لطالما سمعنا العالم يتحدث عن حقوق المرأة، عن حقها في الأمان، والتعليم، والعمل، والصحة، والحياة الكريمة. سمعنا عن تمكينها، وعن حماية صوتها، وعن القوانين التي وضعت كي لا تترك وحدها في مواجهة العنف والظلم. لكن، حين نبحث عن هذه الحقوق في غزة، نصطدم بسؤال لا يحتاج إلى مؤتمرات للإجابة عنه: أي حقوق للمرأة حين تكون في غزة؟
هنا، لم تعد المرأة تفكر في المناصب التي تتحدث عنها خطابات التمكين، ولا في المساواة التي تتصدر الشعارات؛ بل في كيفية الحصول على جالون ماء. تحمله بيديها، تمشي به مسافة طويلة، ثم تعود به إلى أطفالها، لا لتشرب هي أولا، بل لتوزع ما حملته بينهم. وفي يوم آخر، تقف أمام نار بدائية، تحاول أن تطهو شيئا يسد جوع عائلتها، بعدما أصبح إعداد وجبة بسيطة مهمة تحتاج إلى الصبر والبحث والانتظار. ثم تغسل الملابس بيديها، قطعة قطعة، لأن الغسالة أصبحت ترفا بعيدا، والماء نفسه أصبح شيئا يحسب بالقطرة.
هذه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة لمن يراقب الحرب من خلف شاشة، كانت بالنسبة لنساء غزة معارك يومية. لم تكن المرأة تحمل جالون الماء لأنها اختارت حياة شاقة، ولم تكن تطهو على النار لأنها أرادت استعادة صورة قديمة من الماضي؛ لقد فرض عليها أن تعيد اكتشاف أبسط وسائل البقاء، وأن تتحول من امرأة لها احتياجاتها وأحلامها إلى امرأة منشغلة طوال الوقت بسؤال واحد: كيف أجعل أطفالي يكملون يوما آخر؟
لكن الحرب لم تأخذ من المرأة راحتها فقط؛ أخذت منها أحيانا الإنسان الذي كانت تستند إليه. هناك امرأة فقدت زوجها، فوجدت نفسها فجأة أما وأبا في الوقت نفسه. لم يعد هناك من يشاركها مسؤولية الأطفال، ولا من تعود إليه في نهاية يوم طويل، ولا من يجيب عن أسئلة الصغار حين يسألون عن أبيهم. ومع ذلك، استمرت. تخفي انكسارها عندما يدخل أطفالها الغرفة، وتبتلع دمعتها كي لا يشعروا بأن العالم قد انهار تماما. تحمل مسؤولية البيت والأطفال والحزن معا، ثم تستيقظ في اليوم التالي لتبدأ من جديد، وكأن قلبها لم يثقل في الليلة السابقة.
وهناك امرأة أخرى لم تفقد زوجها، لكنها فقدت طفلا كانت قد حملته تسعة أشهر، وسهرت عليه سنوات، وأطعمته من تعبها، وعلمته أولى كلماته، وربما ادخرت أحلامها كي تمنحه فرصة لحياة أجمل. ثم، في لحظة واحدة، تحول كل ذلك التعب إلى صورة لا تستطيع محوها من ذاكرتها. كيف يمكن لامرأة أن تودع طفلا ثم تعود إلى البيت لتعد الطعام لبقية أطفالها؟ كيف يمكن للأم أن تجمع قلبها المبعثر كي تقول لطفل آخر: لا تخف؟
اقرأ أيضًا: في عرف المحتل: الموت ليس نهاية معاناة الفلسطينيين
والأقسى من الفقد نفسه أن كثيرا من النساء اضطررن إلى مواصلة الحياة بعد الفقد. فالأم التي دفنت طفلها لم يكن لديها رفاهية الانهيار طويلا؛ هناك طفل آخر يحتاج إلى الطعام، وآخر يحتاج إلى أن يطمأن، وبيت يحتاج إلى من يدبر ما تبقى منه. هناك امرأة فقدت أبناءها، ومع ذلك بقيت تنظر إلى صورهم، تحفظ أسماءهم، تتحدث عنهم، وكأنها تحاول أن تقول للعالم إنهم لم يكونوا أرقاما في خبر عابر، بل كانوا أبناء لها، لهم ضحكات وأحلام وملابس معلقة في خزانة لم يعد أحد يرتديها.
وهناك نساء فقدن بيوتهن، لا جدرانا فقط. فقدن المطبخ الذي اعتدن أن يطبخن فيه، والسرير الذي شهد ليالي طويلة، والصور التي جمعنها عاما بعد عام، والأشياء الصغيرة التي لا تساوي شيئا في نظر من يراها من بعيد، لكنها كانت تختصر عمرا كاملا من الذكريات. ثم وجدن أنفسهن في خيمة لا تحميهن من حر ولا برد، يحاولن أن يصنعن فيها شيئا يشبه البيت.
ومع كل ذلك، لم تتوقف المرأة الغزية عن أداء دورها. كانت ترتب ما يمكن ترتيبه، وتطبخ بما توفر، وتغسل ما استطاعت، وتعتني بالمرضى، وتضم أطفالها عندما يخافون، وتبحث عن الماء، وتصطف للحصول على ما يسد حاجة عائلتها. وفي كثير من الأحيان، كانت تفعل كل ذلك وهي نفسها جائعة، ومتعبة، وخائفة، ومكسورة.
لهذا، حين نتحدث عن نساء غزة، لا ينبغي أن نضعهن في صورة واحدة اسمها "الصمود". فالصمود كلمة صغيرة أمام تفاصيل بهذا الحجم. نحن نتحدث عن امرأة اضطرت إلى أن تكون قوية في الوقت الذي كان من حقها أن تجد من يسندها. عن أم كان من حقها أن تخاف على طفلها من امتحان المدرسة، لا من أن يفقد حياته. عن فتاة كان من حقها أن تحمل حقيبتها إلى جامعتها، لا جالون ماء في طابور طويل. وعن زوجة كان من حقها أن تنتظر زوجها عائدا من عمله، لا أن تنتظر خبرا عنه.
أين حق هؤلاء النساء في الأمان؟ أين حقهن في الصحة والكرامة والبيت؟ أين الحماية التي سمعنا عنها طويلا؟ وأين العالم حين أصبحت المرأة في غزة تحمل فوق كتفيها بيتا كاملا، بينما تحمل في داخلها فقدا لا يراه أحد؟ ربما لا تحتاج نساء غزة إلى أن يخبرهن أحد أنهن قويات؛ فهن يعرفن ذلك من كل صباح نهضن فيه رغم كل شيء.
وهنا تعود الأسئلة الأولى أكثر قسوة: أين حق هؤلاء النساء في الأمان؟ أين حقهن في الصحة والكرامة والبيت؟ أين الحماية التي سمعنا عنها طويلا؟ وأين العالم حين أصبحت المرأة في غزة تحمل فوق كتفيها بيتا كاملا، بينما تحمل في داخلها فقدا لا يراه أحد؟ ربما لا تحتاج نساء غزة إلى أن يخبرهن أحد أنهن قويات؛ فهن يعرفن ذلك من كل صباح نهضن فيه رغم كل شيء.
ولا يحتجن إلى مديح جديد لصبرهن؛ لأن الصبر لم يكن خيارا دائما، بل كان أحيانا الشيء الوحيد المتبقي لهن. ما يحتجنه هو أن تعامل حياتهن كما تعامل حياة كل امرأة في هذا العالم: حياة تستحق الحماية، وكرامة لا تجزأ، وحقوق لا تتغير قيمتها باختلاف المكان. أي حقوق للمرأة حين تكون في غزة؟ ربما كان السؤال الأصدق ليس عن الحقوق التي تملكها، بل عن الحقوق التي تركت وحدها لتدافع عنها، بينما كان العالم منشغلا بكتابة شعاراته عنها.
وبينما كانت المؤتمرات تتحدث عن تمكين المرأة، كانت امرأة في غزة تحمل الماء، وأخرى تطهو على النار، وثالثة تغسل بيديها، ورابعة تربي أطفالها وحدها، وخامسة تدفن طفلها ثم تعود لتحتضن طفلا آخر. تلك هي الحكاية التي لا تختصرها كلمة "صمود". إنها حكاية امرأة لم تحصل على كثير من الحقوق التي قيل إنها خلقت من أجلها، لكنها، رغم ذلك، واصلت حمل الحياة على كتفيها. وربما، حين ينتهي كل شيء، سيبقى السؤال الذي يجب ألا يجد العالم له مهربا: كيف تحدثنا طويلا عن حقوق المرأة، ثم تركنا نساء غزة يواجهن كل هذا وحدهن؟

