بنفسج

بين قائمة الخسائر الطويلة.. بقايا لم تاخذها الحرب

الأربعاء 16 سبتمبر

حرب الإبادة الجماعية في غزة
حرب الإبادة الجماعية في غزة

حين نتحدث عن غزة، وعن كل ما فقدناه خلال هذه الحرب، تتجه ذاكرتنا دائمًا إلى ما خسرناه؛ إلى تلك الأشياء التي غادرت حياتنا، لكنها تركت قصصًا لا تزال تسكن القلب. نتذكر البيت الذي كان أمانًا، فأصبح الخوف من المجهول يحيط بكل زاوية فيه، ونتذكر الأحلام التي كنا نراها قريبة، فإذا بالحرب تجعلنا نعيد النظر في أبسط ما تمنيناه يومًا.

لقد جعلتنا الحرب نصل إلى مرحلة أصبحت فيها أقصى أمانينا أن ننجو؛ أن نأكل ونشرب، وأن نجد ماءً، وأن ننام في مكان لا نخاف فيه مما قد يحدث بعد لحظات، وأن نحصل على أبسط حقوقنا التي لم نكن نظن أننا سنضطر يومًا إلى المطالبة بها.

ومن بين تلك الحقوق التي فقدناها التعليم. التعليم الذي كان بالنسبة إلينا أمرًا طبيعيًا، ومرحلة نمضي إليها كل صباح، أصبح في هذه الحرب حلمًا يحتاج إلى الكثير من المحاولات. فالمدارس التي بقيت واقفة، رغم ما أصاب بعضها من أضرار، لم تعد مدارس بالمعنى الذي عرفناه؛ إذ امتلأت بالنازحين الذين لم يجدوا مكانًا آخر يلجؤون إليه، وظن كثيرون أن المدرسة قد تكون أكثر أمانًا من غيرها.

لكن الحرب علمتنا أن لا شيء آمن تمامًا، وأن الإنسان قد يعلّق قلبه على كلمة "هدنة"، ثم يستيقظ في اليوم التالي على واقع مختلف، فيعود الخوف والدمار، وربما بصورة أشد قسوة مما سبق. ومع ذلك، لا أريد اليوم أن أتحدث طويلًا عما فقدناه.

فقد حفظنا قائمة الخسائر جيدًا، وحمل كل واحد منا في قلبه شيئًا لا يحتاج إلى أن يرويه كي يتذكره. أريد هذه المرة أن أتوقف عند الجهة الأخرى من الحكاية؛ عند تلك الأشياء التي مرّت الحرب من جانبها، وحاولت أن تنتزعها منا، لكنها لم تستطع.

ماذا بقي فينا رغم كل شيء؟ بقي إيماننا. وربما كان هذا أكثر ما أدهشني في الإنسان؛ أنه كلما ازدادت الأيام صعوبة، وكلما ازدادت الحياة قسوة، استطاع أن يجد في قلبه مساحة جديدة لليقين بالله. لم يكن الإيمان يعني أننا لم نخف، أو أننا لم نتعب، أو أننا لم نسأل أنفسنا في لحظات كثيرة: إلى متى؟

بل ربما كان الإيمان هو أن نطرح كل هذه الأسئلة، ثم نعود رغم ذلك إلى الله. أن نؤمن بأننا لا نرى الصورة كاملة، وأن وراء ما لا نفهمه حكمة قد لا تظهر لنا الآن، وأن الإنسان قد يمر بمرحلة لا يستطيع تفسيرها، ثم ينظر إليها بعد سنوات، فيدرك أن أشياء كثيرة لم تكن كما ظنها في بدايتها.


اقرأ أيضًا: حين غادرت الطيور اللوحة


وبقيت أحلامنا أيضًا. قد تقول الحرب للإنسان، في أقسى لحظاتها: انسَ أحلامك الآن، هناك ما هو أهم؛ الماء، والطعام، والشراب، والمأوى، والأمان. وقد يصبح التفكير في الغد ترفًا حين يكون الإنسان منشغلًا بالنجاة من اليوم. لكن هل يعني ذلك أن الحلم مات؟ لا أظن.

قد يتأخر الحلم، وقد لا يسير بالسرعة التي كنا نريدها، وقد يتغير الطريق الذي ظننا أننا سنصل من خلاله إليه، لكن تأجيل الحلم لا يعني خسارته. وربما يكون تأجيل بعض الأحلام جزءًا من حكمة لا نراها الآن.

قد نغضب لأن شيئًا أردناه لم يحدث في وقته، ثم نكتشف بعد مدة أن ذلك التأخير كان يمنحنا فرصة لأن نصبح أكثر استعدادًا له. وربما يؤجل الله عنا شيئًا لأن الوقت الذي نريده ليس هو الوقت الذي يستحقه ذلك الشيء. ولهذا، لا ينبغي لنا أن نحكم على الأشياء من بداياتها.

إرادتنا في أن نبدأ من جديد، حتى لو لم يكن لدينا كل ما نحتاج إليه؛ أن نتعلم ولو تغيرت الطريقة، وأن نقرأ ولو لم تعد المدرسة كما كانت، وأن نحاول ولو بدا الطريق طويلًا. فحين يفتح طالب كتابه في ظروف لم تكن تشبه الظروف التي تخيلها للدراسة، فهو لا يفتح كتابًا فقط، بل يتمسك بفكرة أن مستقبله لا ينبغي أن تحدده الظروف وحدها.

فليس كل تأخير فشلًا، وليس كل طريق بطيء طريقًا خاطئًا، وليس كل باب لم يُفتح في اللحظة التي طرقناه فيها بابًا مغلقًا إلى الأبد. أحيانًا يحتاج الحلم إلى أن ينتظر. وأحيانًا يحتاج صاحبه إلى أن يكبر معه.

قد نصل إلى أحلامنا في وقت متأخر عما خططنا، لكننا نصل إليها ونحن أكثر قوة، وأكثر فهمًا لأنفسنا، وأكثر قدرة على تقديرها. وربما لو جاءت في وقت أبكر، لما عرفنا قيمتها كما نعرفها الآن. ولذلك، بقي فينا شيء آخر لا تستطيع الحرب أن تأخذه بسهولة: الإرادة.

إرادتنا في أن نبدأ من جديد، حتى لو لم يكن لدينا كل ما نحتاج إليه؛ أن نتعلم ولو تغيرت الطريقة، وأن نقرأ ولو لم تعد المدرسة كما كانت، وأن نحاول ولو بدا الطريق طويلًا. فحين يفتح طالب كتابه في ظروف لم تكن تشبه الظروف التي تخيلها للدراسة، فهو لا يفتح كتابًا فقط، بل يتمسك بفكرة أن مستقبله لا ينبغي أن تحدده الظروف وحدها.


اقرأ أيضًا: صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟


وحين يكتب إنسان عن تجربته، فهو لا يكتب لمجرد أن يملأ صفحة، بل يحاول أن يمنح ما عاشه معنى، وأن يقول إن ما حدث له لن يتحول إلى مجرد لحظة عابرة في ذاكرته. وهنا بقيت الكتابة.

بقي القلم قادرًا على أن يحمل ما عجز القلب عن حمله وحده، وبقيت الكلمات مساحة نستعيد فيها بعض ما فقدناه، ونحاول من خلالها أن نفهم ما حدث، وأن نرى أنفسنا بعيدًا عن ضجيج اللحظة. ربما لهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إلى كثير منا أكثر من هواية؛ أصبحت طريقة للتمسك بالذات، ولحفظ الذاكرة، وللقول إننا ما زلنا هنا.

ومع كل ذلك، لا أريد أن أجعل الصمود كلمة سهلة. فالإنسان الذي صمد لم يكن حجرًا لا يتعب، ولم يكن بلا خوف أو حزن. الصمود الحقيقي، في رأيي، أن تتعب ثم تحاول مرة أخرى، وأن تخاف ثم تبحث عن طريق للاستمرار، وأن تتعثر ثم لا تجعل تعثرك تعريفًا نهائيًا لك.

لقد أخذت الحرب منا الكثير، وربما غيّرت نظرتنا إلى أشياء كثيرة. جعلتنا نعرف قيمة البيت حين نفقده، وقيمة المدرسة حين تغيب، وقيمة التفاصيل الصغيرة حين تصبح بعيدة، وجعلتنا نعيد ترتيب أحلامنا وأولوياتنا.

لكنها، في المقابل، كشفت لنا أشياء لم نكن نعرف مقدار قوتها فينا. كشفت لنا أن الإيمان يمكن أن يصبح أعمق وسط الشدة، وأن الحلم يمكن أن يتأخر دون أن يموت، وأن العلم يمكن أن يبقى هدفًا حتى عندما تصبح طرق الوصول إليه أكثر صعوبة، وأن الإنسان يستطيع أن يعيد ترتيب حياته مرة أخرى، حتى بعدما ظن أن كل شيء انتهى.

وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا أخذت الحرب منا؟ ربما علينا أن نسأل سؤالًا آخر: ماذا حاولت الحرب أن تأخذ منا، لكنها لم تستطع؟ قد تختلف الإجابة من إنسان إلى آخر. قد تكون عند أحدهم أملًا، وعند آخر علمًا، وعند ثالث حلمًا، وقد تكون كلمة، أو ذكرى، أو إيمانًا، أو رغبة بسيطة في أن يكمل الطريق.

أما أنا، فأظن أن أعظم ما لم تستطع الحرب أن تأخذه هو قدرتنا على أن نرى الغد، رغم أننا عشنا أيامًا جعلتنا نخاف منه. فما دام فينا من يحلم، ومن يتعلم، ومن يكتب، ومن يؤمن، ومن يحاول أن يبدأ من جديد، فهناك شيء فينا لم ينكسر. وربما لا تكون الحكاية الحقيقية أن الحرب لم تأخذ منا شيئًا، بل أن ما أخذته لم يكن كل شيء.

فبعض الأشياء، مهما اشتدت الحرب، تبقى في مكان أعمق من أن تصل إليه يدها؛ في القلب، وفي الوعي، وفي الحلم الذي نؤجله ولا نتخلى عنه، وفي الإيمان الذي كلما ضاقت بنا الحياة، وجدنا أنفسنا نتمسك به أكثر. وربما يأتي يوم ننظر فيه إلى كل ما تأخر، وكل ما ظنناه نهاية، فنكتشف أنه لم يكن إلا طريقًا طويلًا إلى شيء لم نكن نعرف بعد أنه يستحق كل هذا الصبر.