بنفسج

ياسمين أبو شمالة: فصل أخير من رواية حب لم تكتمل

السبت 05 سبتمبر

زوجات وأبناء الشهداء
زوجات وأبناء الشهداء

في أزقة غزة التي توشّحت بالصبر، وحين يتسلّل النور من بين ركام الخسارات الكبيرة، لا تبدو الحكايات مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار، بل تفاصيل حيّة تنبض بالحب والوفاء. وتتجلّى في حكاية ياسمين أبو شمالة وزوجها الشهيد أنس أبو شمالة، أسمى صور السند الإنساني والشراكة التي لم يقطعها الرحيل.

في هذا التقرير، نروي حكاية امرأة وجدت نفسها فجأة عند مفترق طرق بين ذاكرةٍ تعجّ بالدفء، وواقعٍ يفرض عليها قوةً استثنائية، وهي تحمل مسؤولية رعاية طفلين، لم يتسنَّ لأصغرهما أن يرى وجه أبيه، لكنه سيكبر حاملاً حكايته وذكراه.

وداع في أول الطريق

أعداد الشهداء.jpg

تنتمي ياسمين وأنس إلى العائلة نفسها، ومن أروقة هذا الارتباط العائلي بدأت الحكاية. لم تكن القصة مجرد مصادفة عابرة، بل كانت اختياراً واعياً أثبتت الأيام أنه القرار الأفضل في حياة ياسمين.

تستذكر ياسمين بدايات التعارف وما سبقه من أفكار وتخوفات، وتقول: "كنتُ معترضةً في البداية على فكرة الزواج وأنا ما زلتُ في مقاعد الدراسة الجامعية. لكن حين تقدم لي أنس، لا أعرف كيف تبددت تلك التخوفات وساد القبول. كان شخصيةً لا تُعوض؛ إنساناً مثقفاً، متفهماً، لطيفاً، ورزيناً جداً في تصرفاته. يحمل ثقةً عالية بالنفس وشخصية جليلة، وكان من الصعب جداً على أي إنسان أن يرفض شخصاً يحمل كل تلك المواصفات."

كان اللقاء الأول في يوم "الرؤية الشرعية" بوابتهما نحو مستقبلٍ خططا له بكثير من الشغف. انطبعت في ذهن ياسمين منذ تلك اللحظة الأولى صورة الرجل الذي وسع أفقها، وكان يحمل إيماناً مطلقاً بأن الشراكة بين الزوجين ليست مجرد استقرارٍ شكلي، بل هي دعمٌ متواصل للنمو والتطور.

كما وعُرِف أنس في وسطه الاجتماعي بشخصية فريدة جمعت بين الهيبة والرقة، والوعي المبكر الذي جعله سابقاً لسنوات عمره. كان تقياً، نقياً، يترك أثراً طيباً في كل من يتعامل معه. ولم تكن هذه شهادة زوجته المحبة فحسب، بل شهادة كل من عرفه وقريب منه.

رجل داعم

زوجات الشهداء.jpg

تقول ياسمين في وصف خصال زوجها الراحل: "صعبٌ جداً أن أصف أنس بالكلمات، لأن أي وصفٍ سيكون قليلاً في حقه حرفياً. كان زوجاً رائداً وأباً عظيماً، مستعداً لأن يهد الدنيا بأكملها من أجلي ومن أجل طفلنا إبراهيم (برهوم). كان حريصاً دائماً على أن أكون سعيدةً وراضية، يكره أن يراني حزينة، ويسعى بشتى الطرق كي أكون في أفضل حال."

تتجلى هذه العاطفة النبيلة في نظرته المتقدمة لدور المرأة والزوجة؛ فلم يكن ينظر إلى عقد الزواج على أنه قيدٌ يُلزم المرأة بالبقاء بين جدران المنزل واعتزال طموحها، بل كان المحرض الأول لها على النجاح. كان يردد لها دائماً: "أنا لم أتزوجك فقط لتنجبي لي الأطفال وتنشغلي بالبيت وتنسي نفسك، بل أريدكِ أن تكملي دراستك وتعملي وتصقلي شخصيتك، ومسؤوليات البيت والتربية نتشاركها معاً".

ولم تكن تلك الكلمات مجرد شعارات رنانة، بل صاغها أنس أفعالاً يومية شاهده الجميع عليها. فعندما كانت ياسمين تذهب إلى الجامعة، كان أنس يترك أعماله وشواغله ويبقى في البيت حارساً وراعياً لطفلهما الرضيع «برهوم»، متحذراً عليه من كل سوء ومفسحاً المجال لزوجته لتبني مستقبلها الأكاديمي والمهني.


اقرأ أيضًا: خالد أبو عودة: رجل الميدان الذي لقى ربه محاصرًا جائعًا


حتى في أدق تفاصيل التواصل اليومي، كان يعبر عن حبه بالأفعال والتفرغ التام. فرغم أنه كان إنساناً يتصف بالصمت وقيلة الكلام أمام الناس، إلا أنه وبمجرد عودته من العمل، كان يجلس مع ياسمين لساعات طويلة، يسرد لها تفاصيل يومه الدقيقة ويشاركها أفكاره، في حوارٍ دافئ أثار دهشة كل من حولهم ممن عرفوا عن أنس طبيعته الهادئة والموجزة.

عاش أنس حياته متمسكاً بمبدأ العمل المتوازن: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". كان يسعى بكدٍ لبناء حياة كريمة لعائلته الصغيرة، وفي الوقت ذاته يحمل قلباً معلقاً بالآخرة. قبل استشهاده بفترة قصيرة، كانت العائلة تعيش أجواءً ملؤها الترتقب والبهجة؛ برهوم الطفل الصغير يملأ البيت حركة، وياسمين تحمل في أحشائها طفلهما الثاني «مالك». وفي آخر حديثٍ دار بين الزوجين، كان الحوار متجهاً نحو مستقبلهما ومستقبل أبنائهما.

تتذكر ياسمين تلك اللحظات وتستعيد أطراف الحديث: "كنا نخطط لمستقبل الأولاد. كانت لدينا مساحة صغيرة في البيت، وخططنا سوياً أن نحولها إلى ملعب كرة سلة صغير لأجل برهوم كي يلعب فيه. وفي الوقت نفسه، كنا نجهز للمولود الجديد، ونشتري احتياجاته، وسط تطلع دائم من أنس لأن يكسب رضوان الله والجنة."

يتيم من قبل الولادة

الأطفال الأيتام.jpg

خرج أنس من المنزل في ذلك اليوم الأخير كعادته في كل مشوار. لم يكن في الذهن خطور لأي وداع، ولا تراود ياسمين أي هواجس بأن هذه الخطوات ستكون الأخيرة له تحت سقف بيتهما. كيف يتسنى لأمٍّ تحمل طفلاً وتنتظر آخر في بيتٍ يفيض بالدفء والاستقرار أن تتخيل غياب الركن الأساسي في حياتها؟ لكن قدر الحرب كان يتربص بهذه الأحلام البسيطة.

استُشهد أنس أبو شمالة خلال حرب الإبادة والتدمير الشامل على قطاع غزة، لتهوي الصدمة كالصاعقة على قلب ياسمين. كان الفقد في أشد أوقاته صعوبة؛ زوجة في مقتبل عمرها، تحمل طفلاً لم يتجاوز السبعة أشهر، وجنيناً ينبض في أحشائها ينتظر الخروج إلى عالمٍ خلا فجأة من وجود أبيه.

كانت الفكرة الأولى التي استبدت بعقل ياسمين فور تلقيها الخبر هي كيف لمسيرة الحياة أن تستمر بدونه: "أول شيء خطر في بالي عندما علمت برحيله: أنا حامل، فماذا سأفعل في غياب أنس؟ كيف سأحمل مسؤولية برهوم وحدي؟ وكيف سنكمل هذه الحياة بدونه؟ استثقلتُ جداً أنني سألد طفلي الثاني «مالك» ولن يكون أنس هو من يؤذن في أذنه عند ولادته كما فعل مع برهوم. مرّ شريط حياتنا الماضي بالكامل أمامي، وارتسم شريط مستقبلي آخر مرعب ومظلم بدونه."


اقرأ أيضًا: "كان هذا آخر ما فعله قبل أن يستشهد"... أبي الذي أحب أرضه


مرت أوقات الولادة صعبة وثقيلة، امتزج فيها آلام المخاض بمرارة اليتم المبكر، لتستقبل ياسمين مولودها «مالك» وهي تتطلع في أركان الغرفة الخالية من أنس، متسائلة كيف لوليدٍ أن يبصر النور دون أن تكتحل عيناه برؤية أبيه. ومنذ تلك اللحظة انقلب حياتها تماماً، فقبل الرحيل كانت ياسمين تعيش حياةً ملؤها الدلال والتغني بالاهتمام؛ سواء في بيت أهلها أو في كنف زوجها الذي كان يسيجها بالرعاية ويحميها من كل ما قد يؤذيها أو يرهقها. وفجأة، وضعتها الأقدار أمام امتحانٍ قياسي".

تشرح ياسمين تلك النقطة المفصلية في حياتها: "كنتُ إنسانة مدللة جداً، وفجأة وجدت نفسي مسؤولة عن طفلين. فرضت عليّ الحياة أن أكون قوية، وكان أمامي خياران لا ثالث لهما: إما أن أستمر في دلالي وأترك غيري يربي أطفالي وينتبه لهم، وإما أن أقوى وأتحمل المسؤولية كاملة لكي يشكروني على ذلك عندما يكبرون. فاخترتُ القوة."

كان أنس قد وفر لزوجته وطفله مستوى معيشياً عالياً ومستقراً، وكانت ياسمين مصممة على ألا ينخفض هذا المستوى بعد غيابه. اتخذت قراراً حاسماً بالنزول إلى سوق العمل، وبدأت تعمل لساعات طوال تصل إلى 16 ساعة يومياً، معتمدةً نظام الفترات المتعددة (أكثر من شفت) لكي تستطيع توفير كافة مقومات الحياة الكريمة لطفليها.

ورغم الإرهاق البدني والنفسي الناجم عن هذا العمل الشاق، ترى ياسمين في قرارها هذا نجاحاً ووسيلة للتعافي: "لستُ نادمةً على هذا القرار أبداً، بل أعتبره من أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي. فإلى جانب أنه أمن لأطفالي حياتهم، فقد شغلني عن التفكير المستمر؛ لأن ساعات الفراغ مؤذية نفسياً جداً لمن يحمل جرحاً كجرحي. وعلى الرغم من تعب العمل، إلا أنه أرحم بكثير من الاستسلام للذكريات المؤلمة."

رحيل مفاجئ

الشهداء في غزة.jpg

فرض الغياب على ياسمين أن تلعب دورين متناقضين في آنٍ واحد؛ أن تكون الأم الحنون التي تطبطب وتفيض بالعاطفة، والأب الحازم الذي يتخذ القرارات العقلانية والصارمة لتوجيه الأسرّة. في تربية الأطفال، تُقسم الأدوار عادة بين صرامة الأب وعاطفة الأم، لكن ياسمين وجدت نفسها مطالبةً بجمع الضدين تحت ظل الحرب والنزوح والظروف القاسية التي مر بها قطاع غزة:

"عندما تكونين الأم والأب معاً، يجب أن تكون قراراتك عقلانية وعاطفية في الوقت نفسه. أحياناً أشعر أن تفكيري العقلاني يرهقني؛ لأني أضطر لإظهار الشدة لحماية أطفالي ولضمان تربيتهم بشكل صحيح، وفي الوقت نفسه أعود لأضمهم بعاطفة الأم. خلال سنوات الحرب، كانت هناك قرارات نزوح وحرب ووجع شديد، وكنتُ في أوقات كثيرة أحتاج وجود أنس بجانبي ليشاركني اتخاذ هذه القرارات الصعبة."

وتعترف ياسمين بأن لحظات الانهيار تصيبها بين الحين والآخر، خاصة أنها تُفضل الصمت وعدم الشكوى: "عندما يصل التعب إلى أقصى مداه، أستسلم للحظة انهيار، أجهش بالبكاء وأدعو لأنس بالرحمة والقبول. وجوده كان سيحدث فارقاً هائلاً في حياتنا وفي حياة الأولاد."

رغم أن إبراهيم (الذي يبلغ الآن من العمر 3 سنوات ونصف) ومالك (سنتين ونصف) كانا أصغر من أن يستوعبا مفهوم الموت والشهادة لحظة وقوع الحدث، إلا أن حضور أنس لا يزال يملأ البيت. تعمدت ياسمين الإبقاء على صور والديهما في كل زاوية، وتذكيرهما دائماً بأن الأشياء الجميلة والألعاب التي بين أيديهم هي من هدايا "بابا أنس".

غير أن المفاجأة الكبرى لياسمين كانت في استيعاب طفلها الأكبر إبراهيم للموقف بطريقته الخاصة. تقول ياسمين بكثير من التأثر: "لم أكن مهيأة نفسياً لأشرح لبرهوم معنى أن أباه استشهد وذهب إلى الجنة. لكنني تفاجأتُ به ذات يوم ينظر إلى صورة أبيه ويقول ببراءة: 'بابا أنس استشهد وراح على الجنة'. صُدمتُ من كلامه وسألته: 'وما هي الجنة يا برهوم؟'، فأجابني بثقة الصغار: 'الجنة مكان جميل جداً، فيها بابا أنس، وفيها ألعاب وأشياء كثيرة حلوة'."


اقرأ أيضًا: بين الركام: تفتت "لحم" طِفْلَيَّ وغابت أجسادهم


أدركت ياسمين حينها أن أطفالها، رغم صغر سنهم ومقارنتهم أحياناً للأطفال الآخرين الذين ينعمون بوجود آبائهم، باتوا يدركون بطريقتهم أن أباهما حيٌّ في مكانٍ أفضل، وأن كل ما يصلهم من خير هو امتدادٌ لروح والدهم وطيبه.

رسالة عبر المسافات: "الحياة متعبة بدونك يا أنس" حين تُسأل ياسمين عما كانت ستعبر به لأنس لو أتيحت لها فرصة توجيه كلمات له الآن بعد كل ما مرت به من أهوال وما بذلته من جهود، تتوقف العبارات لتلخص حجم الفقد وحجم الصمود في آنٍ واحد.

تقول بقلبٍ يفيض بالحنين: "سأخبره أنني اشتقتُ إليه كثيراً، وأن الحياة متعبة جداً بدونه. كان أنس هو السد المنيع الذي يمنع عني أي أذى، كان يعزلني تماماً عن صعوبات العالم ومتاعبه. وبعد رحيله، وجدتُ نفسي في مواجهة مباشرة مع الحياة ومصاعبها وقسوتها. هناك فراغٌ كبير لا يملؤه أحد، ولكنني أعده بأن أظل القوية التي أرادها، وأن أربي ثمرة حبنا 'برهوم ومالك' على المبادئ ذاتها التي كان يحبها ويتمنى أن يراها فيهما."

تبقى قصة ياسمين وأنس أبو شمالة نموذجاً حياً للحب الذي لا تطويه الحروب، وللمرأة الفلسطينية التي تحول الوجع إلى طاقة بناء، حافظةً لعهد زوجها، ومربية لجيلٍ يحمل اسم والده وفكره، ليبقى أنس حاضراً في ضحكات إبراهيم وفي خطى مالك الأولى نحو المستقبل.