في بيتٍ بالظاهرية جنوب الخليل، كان خمسة أطفال يعرفون للأيام شكلها المعتاد؛ أمٌّ تحضر في تفاصيل الصباح، وفي وجبات الطعام، وفي المرض والفرح، وفي تلك الأشياء الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد إلا حين تغيب. لكن فجر السادس والعشرين من آذار/مارس 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزل دعاء إسماعيل عبد الفتاح البطاط، واقتادتها بعيدًا عن أطفالها، لتبدأ منذ ذلك اليوم حكاية أمٍّ خلف القضبان، وبيتٍ بقيت فيه خمسة مقاعد تنقصها واحدة، وأطفالٍ صاروا يتعلمون معنى الانتظار قبل أن يتعلموا كيف يتقبلون الغياب.
دعاء البطاط (36 عامًا)، من بلدة الظاهرية جنوب الخليل، وأم لخمسة أطفال، اعتقلها الاحتلال من منزلها فجرًا خلال اقتحام للبلدة. لم تكن تعلم أن ذلك الصباح سيطول إلى أشهر، وأن خروجها من البيت لن يكون كخروجها في الأيام السابقة، بل اقتلاعًا مفاجئًا من عالمها الصغير الذي تركت فيه أطفالها؛ أصغرهم لم يتجاوز العام والنصف، وأكبرهم في الثانية عشرة من عمره. صُودر هاتفها، وقُيّدت وعُصبت عيناها، ثم اقتيدت إلى التحقيق.
اعتقال بتهمة التحريض
تقول سلطات الاحتلال إن دعاء متهمة بـ”التحريض”، وليست هذه التهمة بالغريبة على الشعب الفلسطيني في آخر ثلاث سنوات.. كالعادة، هذه تهمة من لا تهمة له! لكن بحسب عائلتها، ارتبطت قضية التحريض الموجهة ضدها بمنشورات وصور لشقيقها هيثم البطاط، الأسير المحرر الذي أمضى نحو 22 عامًا في سجون الاحتلال، وكان محكومًا بثلاثة مؤبدات، قبل أن يخرج ضمن صفقة “طوفان الأحرار” في شباط/فبراير 2025، ويُبعد إلى الخارج.
إذ يُراد للأسير المحرر أن يُقتلع من قلب واهتمام عائلته، وليس من موطنه فقط..! هكذا جاء اعتقالها، وبقيت دعاء تواجه مسارًا قضائيًا لم يصل حتى اليوم إلى حكم نهائي.
من الظاهرية نُقلت دعاء إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس، حيث أمضت 19 يومًا في التحقيق. وفي إفادتها لمحامية هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وصفت ظروفًا قاسية رافقت تلك الفترة؛ قالت إنها تعرضت للتفتيش العاري والإهانات اللفظية، وشهدت اقتحامات وقمعًا متكررًا للزنازين، إلى جانب البرد الشديد وانعدام التهوية، ومنع الخروج إلى الفورة، وسوء الطعام، ومحدودية الملابس.
أُجبرت في بداية اعتقالها على الجلوس لساعات طويلة في وضعية مؤلمة، وتعرضت للتهديد والوعيد بسجنها لسنوات، فيما حُرمت من رؤية أطفالها أو وداعهم. عانت دعاء خلال تلك الأيام من ضيق في التنفس، في ظل ظروف التحقيق والاحتجاز التي مرت بها.
12 يومًا في المسكوبية

وبعد 19 يومًا في المسكوبية، نُقلت دعاء إلى سجن الدامون، حيث انضم اسمها إلى قائمة الأسيرات المحتجزات هناك. وبذلك انتهت مرحلة التحقيق، لكن الأسر لم ينتهِ؛ انتقلت من غرف التحقيق إلى عنابر السجن، ومن انتظار انتهاء الاستجواب إلى انتظار المحاكمات.
غير أن قصة دعاء لا تتوقف عند باب الزنزانة. فمنذ اعتقالها، انتقلت مسؤولية أطفالها الخمسة إلى جدتهم، سهام البطاط، التي وجدت نفسها أمام مهمة أثقل من قدرتها: أن تحاول أن تكون الأم الغائبة، وأن تشرح للأطفال ما لا يمكن لطفل أن يفهمه بسهولة.
تتراوح أعمار الأطفال بين 12 عامًا ونحو عام ونصف. أكبرهم ياقوت، التي وجدت نفسها، وهي في الثانية عشرة، أمام مسؤوليات لم تكن جزءًا من طفولتها. لم تعد فقط طفلة تنتظر عودة أمها، بل صارت تساعد في رعاية إخوتها وتواجه معهم يوميات الغياب.
اقرأ أيضًا: التفتيش العاري... حين يصبح الجسد ساحة أخرى للاحتلال
أما هيثم، البالغ 11 عامًا، فكان طفلًا محبًا للرياضة ويمارس التايكوندو، لكن غياب أمه ترك أثرًا واضحًا عليه. تقول العائلة إن الطفل الذي كان مليئًا بالحركة والحيوية تغيّر بعد اعتقال والدته، وغلب عليه الحزن، وكأن جزءًا من طفولته انطفأ فجأة مع إغلاق باب السجن خلفها.
وعرين، ذات الأعوام الخمسة، تحتاج إلى رعاية خاصة بسبب حساسيتها الشديدة تجاه الطعام، وكانت والدتها جزءًا أساسيًا من تفاصيل العناية بها. أما أسيد، أصغر الأبناء، فكان في نحو عام ونصف حين اعتُقلت أمه؛ عمرٌ لا يسمح له بفهم معنى السجن، لكنه يسمح له بأن يشعر بأن الشخص الذي اعتاد وجوده قد اختفى..!
تقول شقيقته الكبرى ياقوت إن أسيد لا يزال يبحث عن أمه في البيت، ويمسك بيدها ويذهب بها إلى المطبخ، كأنه يفتش عن احتمال بسيط بأن تكون دعاء هناك. لا يعرف الطفل أين ذهبت أمه، ولا لماذا لم تعد، لكنه يعرف أن البيت لم يعد كما كان. بيتٌ بأكمله يحاول أن يتدبر يومه من دون المرأة التي كانت تتولى تفاصيله.
أم دعاء اعتقلت أيضًا

جاء العيد إلى بيت دعاء، لكن فرحته لم تصل. رفض الأطفال الاحتفال، ولم يجدوا في الملابس الجديدة والهدايا ما يعوّض غياب أمهم. حاولت جدتهم أن تصنع لهم شيئًا من أجواء العيد، واشترت لهم الملابس رغم رفضهم، وحاولت إقناعهم بأن يفرحوا حتى لا تحزن والدتهم حين تعود.
لكن الأطفال كانوا يرون العيد بطريقة مختلفة؛ فالأم التي اعتادوا أن تكون بينهم ليست موجودة، ولذلك لم تعد الملابس الجديدة كافية لصناعة الفرح. أما الابن الأكبر، فكان موقفه أكثر وضوحًا؛ لم يكن يريد للعيد أن يكون عيدًا ما دامت أمه خلف القضبان.. “ما بحتفل إلا لما تتحرر ماما”.
اقرأ أيضًا: الأسيرة الطبيبة ديمة أمين.. أزمة قلبية.. قسطرة.. ثم إلى التحقيق
ولم تكن سهام البطاط، والدة دعاء، غريبة عن هذا النوع من الانتظار. فالأسرة نفسها تحمل تاريخًا طويلًا مع الاعتقال. سبق للاحتلال أن اعتقل سهام ثلاث مرات، وعاشت تجربة الأسر قبل أن تجد نفسها اليوم ترعى أحفادها بعد اعتقال ابنتها. وهي أيضًا أم الأسير المحرر هيثم البطاط، الذي أمضى قرابة 22 عامًا في سجون الاحتلال، وكان محكومًا بثلاثة مؤبدات، قبل الإفراج عنه وإبعاده إلى الخارج ضمن صفقة تبادل الأسرى في شباط/فبراير 2025.
ولذلك تبدو قصة الأسرة كأنها دائرة لا تجد طريقًا إلى الإغلاق: أمٌّ ذاقت الأسر، وابنٌ أمضى سنوات طويلة خلف القضبان، ثم ابنةٌ تدخل السجن، فيما تتولى الأم نفسها رعاية أبناء ابنتها. وتقول سهام إن اعتقال ابنتها ترك أثرًا قاسيًا عليها، خصوصًا أنها تعاني من مرض القلب، وإن خوفها لم يعد على دعاء وحدها، بل على الأطفال الذين باتوا يعتمدون عليها في كل شيء.
جدة وأم

في الوقت الذي كانت فيه العائلة تحاول تدبير حياتها الجديدة، كانت قضية دعاء تنتقل من موعد قضائي إلى آخر. كان قد حُدد لها في البداية موعد للمحاكمة في الثالث من أيار/مايو 2026، قبل أن تتغير المواعيد وتستمر فترة اعتقالها. ثم أُجلت جلسة أخرى إلى الرابع عشر من حزيران/يونيو، قبل أن يستمر التأجيل لاحقًا. وفي آخر تحديث قضائي، أُجّلت جلسة محاكمتها إلى السادس من أيلول/سبتمبر 2026.
وبذلك، وبعد مرور أشهر على اعتقالها، لا تزال دعاء خلف القضبان من دون حكم نهائي، بينما ينتظر أطفالها موعدًا آخر قد يعني لهم أكثر بكثير من مجرد جلسة في محكمة. ففي أوراق المحكمة، هو تاريخ محدد بالأرقام، أما في بيتها فهو سؤال ترتقب إجابته: هل ستعود ماما هذه المرة؟
اقرأ أيضًا: الأسيرة بشرى الطويل: عزل انفرادي في اعتقالها الخامس
ما بين تاريخ الاعتقال وتاريخ المحكمة، ثمّة أشهر كاملة لا تظهر في الأوراق القضائية؛ أشهرٌ عاشها خمسة أطفال من دون أمهم، وجدّة تحمل عبء بيت كامل، وأسيرة تنتظر نهاية مسار قضائي طال أمده. قد يُكتب اسم دعاء في قوائم الأسرى كسطرٍ بين أسماء كثيرة، وقد تختصر قضيتها في خبرٍ عن اعتقال امرأة بتهمة “التحريض”.
لكن خلف ذلك السطر، هناك حياة كاملة انقسمت في لحظة واحدة إلى ما قبل السادس والعشرين من آذار وما بعده. في البيت، بقيت أغراضها، وصوتها الغائب، وأطفالها الذين يحاولون الاعتياد على يومٍ لا تدخل فيه من الباب. وفي السجن، بقيت دعاء تلتزم الدعاءَ، وتنتظر.. وبين الطرفين، يمتد طريق طويل من الغياب، لا يقيسه التقويم بقدر ما تقيسه يد طفلٍ تمتد إلى أمه ولا تجدها.


