لتكن الخيمة دارر السلام، وليكن حلم العين أن تنام، وغزة تنادي: إلى متى؟ لتعلُ كلمة التوحيد، ولتستيقظ قلوب المؤمنين أمام حُرمةٍ انتُهكت ونحن هنا. لم تتوقف المجازر بعد، وما زال الركام قائمًا، ولن يرحل الحزن. هذا حالنا، وهذه عيشتنا: خيمة لا تستر أحدًا، وحرّ لا يرحم الأجساد، وطعامٌ تحوّل إلى مجرد حديث عن معبرٍ معلّق منذ أعوام، وجوعٌ اخترق البطون، وعطشٌ ذبلت من شدته الحقول، ونحن نسأل: إلى متى؟
نسأل في كل مرة، لكن أين الجواب؟ دول عظمى تتحدث عن السلام وتبحث عنه، فأين هو ونحن نُقتل؟ وأين هو ونحن نُشرّد بين البحر والسجون؟ وأين هو حين تتحول بيوتنا إلى ركام، وأطفالنا إلى أرقام؟ نصرخ مرة أخرى: إلى متى؟ قلبٌ محتلّ اشتعل فيه الإنذار، وطفل بريء ذهب إلى البحر هربًا من شدة الحر وقسوة الأيام، فإذا به يعود أشلاءً، تُفقد أجزاؤه في مستشفى انتُهكت حرمته، ثم يُوارى في مقبرة جماعية لا يعرف أحد أين دُفن كل جزء من جسده. إنه طفل!
لا استسلام حتى يحيا السلام. والموت يتربص بنا في كل مكان، ينتظر جسدًا يسقط عليه شيء من السماء، ليسلب أرواحًا أخرى دون استئذان، ثم يُقال: شهيدٌ سقط هنا، وذهب إلى دار السلام بسلام. نساء رُمّلن، وأطفال يُتّموا، وقلوب نزفت، وأرواح سُلبت. هذه حياتنا؛ نمضي وفق قانون واحد: «أولد في الحرب، فأعيش في الحرب، وأستشهد في الحرب ذاتها».
وعن ماذا نتحدث؟ عن عائلة اختنقت داخل خيمة بيضاء، فخرجت تستنشق بعض الهواء على شاطئ غزة، لكنها، للأسف، لم تصل إلى وجهتها. صعد أفرادها إلى رب الجنان، ومُحي اسمهم من سجل العائلات، وسُجّلوا في سجل الشهداء. أليست تلك مجزرة بحق عائلة فلسطينية؟ أم لأن انتسابهم إلى فلسطين جعل الموت يقف على أبوابهم، ويطرقها متى شاء؟ لكن إلى متى؟
نرفع راية محمد، ونقول: لا استسلام حتى يحيا السلام. والموت يتربص بنا في كل مكان، ينتظر جسدًا يسقط عليه شيء من السماء، ليسلب أرواحًا أخرى دون استئذان، ثم يُقال: شهيدٌ سقط هنا، وذهب إلى دار السلام بسلام. نساء رُمّلن، وأطفال يُتّموا، وقلوب نزفت، وأرواح سُلبت. هذه حياتنا؛ نمضي وفق قانون واحد: «أولد في الحرب، فأعيش في الحرب، وأستشهد في الحرب ذاتها». قانونٌ بُني على الظلم، ليجد المظلوم نفسه في مواجهة ظالمه من أجل شيء واحد: لا استسلام ما دام القلب يخفق.
هنا، كل خطوة يخطوها أحد إلى الأمام تبدو بلا رجعة؛ إمّا إلى نعش الموت، وإمّا إلى نصرٍ محتمل. فإما النصر، وإما الموت في سبيل قضية يؤمن أصحابها بأنها لن تُهزم، ما دامت الأفواه تلهج باسم ربها، ويرتفع التكبير في الأرجاء، في مواجهة عدو احتل أرض الأجداد. وشعارهم الثبات؛ فهذه، في نظرهم، صبر ساعة، ثم تعود الأرض إلى أحضان أهلها، لتمتلئ بها مساحات الفراغ التي خلّفها الغياب.
اقرأ أيضًا: ماذا تعلمنا غزة اليوم؟ أن الوفاء ديدن الأحرار
فنحن نقول كل يوم: «حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح». وقد علا صوت الأذان في مساجدنا الفسيحة، ليعلن أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت هنا. ونقول كما قال شهيدنا الحبيب: «أيتها الأمة، نحن هنا، ونقاتل لله وللدين. من أرض الحرب نحييكم، ونقول لكم: نحن فلسطين. إن عشنا فنعيش كرامًا، وإن متنا فنموت كرامًا. ونقاوم، لسنا أصنامًا. أهلًا بالموت إن جاء حينه».
لنتخيل هذا المشهد: نستيقظ من النوم، ونشاهد على الأخبار خبرًا يقول: «الأمم المتحدة تعلن وقفًا لإطلاق النار، وقد نجحت قوات الأقصى في دخول مدينة تل أبيب، وعاد الأمن إلى غزة وانتهى الحصار». فما رأيك بشعبٍ يسرد مستقبله الآن، ويروي نصره قبل أوانه، ويقول: نحن أحرار، بينما هو محاصر بين البحر والجو؟
إنها إرادةٌ ذاب أمامها الحديد، وعزيمةٌ لا تتوقف عن النداء: قد اقترب الوعيد. عن صخرةٍ تنادي: ها هو، تعال. صخرةٌ صمّاء، لكنها تتكلم من شدة الظلم الذي رأته، وتصرخ بما عجز العالم عن قوله. فما هذا العالم الذي تعلّم اللغات والحروف، وأتقن الكلام، لكنه لا يستطيع أن يقول كلمة واحدة في حق فلسطين؟ ونحن نقول: قد اقترب الوعيد، قد اقترب الوعيد.
لتسكن أرواح شهدائنا في السماء، ولتُروَ قصصهم على مرّ الزمان؛ قصص أناسٍ أخافوا دولةً بأكملها، وربما لم يعرف أحدٌ حتى ملامحهم، ثم رحلوا بين الركام وهم في أنفاسهم الأخيرة، يدافعون عن أرضهم. رحم الله شهداءنا؛ أنتم في قلوبنا وعقولنا ما حيينا.

