عند اعتقال المرأة الفلسطينية، لا تكون المواجهة محصورة في فقدان الحرية والاحتجاز في زنازين ضيقة وأوامر صارمة، بل تتسع لتشمل منظومة متكاملة تستهدف الإنسان في وعيه وإحساسه بذاته. ومنذ اللحظات الأولى للاعتقال، تتوالى أشكال الضغط التي تمس أدق تفاصيل الحياة الخاصة، بما يجعل التجربة امتدادًا متواصلًا لمحاولات الإخضاع النفسي والجسدي.
وفي هذا السياق، يبرز التفتيش العاري كأحد أكثر هذه الممارسات حدة، ليس باعتباره إجراءً تقنيًا بقدر ما يُنظر إليه كفعل يضع حدود الإنسان الشخصية في مواجهة مباشرة مع سلطة السجن. وتكشف شهادات الأسيرات أن ما يجري لا يُقاس فقط بوقعه الآني، بل بما يتركه من أثر على الإحساس الداخلي بالذات، في مقابل محاولات مستمرة لفرض السيطرة وإضعاف الإرادة.
جسد عار أمام مجندات
ومع ذلك، تشير هذه الشهادات نفسها إلى أن التجربة، برغم قسوتها، لم تنجح في تحقيق غايتها النهائية لدى كثيرات، إذ بقيت القناعة بعدالة القضية أكثر رسوخًا، لتتحول تلك اللحظات في الذاكرة إلى جزء من مسار أطول من الصمود داخل تجربة الاعتقال، لا مجرد وقائع منفصلة عنه.
تروي الأسيرة المحررة نادية (اسم مستعار) تفاصيل لا تنمحي من ذاكرتها، عن إخضاعها للتفتيش العاري، قائلة: "بعد اقتحام المنزل، أخذتني مجندتان إلى زاوية محجوبة عن أفراد عائلتي، وأمرتاي بخلع ملابسي تحت تهديد السلاح. شعرت بخوف شديد وترددت في تنفيذ الأمر، إلا أن إحداهما ضربتني بعنف بعقب بندقيتها، الأمر الذي اضطرني للامتثال. وانتهى الأمر بإجباري على خلع كامل ملابسي، بما في ذلك الداخلية".
اقرأ أيضًا: التفتيش العاري... حين يصبح الجسد ساحة أخرى للاحتلال
وتتابع: "ما شعرت به في تلك اللحظة لم يكن مجرد خوف عابر، بل إحساس عميق بمحاولة انتزاع إنسانيتي، وشعور خانق بالارتباك والقهر والغضب". وتؤكد أنها ما زالت تجد صعوبة في الحديث عما تعرضت له، حتى بعد الإفراج عنها. فكلما سألها أحد عما إذا كانت قد خضعت للتفتيش العاري أثناء الاعتقال، تجنبت الإجابة وراوغت ليتغير مسار الحديث، إذ لا تزال تستشعر ثقل تلك التجربة وحساسيتها، وتفضل عدم الخوض في تفاصيلها أمام الآخرين.
سيكولوجية التفتيش العاري: الجسد ساحة للإذلال

تؤكد أسيرة محررة طلبت عدم الكشف عن هويتها، إن شعورًا عميقًا بالعار رافقها في كل مرة أُخضعت فيها للتفتيش العاري خلال فترة اعتقالها. وتوضح أن الأمر لم يقتصر على حادثة واحدة، بل تكرر مرارًا. وتروي أنه حتى قبيْل مغادرتها السجن مباشرة، أُجبرت على الخضوع لتفتيش عاري أخير وصفته بالمهين، وطُلب منها تكرار الصعود والهبوط أثناء التفتيش، بينما كانت السجانات يراقبنها عن كثب. وتتساءل عن المبرر وراء ذلك بقولها: "انتهت مدة حكمي، وكنت على وشك مغادرة السجن، فما الذي يستدعي إخضاعي لتفتيش عاري في تلك اللحظة؟"
بينما تؤكد أسيرة محررة (أ. ن) أخرى أنها اتخذت قرارًا بعد التفتيش العاري الأول بألا تمنح السجانة مرة أخرى شعور الانتصار الذي كانت تسعى إليه. فعندما أُجبرت على خلع ملابسها لاحقًا خلال التفتيش العاري، رفعت نظرها مباشرة نحو المجندة وثبتت عينيها في عينيها دون أن تطأطئ رأسها أو تُظهر أي علامة انكسار. وتقول إنها أدركت لاحقًا أن ما كان يُوضع على المحك آنذاك لم يكن جسدها فحسب، بل إرادتها وإنسانيتها. وتضيف: "استطاعوا فرض ما أرادوه بالقوة، لكنهم لم يتمكنوا من انتزاع إحساسي بكرامتي أو كسر إرادتي".
محاولات للتجاوز

يرى علم النفس أن التفتيش العاري، في كثير من سياقاته، لا يختزل في كونه إجراءً أمنيًا يهدف إلى ضبط أدوات أو مقتنيات محظورة، بل يتجاوز ذلك ليأخذ طابعًا نفسيًا صادمًا يمس أعمق ما يملكه الإنسان من إحساس بالخصوصية والكرامة والسيطرة على الذات. فالفرد بطبيعته يحتاج إلى منظومة من الحدود النفسية والجسدية التي تمنحه الشعور بالأمان والاستقلال، وعندما تُكسر هذه الحدود قسرًا داخل بيئات مغلقة وقهرية كالسجون ومراكز الاحتجاز، تتولد استجابات نفسية حادة تتراوح بين الخوف والارتباك والشعور بالإهانة، وقد تمتد آثارها لتترك أثرًا ممتدًا في الوعي والذاكرة.
كما إن الهدف من هذه الممارسات لا يقتصر على فرض الامتثال الآني، بل تُستعمل كوسيلة لتقويض إحساس الفرد بالسيطرة على ذاته وبيئته، ودفعه إلى الشعور بأنه عاجز عن التحكم حتى في أبسط جوانب حياته وقراراته، الأمر الذي يرسخ لديه مشاعر العجز وفقدان الحيلة.
اقرأ أيضًا: في عرف المحتل: الموت ليس نهاية معاناة الفلسطينيين
وفي المجتمعات المحافظة، لا يقتصر أثر التفتيش العاري على الجانب الإجرائي أو الجسدي، بل يمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية أعمق، نظرًا لارتباط الجسد بمفاهيم الخصوصية والكرامة والشرف. لذلك قد تتحول هذه الممارسة إلى تجربة شديدة القسوة لدى بعض النساء، خصوصًا عندما تتم قسرًا وفي ظروف احتجاز أو إذلال، بما قد يترك آثارًا نفسية تستمر لفترات طويلة بعد انتهاء الحدث نفسه.
إما التفتيش العاري أو التفتيش العاري

ومع ذلك، تؤكد دراسات علم النفس أن الأفراد لا يتفاعلون مع الانتهاكات بالطريقة ذاتها دائماً. ففي كثير من الحالات تنشأ آليات مقاومة نفسية تساعد الضحية على حماية توازنها الداخلي، مثل إعادة تفسير التجربة باعتبارها جزءًا من معركة الصمود والحرية. ولذا فنجاح أي ممارسة قائمة على الإذلال النفسي لا يُقاس بحدوث الانتهاك نفسه، بل بمدى قدرتها على كسر صورة الإنسان عن ذاته.
وعندما يتمكن الفرد من الحفاظ على إحساسه بالكرامة والهوية والمعنى رغم ما يتعرض له، فإن الأثر النفسي للممارسة يفشل في تحقيق هدفه الأعمق؛ وهو تحطيم الإرادة والشعور بالقيمة الإنسانية. وتؤكد مؤسسات حقوقية فلسطينية، من بينها نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير، أن وتيرة التفتيش العاري والإجراءات المهينة الأخرى تصاعدت بصورة ملحوظة منذ السابع من أكتوبر2023.
وتشير البيانات إلى أن الأسيرات يواجهن عمليات تفتيش متكررة خلال الاقتحامات المفاجئة للغرف والزنازين، وعند التعرض للعزل، والتنقل بين السجون والمحاكم والمشافي (إذا استدعت الحاجة للمشفى)، إضافة إلى فترات الاحتجاز الأولى في بعض المعسكرات ومراكز التوقيف.
تفاصيل لا تُنسى

وبحسب المؤسسات الحقوقية، فإن هذه الممارسات أصبحت جزءًا من منظومة عقابية أوسع تستهدف الأسرى والأسيرات الفلسطينيين، وتشمل التضييق على ظروف الاعتقال وتقليص الحقوق الأساسية وزيادة أشكال الضغط النفسي والجسدي.
ورغم قسوة هذه الممارسات وما تخلّفه من آثار نفسية عميقة، فإن تجربة الأسيرات تكشف وجهًا آخر للحكاية؛ وجهًا صنعته إرادة الصمود والتضامن الإنساني داخل السجون. فالدعم المتبادل بين الأسيرات حوَّل كثيرًا من لحظات الإذلال إلى مصدر للقوة، وساعدهن على مواجهة محاولات الكسر النفسي التي رافقت التفتيش العاري وغيره من أشكال الانتهاك.
وفي المحصلة، لا تستحضر الأسيرات التفتيش العاري بوصفه إجراءً عابرًا أو حادثة منفصلة، بل باعتباره إحدى أكثر أدوات الإخضاع مساسًا بالكرامة الإنسانية. ومع ذلك، فإن شهاداتهن تكشف أن المعركة الحقيقية لم تكن حول الجسد وحده، بل حول القدرة على الحفاظ على الذات والكرامة في مواجهة القهر. وبينما بقيت آثار تلك التجربة راسخة في الذاكرة، بقيت معها أيضًا حقيقة أخرى: أن الكرامة قد تُستهدف وتُهان، لكنها لا تُنتزع ما دام الإنسان قادرًا على التمسك بإنسانيته وإرادته.


