بنفسج

على عتبة الحلم الأخير

السبت 29 اغسطس

مفاهيم الزواج في العصر الحالي
مفاهيم الزواج في العصر الحالي

هناك أحلام لا تموت لأنها مستحيلة، وإنما تموت لأنها أقنعت صاحبتها يومًا بأنها لا تستحق أن تعيش طويلًا. كانت الفتاة في طفولتها تجلس إلى مكتبها، تفتح كتابها بعينين واسعتين، وتحلم أن تصبح طبيبة تحمل في يديها شفاءً لوجع الناس، أو أديبة تكتب ما عجز الآخرون عن قوله، أو باحثة تكتشف شيئًا يغير وجه الحياة.

ثم تكبر قليلًا، فيبدأ السؤال الذي يبدو بريئًا في ظاهره، لكنه قد يكون أول مسمار في نعش ذلك الحلم: “إمتى هنتجوز؟”. لا أحد يقول لها صراحة إن حلمها انتهى، لكن الكلمات تتكاثر حولها: “فلانة اتجوزت”، “بنت خالتك اتخطبت”، “العريس المناسب ما يتعوضش”، “البنت ملهاش غير بيتها”. ومع كل جملة، كانت مساحة الحلم تنكمش قليلًا، حتى يأتي يوم تُسأل فيه الفتاة: “نفسك تبقي إيه؟”، فتتلعثم قليلًا، ثم تجيب: “عايزة أتجوز”.

وهنا لا تكون الكارثة في رغبتها في الزواج؛ فالزواج ليس عيبًا، ولا الأسرة سجنًا، وإنما الكارثة أن يتحول الزواج من فصل في كتاب الحياة إلى الكتاب كله، وأن تُقنع الفتاة بأن أعظم انتصار يمكن أن تحققه هو أن ترتدي ثوبًا أبيض، بينما كانت منذ سنوات قليلة تحلم بأن ترتدي معطف الطبيب، أو تحمل قلم الأديب، أو تقف في محراب العلم.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن هذه الفكرة لا تهبط على الفتاة فجأة، وإنما تُزرع فيها كما تُزرع البذرة في الأرض، ثم تُسقى بالكلمات كل يوم حتى تنمو جذورها في أعماقها. وفي بعض البيئات الريفية تحديدًا، قد تتحول أحاديث الأمهات والعمات والخالات إلى ما يشبه الساعة التي تظل تدق في رأس الفتاة دون توقف. تذهب إلى المدرسة فتسمع عن الزواج، وتعود إلى البيت فتسمع عن الزواج، وتجلس مع قريباتها فتسمع عن الزواج، حتى يصبح الزواج حاضرًا في وعيها أكثر حضورًا من مستقبلها نفسه.


اقرأ أيضًا: ليس حبيس زنزانة: عن الحب سأتكلم


ثم تأتي لحظة ترى فيها صديقتها قد دخلت عش الزوجية، فتشعر أنها تأخرت، وكأن الحياة قطار له مقعد واحد، ومن لم يصعد إليه في موعده فقد ضاع. فتترك شيئًا من دراستها، ثم شيئًا من طموحها، ثم تترك الحلم كله، وتدخل إلى عالم لم تعرفه إلا من خلال الحكايات.

وهناك، خلف الأبواب التي بدت لها يومًا أبواب السعادة المطلقة، تكتشف أن الزواج ليس الصورة الوردية التي رسمها الخيال؛ إنه مسؤولية، وشراكة، واختلاف، وصبر، وامتحان يومي للنضج. وحين يهدأ ضجيج البدايات، ربما تجلس وحدها في ليلة طويلة، تنظر إلى شهادتها القديمة أو كتبها التي غطاها الغبار، وتسأل نفسها السؤال الذي لا يملك الزمن إجابة عنه: “ماذا لو أنني انتظرت قليلًا؟ ماذا لو أنني أكملت؟ ماذا لو أنني لم أدفن ذلك الحلم حيًا؟”.

كان الفقر في الماضي أحد أقسى السيوف التي قطعت طريق التعليم أمام كثير من الفتيات؛ أسرة لا تملك المال، وبيت يئن تحت وطأة الحاجة، وأب يرى أن لقمة العيش أولى من الكتاب، فتُغلق المدرسة ويُفتح باب الزواج. وكان في ذلك ألم مفهوم، وإن كان لا يخلو من قسوة الظروف. أما اليوم، فإن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا؛ لأن بعض الفتيات يملكن الفرصة، والكتاب، والمدرسة، والجامعة، ثم يتخلين عنها طوعًا تحت ضغط التقليد أو الاستعجال أو وهم أن الزواج هو النجاح الوحيد الذي ينبغي أن تسعى إليه المرأة.

وهنا لا بد أن نكون منصفين؛ فالمرأة التي تختار بيتها وأسرتها بكامل إرادتها لا ينبغي أن تُلام، كما أن الزواج لا يتعارض في ذاته مع العلم والعمل. وإنما المشكلة حين يصبح الزواج أداة لمصادرة الإرادة، والأشد إيلامًا أن تجد أحيانًا امرأة بلغت من العلم والثقافة ما يجعلها قادرة على أن تكون إضافة حقيقية لمجتمعها، ثم تُقنع بأنها مطالبة بإطفاء عقلها حتى يكتمل زواجها، وكأن نجاحها خطر، وكأن ثقافتها عبء، وكأن طموحها منافس لزوجها.

والمفارقة التي تكاد تكون موجعة أن بعض من اتخذن هذا الطريق في العشرينيات، هن أنفسهن من يقفن بعد سنوات أمام بناتهن ويدفعنهن دفعًا نحو التعليم، وكأن الأم تقول لابنتها دون أن تنطق: “إياك أن تكرري ما فعلته”. والأكثر إدهاشًا أن ترى امرأة في الأربعين أو الخمسين، بل ربما بعد الستين، تعود إلى مقاعد الدراسة، تحمل حقيبتها بين أيدي الطالبات الأصغر منها، وتدخل الجامعة، وتفتح كتابًا جديدًا، وتسعى إلى الماجستير والدكتوراه، وكأنها تسترد من الزمن شيئًا سُلب منها ذات يوم.

في عينيها شيء من الانتصار، نعم، لكن خلف ذلك الانتصار حكاية أخرى؛ حكاية امرأة لم تستطع أن تقتل حلمها تمامًا، فظل حيًا تحت الرماد سنوات طويلة، ينتظر منها لحظة شجاعة ليخرج من جديد. لكن عجب العجاب لا يكمن فقط في فتاة تركت التعليم من أجل الزواج، وإنما في فتاة وصلت إلى أعلى درجات العلم، ثم يُطلب منها، بعد كل هذا الطريق، أن تضع شهادتها على الرف وتغلق الباب خلفها.

سنوات من الدراسة، وليالٍ من السهر، وامتحانات، وأبحاث، وطموحات، وأحلام، ثم يأتي الزواج فيقول لها بعض الأزواج: “لا داعي للعمل”. وهنا لا بد أن نكون منصفين؛ فالمرأة التي تختار بيتها وأسرتها بكامل إرادتها لا ينبغي أن تُلام، كما أن الزواج لا يتعارض في ذاته مع العلم والعمل. وإنما المشكلة حين يصبح الزواج أداة لمصادرة الإرادة، والأشد إيلامًا أن تجد أحيانًا امرأة بلغت من العلم والثقافة ما يجعلها قادرة على أن تكون إضافة حقيقية لمجتمعها، ثم تُقنع بأنها مطالبة بإطفاء عقلها حتى يكتمل زواجها، وكأن نجاحها خطر، وكأن ثقافتها عبء، وكأن طموحها منافس لزوجها.


اقرأ أيضًا: نعم منسية لا نجيد الحديث عنها


والحقيقة أن الزواج الذي يخاف من نجاح زوجته ليس زواجًا قويًا؛ لأن البيت القوي لا يخشى النور، بل يزداد به نورًا. والمرأة لا ينبغي أن تُجبر على الاختيار بين أن تكون زوجة وأن تكون إنسانة ناجحة. تستطيع أن تكون أمًا، وزوجة، وطبيبة، وباحثة، وأديبة في آن واحد، متى وجدت شريكًا يفهم أن نجاحها ليس خصمًا من رصيده، بل إضافة إلى رصيد الأسرة والمجتمع والوطن.

ومصر التي تحتاج إلى كل عقل قادر على البناء، لا تستطيع أن تترك آلاف العقول المتعلمة حبيسة جدران البيوت، لا لشيء إلا لأن المجتمع أقنعها أن مهمتها انتهت يوم دخلت عش الزوجية. ولذلك، ربما آن الأوان أن نغير السؤال قبل أن نغير الإجابة؛ أن نتوقف عن سؤال بناتنا منذ الصغر: “هتتجوزي إمتى؟”، ونبدأ بسؤال أكثر رحمة وعمقًا: “نفسك تبقي إيه؟”.

أن نسألها عن الكتاب الذي تريد أن تكتبه، والمهنة التي تريد أن تتقنها، والعلم الذي تريد أن تتعلمه، والأثر الذي تريد أن تتركه خلفها. فالزواج جميل حين يكون اختيارًا، وعظيم حين يكون شراكة، وأجمل حين يأتي إلى حياة امرأة لديها حلم فيحميه بدل أن يدفنه. إنني لا أخشى على الفتاة من الزواج، وإنما أخشى عليها من أن تدخل إليه وهي تحمل بين يديها جنازة حلم.