خلف الأبواب المغلقة، تتقاطع الإصابة بالسكابيوس مع الرطوبة، والاكتظاظ، وشحّ مواد التنظيف، ونقص الملابس، وضيق الوقت المخصص للاستحمام، فيما تتواصل الاقتحامات والقمع والعزل ومصادرة الأدوية ومستلزمات النظافة.
في 17 آب/أغسطس الجاري، أعلن نادي الأسير الفلسطيني، استنادًا إلى زيارات حديثة أجرتها مؤسسات حقوقية للأسيرات، تأكد إصابة ما لا يقل عن عشر أسيرات بمرض الجرب "السكابيوس"، من أصل أكثر من 90 أسيرة يقبعن في الدامون، بينهنّ حوامل وطفلات وأسيرات يعانين مشكلات صحية مزمنة. وربط النادي انتشار المرض بالظروف الصحية والإنسانية القاسية داخل السجن، ومنها الرطوبة العالية، وشحّ مواد التنظيف، والاكتظاظ، وانعدام التهوية الكافية، والنقص الحاد في الملابس.
إفادات من داخل الدامون

لكن ما تكشفه الإفادات المتتابعة لا يقف عند رقم الإصابات. فبحسب مديرة الإعلام والتوثيق في نادي الأسير، أماني سراحنة، في مقابلة خاصة معنا في بنفـسج، فإن إدارة السجن تتعامل مع الحالات على أنها "حساسية"، في حين أكدت محامية شاهدت الأسيرات المصابات، وفق ما نقلته أماني، أن الأعراض التي رأتها تتوافق مع الجرب، وسط غياب قدرة الأسيرات أنفسهن على الحصول على تشخيص طبي مستقل وحاسم.
ومما أكد لنا في "بنفـسج" تفشّي المرض بين الأسيرات في سجن الدامون، أن أسيرتين محررتين شُخّصتا رسميًا بعدوى السكابيوس عقب الإفراج عنهما مباشرةً، مما يجعل رواية إدارة السجن، بحسب هذه المعطيات، موضع شكّ جدي. وتقول أماني سراحنة إن بعض الحالات وصلت إلى مراحل متقدمة من انتشار الحبوب والتقرحات، وإن الوضع يحتاج إلى تدخل عاجل، خصوصًا أن بين الأسيرات حوامل ومريضات وطفلات، وهي فئات تجعل استمرار المرض داخل بيئة مغلقة ومكتظة أكثر خطورة.
اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات
الرقم الذي أعلنه نادي الأسير ليس بالضرورة صورة كاملة عن حجم المشكلة. ففي اليوم نفسه، نشرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إفادة للأسيرة رغد الفني، 28 عامًا، عقب زيارة محاميتها لسجن الدامون، وصفت فيها الوضع الصحي داخل السجن بأنه صعب للغاية بسبب انتشار السكابيوس بين غالبية الأسيرات، مع وجود حالات وُصفت بأنها صعبة جدًا.
وبحسب الإفادة ذاتها، خصصت إدارة السجن الغرفة رقم 4 لعزل الأسيرات المصابات، في وقت تعاني فيه الأسيرات من نقص مواد التنظيف، والرطوبة العالية، وغياب التهوية الكافية، وهي ظروف قالت الهيئة إنها أسهمت في تفاقم المرض. كما أشارت الفني إلى تقليص فترة "الفورة".
رواية أكيدة: السكايبوس ينخر أجساد الأسيرات

وهنا تظهر المفارقة: عزل المصابات قد يبدو إجراءً للحد من العدوى، لكنه لا يعالج أصل المشكلة إذا بقيت البيئة التي تسمح بانتشار المرض على حالها، خصوصًا مع انعدام مستلزمات التنظيف والتعقيم، وقلة الاستحمام، وضيق الغرف، وعدم توافر الملابس. وتشرح مسؤولة الإعلام والتوثيق في نادي الأسير، أماني سراحنة، لـبنفـسج، أن المؤسسات المحلية حاولت القيام بما تستطيع من إجراءات أساسية للتعامل مع المرض، مستندة إلى خبرتها السابقة مع انتشار الجرب بين الأسرى الفلسطينيين، لكنها تحذر من أن استمرار الظروف نفسها يعني أن المرض يمكن أن ينتشر ويتفشّى بشكل أوسع.
في الدامون، لا تبدو النظافة الشخصية أمرًا بسيطًا يمكن للأسيرة أن تختاره متى أرادت. فوقت الاستحمام، مثلًا، مرتبط بالفترة المحدودة التي تخرج فيها الأسيرات إلى "لفورةة"، وهي فترة لا تكفي بشكل قطعي لجميع الموجودات داخل السجن. وبرغم انتشار المرض، لا تغيير في هذا النظام داخل السجن. ففي إفادة نشرتها هيئة شؤون الأسرى عن الأسيرة ليلى خليل، قالت إن "الفورة" تكون مرة واحدة لمدة ساعة، وإن جزءًا كبيرًا من الأسيرات لا يتمكنّ من الاستحمام بسبب ضيق الوقت.
اقرأ أيضًا: علا قطشيات: أصغر أسيرة في السجون
أما في شهادة رغد الفني، فتظهر الصورة الأكثر قسوة: نقص في مواد التنظيف، ورطوبة مرتفعة، وتهوية غير كافية، إلى جانب انتشار السكابيوس. وحين يصبح الحصول على الماء والاستحمام ومواد النظافة محدودًا، فإن التعامل مع مرض جلدي معدٍ يتحول من مسألة صحية إلى معاناة يومية متواصلة.
لا تعيش الأسيرات المصابات وحدهنّ في الدامون. فمن بين أكثر من 90 أسيرة، توجد حوامل وطفلات وأسيرات يعانين أمراضًا ومشكلات صحية مزمنة، ما يجعل انتشار المرض أكثر من مجرد رقم جديد في سجل الانتهاكات الصحية.
فالأسيرة لا تواجه المرض في بيئة منزلية تستطيع فيها تغيير ملابسها بسهولة، أو غسل فراشها، أو الحصول على العلاج فورًا، أو مراجعة طبيب مستقل. هي تواجهه داخل سجن مكتظ، وفي ظل نقص في أدوات النظافة والملابس، وقيود على الحركة والاستحمام، وبيئة تصفها إفادات الأسيرات بأنها شديدة القسوة. وفي هذا السياق، تقول أماني سراحنة إن التخوف الأكبر لدى المؤسسات هو من استمرار انتشار المرض، خاصة مع وجود أسيرات مريضات وحوامل وقاصرات.
ماذا تقول الأسيرات؟

وتشير إلى أن تجربة الأسرى الفلسطينيين خلال الفترات الماضية أظهرت، وفق ما رصدته المؤسسات، كيف يمكن للسكابيوس أن يتحول إلى معاناة طويلة الأمد حين لا تتوافر ظروف العلاج والنظافة والعزل الصحي السليم. لو كان الأمر متعلقًا بالسكابيوس وحده، لكان من الممكن اختصار القصة في تشخيص وعلاج. لكن إفادات الأسيرات الأخيرة تقول شيئًا آخر.
في 17 آب/أغسطس، ظهرت أولى التقارير الرسمية حول انتشار ورصد حالات الإصابة بمرض السكابيوس. وبعد يومين فقط، في 19 آب/أغسطس، ظهرت تطورات جديدة على مستوى القمع داخل السجن، وكأنه عقاب للأسيرات على ما نقلنه للمحامين وحوّلنه إلى شهادات عن الظروف التي يعانين منها. إذ أفادت تقارير صحفية بأن قوات من وحدة "اليماز" اقتحمت أقسام الأسيرات في ذلك اليوم، وأخرجتهنّ من الغرف، وقيّدتهنّ، وجرى تفتيش ومصادرة مقتنيات شخصية في سياق من التصعيد والتنكيل.
اقرأ أيضًا: ثاني أقدم أسيرة: ميسر هديبات تكمل عامها الثاني في السجون
ثم كشف مكتب إعلام الأسرى، في 22 آب/أغسطس، أن الأسيرات تعرضن لسبع عمليات قمع واقتحام خلال 21 يومًا، بين 29 تموز/يوليو و18 آب/أغسطس. وشملت هذه العمليات، وفق البيان، اقتحام الغرف، والاعتداء بالضرب والتكبيل، والعزل، وإخراج الأسيرات قسرًا إلى الساحة، إضافة إلى مصادرة الملابس والأدوية والطعام ومواد النظافة والمقتنيات الشخصية. كما أُجبرت عشر أسيرات على البقاء في غرفة صغيرة مهيأة لثلاث أسيرات فقط.
أي أن الأسيرة التي تحتاج إلى مزيد من النظافة والعلاج والملابس النظيفة لمواجهة مرض جلدي معدٍ، تواجه في الوقت نفسه إجراءات تُصادر خلالها الأدوية ومستلزمات النظافة، من بينها الصابون، إضافة إلى الملابس، وتحاصر في غرف صغيرة مكتظة. أكدت أماني سراحنة أن قصة الأسيرات في الدامون لا يمكن فصلها عن بقية أنماط الانتهاكات. فبحسب إفادات المؤسسات، تستمر سياسات القمع والاقتحام والتفتيش والعزل، إلى جانب الحرمان من الاحتياجات الأساسية.
وفي 22 آب/أغسطس، وثّق مكتب إعلام الأسرى سلسلة الاقتحامات الأخيرة، مشيرًا إلى استهداف الأسيرتين بشرى الطويل وعبير عودة خلال إحدى عمليات القمع، وهما في هذه الأثناء في عزل انفرادي خارج قسم الأسيرات. وتقول أماني لـبنفـسج إن الأسيرات يواجهن أيضًا التنكيل والاعتداءات والتفتيش العاري والحرمان بمختلف أشكاله، فضلًا عن سياسة التجويع.
الاحتلال ينكر رغم الأدلة

أصبحت دائرة المعاناة مكتملة: مرض يحتاج إلى نظافة وعلاج، داخل مكان تعاني فيه الأسيرات أصلًا من نقص النظافة، ثم تأتي إجراءات القمع لتزيد صعوبة الوصول إلى الاستحمام والملابس والأدوية. ولهذا يخشى نادي الأسير من اتساع دائرة المرض فالعوامل التي أدت إلى ظهوره ما تزال قائمة. وتقول أماني سراحنة إن هذه الظروف ليست طارئة بالنسبة للمؤسسات التي تتابع الأسرى، وإن التجربة السابقة مع انتشار الجرب بين الأسرى الفلسطينيين جعلتهم يدركون خطورة استمرار الظروف ذاتها عند الأسيرات.
الحديث عن أسيرات الدامون لا يعني الحديث عن مجموعة متشابهة من النساء.بين هؤلاء نساء كبيرات في السن، وأمهات، وطالبات، وطفلات، وحوامل، ومريضات، ومعتقلات إداريًا. وفي أبسط صوره، تحتاج الأسيرات إلى ما لا ينبغي أن يكون مطلبًا أصلًا داخل أي مكان احتجاز: تشخيص طبي واضح ومستقل، علاج فعّال، عزل صحي سليم عند الحاجة، ملابس نظيفة، مواد تنظيف كافية، مياه واستحمام مناسب، تهوية جيدة، وغذاء ورعاية صحية. كما تحتاج الحالات التي تعاني أمراضًا مزمنة أو حملًا أو ظروفًا صحية خاصة إلى متابعة طبية حقيقية.
اقرأ أيضًا: مصطفى أبو عرّة ... شيخنا الذي قتله الاحتلال في سجنه واحتجز جثمانه
تزداد صعوبة التعامل مع المرض بالنسبة للأسيرات بسبب طبيعة احتياجاتهن وخصوصيتهن. فمعظم الأسيرات، كمسلمات محجبات، يعني لهن ارتداء الحجاب والملابس لا يرتبط فقط بالحاجة إلى الدفء أو الراحة، بل بالخصوصية والحفاظ على الستر، حتى داخل مساحة السجن المحدودة. في المقابل، لا تتوافر لهن أصلًا فرص كافية لتغيير الملابس أو غسلها وتجفيفها بصورة منتظمة، ولا مساحة تسمح لهن بالتخفيف من طبقات الملابس أو ترك الجلد يتنفس، خصوصًا في ظل الحرارة والرطوبة وانعدام التهوية الكافية.
قد يستطيع الأسير، في ظروف معينة، تخفيف ملابسه أو تغييرها عندما تشتد عليه الحكة والحرارة، أما الأسيرة فمساحتها أكثر تقييدًا، وخصوصيتها تجعل خياراتها في تخفيف الملابس محدودة للغاية. وهنا يصبح المرض أكثر قسوة.

