كم كان ثقيلًا بدء عام دراسي جديد دون العمة فردوس طناطرة؛ عامٌ جاء مختلفًا عن كل ما سبقه، فكانت فرحة عودة الأبناء إلى المدارس والروضات، ولقائهم بأصدقائهم ومعلماتهم، منقوصة، في ظل اعتقال قوات الاحتلال للعمة فردوس. غصّة لم تقتصر على أفراد عائلتها فحسب، بل ترك غيابها في أول يوم عن روضة قريتها أم صفا، رام الله، فراغًا كبيرًا في قلوب الأطفال والمعلمات.
ما بين مشاعر الشوق والحنين والفقد، كتب شقيقها شرحبيل على حائط صفحته على فيسبوك عن تفاصيل هذا اليوم بالنسبة إلى أطفال العائلة، الذين أجمعوا على أمنية واحدة: "يا ريت عمتي فردوس معنا وتشوفنا في أول يوم بالمدرسة".
اعتقال سيدة من ذوي الإعاقة

ومما كتبه: "كانت أختي فردوس، وبسبب إعاقتها الصحية لا تستطيع المشي بمفردها، فكانوا هم سندها الصغير، واليوم يتسابقون إلى مدارسهم، لكن اليد التي كانوا يتسابقون إلى إمساكها غائبة". ولطالما اعتادت العائلة وجود فردوس جزءًا من تفاصيل هذه اللحظة من كل عام، فحضورها كان يضفي طعمًا ولونًا آخر، لما تمتلكه من حنان وعطاء وطاقة إيجابية.
أما أطفال الروضة، فلا ينقطع سؤالهم لعائلتها: "متى بترجع المعلمة فردوس؟" سؤالٌ يجسّد عمق محبتهم لمعلمتهم، ورفضهم لغيابها القسري الذي فرضه اعتقال الاحتلال لها. فعلى مدار أكثر من عشرين عامًا من عملها، لم تدّخر المديرة فردوس جهدًا في تطوير الروضة، وكانت حريصة على بناء جيل مفعم بالعطاء وحب الوطن، حتى غدت علاقتها بأطفالها أكبر من علاقة معلمة بطلابها، فكانت لهم أمًا حانية، تحتضنهم برعايتها.
اقرأ أيضًا: الأسيرة سهير الزعاقيق: ماذا يريد المحتل من مصابة بالسرطان؟
لم يُخفِ عبادة مدى تأثره بغياب شقيقته الكبرى فردوس عن العائلة، فهي الحاضرة في كل تفاصيل حياتهم، ولعل والديها هما الأكثر افتقادًا لها؛ فهي الابنة التي اعتادت أن تكون إلى جوارهما، ولم تفارقهما طيلة حياتها. كل زاوية من زوايا المنزل تحمل ذكرى خاصة لفردوس، وكان حضورها وروحها يصنعان يوم والديها، فكانت لهما الروح والريحان، والأنس الذي اعتادا عليه.
احتجاز قاس

الأسيرة فردوس عرفات عارف طناطرة، 47 عامًا، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، تنحدر من قرية أم صفا شمال غربي مدينة رام الله. لم تكن حالتها الصحية يومًا عائقًا أمام طموحها وشغفها بالتعلم وتطوير ذاتها، بل حوّلت ما واجهته من تحديات إلى دافع لمواصلة التقدم. فمنذ ولادتها، تعاني من خلع في قدمها اليمنى، إلى جانب مشكلات في السمع رافقتها منذ طفولتها.
كانت الحياة تسير كالمعتاد، حتى جاء الرابع من حزيران، يوم انقلبت فيه حياة فردوس وعائلتها رأسًا على عقب، إذ داهم الاعتقال تفاصيلهم فجأة، تاركًا صدمة ثقيلة لم تكن العائلة تتوقعها. بشكل همجي، اقتحمت قوات الاحتلال منزل العائلة بعد خلع الأبواب، وتعمد الجنود بث الرعب في نفوس العائلة، وفي مشهد قاسٍ اعتقلوا المعلمة فردوس وهي على كرسيها المتحرك، واقتادوها إلى الجيب العسكري.
لتصدر محكمة الاحتلال لاحقًا حكمًا بسجنها لمدة سبعة أشهر، وفرض غرامة مالية بقيمة 6500 شيكل. تعرضت الأسيرة فردوس خلال الأيام الأولى من اعتقالها في مركز تحقيق «المسكوبية» لعمليات جر ودفع وسحل استمرت أربعة أيام، قبل نقلها إلى سجن الرملة، ثم إلى سجني الشارون والخضيرة، قبل أن تُنقل في نهاية المطاف إلى سجن الدامون.
حكم وغرامة

وذلك بحسب ما أفادت به محاميها خلال زيارته لها في سجن الدامون صباح 23 تموز/يوليو. وكشفت الأسيرة عن تفاصيل ظروف احتجاز قاسية وانتهاكات متواصلة تتعرض لها الأسيرات داخل السجن، متحدثة عن سوء الأوضاع الصحية والمعيشية، وحرمانهن من العلاج، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية المتكررة خلال عمليات القمع.
كما أبلغت المحامي عن تدهور حالتها الصحية داخل السجن، إذ تعاني من آلام في ساقها اليمنى بسبب الأحذية غير المناسبة، وتتعرض لتكبيل اليدين والقدمين أثناء التنقل، ما يضطرها إلى الاستناد إلى أسيرة أخرى للحركة.
كما تحتاج إلى سماعات طبية، نظرًا لمعاناتها من ضعف في السمع، إلى جانب إصابتها بحساسية شديدة لا تتلقى علاجًا لها، فضلًا عن معاناتها من انزلاق غضروفي "ديسك" في الرقبة، ما يدفعها إلى استخدام ملابسها كوسادة لتخفيف الألم أثناء النوم. في حين رفضت إدارة السجن السماح لها بمراجعة العيادة لتلقي العلاج، بعد إصابة أحد أظافر قدمها، ما أدى إلى اقتلاعه من الجلد ونزيفه.
أشواق للابنة والمديرة

وأبدت العائلة قلقها على حياة فردوس نظرًا إلى وضعها الصحي، خاصة في ظل الإجراءات التنكيلية التي تمارسها إدارة سجن الدامون بحق الأسيرات، من قمع وتنكيل وسحب للملابس وتقليل لكميات الطعام، دون مراعاة لخصوصيتهن وأوضاعهن الصحية.
بحزن وشوق، يتحدث شقيقها عرفات: "اعتقال فردوس أثر علينا كلنا، خاصة إمي وابوي، طول الوقت بنادوا باسمها. كانت بالنسبة إلنا وجه البيت وأساسه، هي الكبيرة فينا، الحنونة والطيبة".
حرم الاحتلال فردوس من حقها في أن تكون بين عائلتها وطلاب الروضة، الذين لم تنجبهم، لكنها أحاطتهم بحب الأم واعتبرتهم أطفالها. غياب لم يطفئ حضورها؛ فما زالت فردوس حاضرة في قلوب عائلتها وطلابها وكل من أحبها، ترافقها دعوات طلابها الذين ما زالوا ينتظرون عودتها، وذكراها التي لا تغيب عنهم.

