بنفسج

ميلاد وليد دقة.. ضربات متتالية في خاصرة المحتل

الإثنين 08 نوفمبر

لسنوات ظلّ الأسير المفكر وليد دقة "59 عامًا" من باقة الغربية، إحدى مدن المثلث شمال فلسطين المحتل، يضرب الاحتلال في الخاصرة من داخل حصونه المشيّدة، تارة ينال رتبة علمية، وتارة يُنتج كتابًا فِكريًا، وتارة رواية أدبية، وتارات كثيرات يكتب وتُنشر له مقالات سياسية وفكرية وثقافية، كيف لا، وهو أحد أبرز مُفكري الحركة الأسيرة، أما هذه المرّة، فقد ألجم المحتل بضربة غير متوقعة؛ إذ أنجب "ميلاد وليد دقة"، وأطلّت على الدنيا بوجهها الملائكي الصغير قبل نحو عام، لتُثبت أسطورة أبويها في النضال، وقد كان زواجهما وعقد قرآنها في عقر سجن عسقلان، قصة، لم تُرو من قبل، وسابقة لم تتكرر في تاريخ السجون الإسرائيلية.

| ذكريات أغرب فرح

e1.png
حفل زفاف وليد دقة في سجن عسقلان

انتزع وليد دقة زفافًا روته أشهر الصحف والمجلات وقنوات التلفزة الفلسطينية بإقامة زفافه على الفلسطينية سناء سلامة "50 عامًا". في عام 1999، داخل أروقة سجون الاحتلال وبشروطه، تقول سناء، وهي تستذكر تفاصيل ذلك اليوم: "ذهبت للكوافير، وارتديت فستان زفاف، وذهبت مع الأهل إلى السجن لإقامة الفرح هناك، وكانت دقات قلبي ترتجف من رهبة الموقف، فأن ندخل عند وليد، نعانقه، ونجلس معه، ونغني، ونرقص أنا وأهلي وأهله الذين حُرموا لسنوات من لمسه، فكانت فرحة كبيرة ومميزة".

في ذلك اليوم، فُتحت بوابة سجن عسقلان الضخمة للسيارة المرسيدس التي تستقلها العروس "سناء"، يقودها أحد أصدقاء وليد منذ الطفولة، والذي أصر الأخير على إدخاله للفرح رغم المنع. تقول سناء: "تحايل وليد بكل الطرق لإدخال صديقه وقد نجح، منعه الاحتلال أولاً بذريعة أنه ليس من الأهل، فأجابهم وليد أنه يُشترط في ديننا أن يكون السائق من غير الأهل، وعندما منعوا السيارة من الدخول واقترحوا أن يحضروا سيارة مدير السجن، أخبرهم وليد أنه لذات الحُجة تُمنع العروس أن تخطو خطوة على الأرض، كما أن سيارته غير مُزينة، وهكذا استطاع إدخالي بأضخم سيارة حينها وإدخال صديقه إلى مكان الفرح".

وكان وليد قد أقام "بوفيه"، وأمر بإنزال الصور عن الجدران، واستبدالها بباقات الورود والزينة، وطلب بأن يرتدي أفراد الأمن الإسرائيلي زيًّا مدنيًا بقوله: "شو هالفرح يلي فيه شرطة"، فظهروا في الصور كأنهم من الحضور. وعلى وقع الموسيقى وأجواء التصوير، أُقيم الزفاف الأشهر والأوحد في تاريخ الحركة الأسيرة، تقول سناء: "دخلنا بالسيارة والأسرى على النوافذ يشاهدون، ويزفوننا بالطبل على الأدوات المتوفرة لديهم من الأواني والحلل، وأقيم الفرح لمدة ثلاث ساعات، من 11 صباحًا حتى 2 ظهرًا بحضور الشيخ الذي عقد القران، ومجموعة من أهلي وأهله، و9 من الأسرى، في أجواء خرافية للغاية".

حفل وليد.jpg
صورة لحفل زفاف وليد أبو دقة وسناء في سجن عسقلان بحضور أسرى سُمح لهم بالحضور

وكان العروسان قد تعارفا قبل ذلك بنحو ثلاثة أعوام، عندما كانت سناء سلامة، من مدينة اللد، تكتب لصحيفة "الصبّار" التي تصدر في يافا، كتابات معظمها تتناول أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وقامت بزيارة وليد في الأسر لتستقي منه المعلومات حول أحواله هو والأسرى الآخرين عن قُرب أكثر، تضيف: "فوجئت من مدى ثقافته ومتابعته الأخبار بالخارج عن كثب، وأعجبت جدًا بشخصه وفكره، وبعد زيارتي الأولى له بأعوام أخبرني أنه في تلك الزيارة كان قد عرف وقرّر أنني الإنسانة التي يريدها أن تشاركه حياته".

وتقدما بعد قرارهما الارتباط بطلب لعقد القران في السجن، بحضور أفراد عائلتيهما المقرّبين وعدد من الأسرى، والسماح بما تم ذكره آنفًا، كأي عقد قران عادي، ولكن الاحتلال رفض كل طلباتهم؛ ما دفعهم لخوض معركة ضدّ السجّان استمرت لشهور طويلة، وكان وليد حينها على علاقة بعزمي بشارة الذي شغل منصب عضو في الكنيست الإسرائيلي آنذاك، وارتبط مع وليد بعلاقة فكرية وعلاقة صداقة، وكان يزوره في الأسر باستمرار، وفي ذات الوقت، كان بشارة أستاذًا جامعيًا في أحد الجامعات الإسرائيلية، وزميلًا لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، وقتها، والمسؤول عن السجون "شلومو بن عامي" الذي حمل أفكارًا وآراءً متنورة، ووافق بعد طلب عزمي بشارة منه السماح لهما بإقامة الفرح، ما دام داخل أسوار السجن.

| تحرير نطفة

 
كان الزوجان قد فكرا مباشرة بالإنجاب، وبقيا اثنا عشر عامًا يحاربان في أروقة المحاكم الإسرائيلية لنيل قرار يسمح لهم بالإنجاب، ولكنَّ الاحتلال رفض لأسباب أمنية واهية رغم أنه "قانونيًا" يُسمح لهم كونهم مواطنين في دولة الاحتلال.
 
 تقول سناء: "نحن مواطنون في هذه الدولة التي تُعرّف نفسها على أنّها دولة اليهود، وتتصرف على هذا الأساس، فبعد مرور 12 عام من النضال، مُنعنا من الخلوة بسبب عنصرية جهاز القضاء الإسرائيلي، وأنا كنت متخذة القرار سابقًا ومهيئة نفسيًا، وعندما تكرر الرفض مرارًا، بدأنا نفكر بشكل جدي في آلية تنفيذ الأمر تقنيًا"

ومنذ ذلك الحين، كان الزوجان قد فكرا مباشرة بالإنجاب، وبقيا اثنا عشر عامًا يحاربان في أروقة المحاكم الإسرائيلية لنيل قرار يسمح لهم بالإنجاب، ولكنَّ الاحتلال رفض لأسباب أمنية واهية رغم أنه "قانونيًا" يُسمح لهم كونهم مواطنين في دولة الاحتلال، تقول سناء: "نحن مواطنون في هذه الدولة التي تُعرّف نفسها على أنّها دولة اليهود، وتتصرف على هذا الأساس، فبعد مرور 12 عام من النضال، مُنعنا من الخلوة بسبب عنصرية جهاز القضاء الإسرائيلي، وأنا كنت متخذة القرار سابقًا ومهيئة نفسيًا، وعندما تكرر الرفض مرارًا، بدأنا نفكر بشكل جدي في آلية تنفيذ الأمر تقنيًا"، حيث اضطر الزوجان باللجوء لـ "تحرير نطفة" غصبًا عن المحتل، زُرعت في رحم سناء سلامة بتاريخ 27/5/2019 لتكون بعد تسعة أشهر، وبتاريخ 3/2/2020 ميلادًا لميلاد وليد دقة.

تُعقّب الأم سناء: "عندما لجأنا لتحرير النطفة كانت هذه الحادثة سابقة، ولأول مرة تحدث في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهُنا جُنَّ الاحتلال، وقامت سلطات السجن بعزل وليد لفترة طويلة كنوع من الحقد والانتقام غير المبرر، ويوم إعلان حملي، كان الحدث أشبه بهزة أرضية، بمفهومها الإيجابي، فرحة عارمة". وقد كانت سناء في زيارة عادية لوليد وتوجهت من عنده إلى عملية الزراعة، وكان ينتظر منها جوابًا في الزيارة المقبلة، حيث اتفقا على أن تكون الأمارة إحضارها أخاه الأكبر للزيارة معها إذا كانت حاملًا، وإذا لم تكن كذلك، فلتحضر وحدها، تقول: "وبالفعل، عندما تأكد حملي ذهبت برفقة أخيه، قلت له ها أنا آتي مع أخيك، ولكن كان وليد تحت وقع الصدمة، لا يجرؤ على تصديق الأمر، وحينها انفعل جميع الأسرى هناك، وتحول المكان لباحة من البكاء والفرح الكبير جدًا".

e3.png
وليد دقة في السجن وسناء سلامة مع طفلتهم ميلاد

أما الاحتلال، كان يرقُب حملها بالسَكنة، ويعرف عنه أدق التفاصيل، حتى أن ضابط المخابرات ذات مرّة صحح لوليد المعلومة، وقال له: "زوجتك في الأسبوع 24 من الحمل، وليس 26". ولم يستطع جنوده إخفاء حقدهم وغطرستهم، فقد سعى جاهدًا بكل أجهزته لمنع وليد وسناء من التواصل؛ قاصدًا ألا يكون دقة على اطلاع واطمئنان على وضع زوجته وجنينها، ومنع سناء من الزيارة لعدّة شهور دون تقديم أيّة ذرائع، وحتى بعد الإنجاب، منعوا وليد من رؤية صور طفلته لوقتٍ طويل، وكانوا يسعون لسحب الصور منه.

وبالمعنى الحرفي، كان يوم ميلاد ثورة شعبية، ورغم قرار الزوجين بألا يظهر الخبر إعلاميًا حتى يتم الإنجاب، إلا أن الاحتلال أرغمهما على أن يُصبح الحدث فرحة شعبية عارمة دون قصد منهما، حيث كان هناك نوع من التفاهم الشفهي بين وليد دقة وإدارة السجن بأن يبقى على تواصل مع زوجته عبر الهاتف إلى أن تضع مولودتها ليطمئن على أوضاعهما، ولكنهم قاموا بنقله إلى عزل سجن مجدو قبل موعد الولادة بأسبوع؛ الأمر الذي اضطر سناء سلامة لإخبار تلفزيون فلسطين، لتغطية الحدث عبر شاشتها الفضائية، ليصل الخبر إلى وليد في عزله.

تقول: "قررنا أن تتم الولادة في مستشفى عربي، في مدينة عربية، واخترنا مدينة الناصرة لتشهد على ولادة ميلاد في مدينة البشارة، وكان الحدث مهيبًا، فقد تحولت المستشفى إلى ساحة فلسطينية، وبخروج ميلاد للحياة، غمرت الفرحة والبكاء والانفعالات المكان بأسره، وصارت ميلاد يومها حديث مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تتوقف الاتصالات من كل بقاع فلسطين، ومن الجولان وغزة، وشباب داخل الأسر يقولون لي شكرًا لأنك صنعتي لنا هذه الفرحة الكبيرة، وآخرون محررون يخبرونني أنهم لم يتخيلوا في حياتهم أن يحلموا مع وليد داخل الزنزانة، وأن يصبح الحلم حقيقة، وأنا لا أعرف كيف أُجيبهم لأنه كيفما كان، فأنا لم أعِش تلك اللحظات، ولم أعرف معنى أن يقضي أسير 20 و30 عامًا في السجن، يحلم، ثم يصبح حلمه حقيقة ملموسة، وكان هذا أكثر ما أثّر بيّ".

| ميلاد ووليد

ورغم مرور ما يزيد عن عشرة شهور على مجيء ميلاد للدنيا، إلا أن أجهزة الاحتلال تمنع اصطحاب والدتها لها لزيارة أبيها ورؤيته إياها وجهًا لوجه، كما يرفضون من الأساس تسجيلها على اسمه. فيما يحارب الزوجان مجددًا لنيل هذا الحق، وهم بصدد إجراءات قانونية لانتزاعه وتسجيلها قانونيًا باسم ميلاد وليد دقة.
 
هذا الاسم الذي حَلُم به وليد طويلًا داخل غياهب الأسر، وبتحقيقه أصبح لحياته كلها معنى آخر.
تقول سناء: " اليوم بوجود ميلاد صار في غِنى، بالنسبة لنا هي كل الدنيا، مرت أكثر من عشرين سنة على علاقتي بوليد، أما اليوم العلاقة موجودة، والمشاعر موجودة، لكنها صارت أجمل  عندما أنظر إلى وجه ميلاد، تتقزم في عيني كل الدنيا، وكما قال وليد: "كأن المعاناة وكل السجن بأعوامه الـ 35 مُسحت".

وعن ولادة ميلاد تكمل سناء: "بالنسبة لي ولوليد كان هذا تحدٍ ونجحنا فيه، وهو بحدّ ذاته نصر، ونحن اعتبرنا موضوع الإنجاب وسيلة نضالية، فالإنسان الموجود داخل السجن يجب أن يستغل كل وسيلة متاحة ليُناضل من خلالها، وعليه ألا يستكين لوضع الأسر، فهذا المحتل يسعى بكل طاقاته لتحويل الأسرى لمجرد أرقام، ولكنهم يرفضون هذا الأمر، ويسعون جاهدين إلى فتح بيوت وإنجاب أطفال فاعلين في مجتمعاتهم التي غُيبوا عنها لسنوات طويلة دون وجه حق، كسرًا لشوكة المحتل الظالم".

ورغم مرور ما يزيد عن عشرة شهور على مجيء ميلاد للدنيا، إلا أن أجهزة الاحتلال تمنع اصطحاب والدتها لها لزيارة أبيها ورؤيته إياها وجهًا لوجه، كما يرفضون من الأساس تسجيلها على اسمه، فيما يحارب الزوجان مجددًا لنيل هذا الحق، وهم بصدد إجراءات قانونية لانتزاعه وتسجيلها قانونيًا باسم ميلاد وليد دقة، هذا الاسم الذي حَلُم به وليد طويلًا داخل غياهب الأسر، وبتحقيقه أصبح لحياته كلها معنى آخر.

تقول سناء: "اليوم بوجود ميلاد صار في غِنى، بالنسبة لنا هي كل الدنيا، مرت أكثر من عشرين سنة على علاقتي بوليد، أما اليوم العلاقة موجودة، والمشاعر موجودة، لكنها صارت أجمل بمليون مرة من قبل، لا توجد كلمات تصف الشعور، فعندما أنظر إلى وجه هذا المخلوق الصغير الذي اسمه ميلاد، تتقزم في عيني كل الدنيا، وكما قال وليد: "كأن المعاناة وكل السجن بأعوامه الـ 35 مُسحت".

e2.png
ميلاد وليد دقة طفلة ولدت عن طريق النطف المهربة

واليوم علاقة وليد بميلاد أكثر من رائعة، وهو يعيش الدور جيدًا، ويحدثها كأنها صبية في العشرين من عمرها، ويحلم بلحظة لقائه بها، فقد أصبح السجن أقسى عليه أكثر من قبل، كما صار غيابه أشدّ قسوة على سناء التي تفتقده في أبسط التفاصيل وأدقها، أما ما يُعزيها أن موعده مع الحرية يكون بعد أربعة أعوام، وحينها لن تتسع فلسطين لفرحة الزوجين الذين يحلما بإقامة عرس من جديد، وبوجود ميلاد هذه المرة، والتي ستعتز كثير بوقوفها أمام قامة أبيها الذي سيحدثها كيف كان أحد أقدم الأسرى الفلسطينيين، واعتقل على خلفية إدانته ورفاقه إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة بالعضوية في خليّة نفذت عملية خطف، وقتل الجندي الاسرائيلي موشي تمّام في العام 1984، وحُكم عليه إثرها بالسجن مدى الحياة.

وربما تنام على كتفه كثيرًا وهو يروي لها كيف اشتُهر برسالة "الزمن الموازي" التي كتب فيها عن الأسرى داخل السجون، ونظام حياتهم، وكيف يعيش الأسير في زمن موازٍ للزمن الذي يعرفه بقيّة الناس، وكيف تم تحويل هذا النص إلى مسرحية قُدمت على مسرح الميدان في حيفا، وعندما تكبر قليلًا ستقرأ له كتاب صهر الوعي ورواية سرّ الزيت، ولن ينسى أن يخبرها كيف أكمل دراسته الجامعية حتى نال درجة الماجستير في العلوم السياسة من زنزانته لكن سيتغافل عن إخبارها بكومة من الأمراض المزمنة يعانيها في أسره.