلة تثبت أن ظهورها في الفيديو كان سبب نقلها إلى العزل، لكن التزامن بين الحدثين أعاد تسليط الضوء على ظروف احتجازها، خصوصًا مع وضعها الصحي الصعب.

لم تعد حكاية بشرى الطويل تُقاس بعدد المرات التي فُتحت فيها أبواب السجن خلفها، بل بما بقي منها في كل مرة خرجت فيها. خمسة عشر عامًا مضت، تغيّر خلالها العمر، وتبدّلت المراحل، وبقيت بشرى تحاول أن تنتزع لنفسها مكانًا في الحياة، صحفيةً تحمل همّ الأسرى، وابنةً لعائلةٍ خبرت الاعتقال، وامرأةً لم تتوقف محاولاتها لبناء حياةٍ لا يحكمها السجن. أما اليوم، فتُترك قصتها معلّقة خلف جدران العزل، وسط قلقٍ متزايد على صحتها ومصيرها.