حزن ثقيل يخيم على عائلة الأسيرة المصابة بمرض السرطان، سهير شريف الزعاقيق، البالغة من العمر 47 عامًا، ابنة بلدة بيت أمر شمال مدينة الخليل. وللسيدة سهير ثمانية أبناء، أكبرهم فرح (24 عامًا)، ثم شذا، وإبراهيم (20 عامًا ونصف عند استشهاده)، وعدالة، وولاء، وجنى، وإيلينا (9 أعوام)، وآخر العنقود مريم (7 أعوام).
تواجه الأسيرة سهير أيامًا صعبة في سجن الدامون، في ظل اجتماع ألم السرطان وقسوة الاعتقال. فهي مصابة بسرطان الألياف، ولديها كتل حميدة في الرحم، كما تعاني من ديسكات وغضاريف في الظهر، وما يزيد من معاناتها ظروف الاعتقال التي فاقمت آلامها يومًا بعد يوم، في ظل سياسة الإهمال الطبي التي تهدد صحتها وتفاقم وضعها.
مقاتلة السرطان

غياب سهير خلّف فراغًا كبيرًا في البيت، ولم تعد للحياة فيه الروح ذاتها؛ فلا قبلة على الجبين، ولا حضن دافئ، ولا كلمة حانية. بدت الأشياء كلها باهتة، وهكذا أصبحت حياة إيلينا ومريم، وحياة العائلة بأكملها، منذ غابت أمهما قسرًا. يومًا بعد يوم، يكبر الشوق إلى الأم، ويبقى الانتظار سيد الموقف، فيما لا يفارق الدعاء ألسنة أفراد العائلة.
كانت سهير كل شيء لأبنائها الثمانية، أمًا وأبًا وسندًا، وإلى جانب ما تحمله من ألم السرطان، حملت وحدها أعباء الأسرة وواجهت تفاصيل الحياة المختلفة، في ظل وضع صحي صعب يعيشه زوجها؛ إذ تبلغ نسبة العجز لديه 75%، وهو أصم أبكم، ولا يرى إلا بعين واحدة. لذلك، لم تكن سهير مجرد أم، بل كانت ركنًا أساسيًا تستند إليه أسرتها.
سهير مثال للمرأة الفلسطينية التي جسدت أسمى معاني الصبر والثبات أمام جملة من الابتلاءات؛ فكانت المعيلة لأسرتها، والمصابة بالسرطان، وأم الأسير ثم أم الشهيد، وها هي اليوم أسيرة خلف القضبان.
الأسيرة أم الشهيد

تخشى فرح على والدتها كثيرًا، وما يزيد قلقها انقطاع الزيارات والاتصال، وخطورة الوضع الصحي لوالدتها وتبعات مرضها. كما تحدثت عن أثر الاعتقال وصعوبته على أفراد العائلة، خاصة شقيقتيها الصغيرتين، اللتين تفتقدان الحنان والرعاية اللازمة، لا سيما أن والدهما غير قادر على القيام بذلك.
تستذكر فرح ليلة اعتقال والدتها سهير، في 19/11/2025. كانت الساعة الثالثة فجرًا، عندما تحولت سكينة المنزل إلى لحظات من الرعب، عقب اقتحام قوات الاحتلال المدججة بالسلاح منزل العائلة، وسط صراخ الجنود الذي بث الخوف في نفوس أفراد الأسرة.
اقرأ أيضًا: التفتيش العاري... حين يصبح الجسد ساحة أخرى للاحتلال
لم يكن الاقتحام عابرًا؛ فقد أقدم الجنود على تكسير محتويات المنزل والاعتداء بالضرب على بنات سهير وزوجها العاجز، فيما نزعت المجندات حجابها، في مشهد قاسٍ لم تفارق تفاصيله ذاكرة فرح وعائلتها. تضيف فرح: "الاحتلال حجزوها مع أكثر من مئة شاب من البلد في الملعب للساعة 10 الصبح، مع العلم إنها كانت عاملة عملية قبل أسبوعين من اعتقالها، وكان وقتها عندها نزيف قوي".
وكانت سهير على موعد لإجراء عملية استئصال الرحم قبل اعتقالها، الأمر الذي فاقم من وضعها الصحي. ومنذ تلك الليلة، غابت سهير عن بناتها، وبات سجن الدامون عنوان إقامتها، فيما صار الانتظار والذكريات رفيقي ليلها الطويل. وأصدرت محاكم الاحتلال بحق الأسيرة سهير "أم إبراهيم" قرارًا بالاعتقال الإداري، قبل أن تمدده ثلاث مرات، على الرغم من وضعها الصحي.
وعن آخر ما وصلها من معلومات عن والدتها، تقول فرح: "أمي بتتعرض لضرب وضعفانة من قلة الأكل، وصار معها حساسية من قلة النظافة، وما بعطوها علاج، مع إنه قدمنا تقارير عن وضعها الصحي لحتى ندخلها أدوية، لكن على الفاضي، رفضوا".
"دارنا انطفت"

بحزن وقهر، تروي فرح مواقف كثيرة تربط العائلة بوالدتها، قائلة: "الدار انطفت بعدها، وأبوي صار يظل يمشي بالشارع، ما يقعد بالدار إلا ساعة النوم، وخواتي الصغار نانا وميمي بالليل بصحوا يبكوا بدهم أمي. وأختي قدمت توجيهي ونجحت بدون أمي، وكمان اعتقالها حرمها فرحة حفيدها الأول".
وتيمّنًا بشقيقها الشهيد إبراهيم، أطلقت إحدى شقيقاته اسمه على مولودها، ليحمل الصغير اسم خاله الشهيد، ويبقى اسمه حاضرًا بين أفراد العائلة، وتظل ذكراه حية في تفاصيل حياتهم.
اقرأ أيضًا: عائلة الأسير أمجد عليوي: 12 عامًا قضت من أصل مؤبدين و30 عامًا"
كان إبراهيم وحيد والديه وعكازهما، كما تصفه شقيقته فرح، وسندًا اتكآ عليه في تفاصيل حياتهما. ولم تمض سوى أسبوعين على تحرره من سجون الاحتلال، بعد أن أمضى ستة أشهر رهن الاعتقال الإداري، حتى ارتقى شهيدًا برصاص قوات الاحتلال عقب مداهمة بلدة بيت أمر في 20/7/2024.
تطالب فرح، بلسان شقيقاتها ووالدها، بالإفراج عن والدتها الأسيرة سهير الزعاقيق، والاكتفاء بما أمضته في الاعتقال الإداري، في ظل تدهور وضعها الصحي وحاجتها الماسة إلى رعاية طبية خاصة وإجراء عملية جراحية. وبات معلومًا أن سجون الاحتلال لم تعد أماكن للاحتجاز فحسب، بل تحولت إلى مقابر حقيقية، ترتكب فيها أبشع الجرائم بحق الأسرى والأسيرات، من تعذيب جسدي ونفسي، وتجويع، وإهمال طبي يفاقم معاناتهم ويهدد حياتهم.

