بنفسج

وفاء لزوجها الشهيد: أبرار الفرا ترمم الحزن وتصنع الحياة

الخميس 27 مارس

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

لم تكن تتوقع أن يصبح الحب الذي عاشته لعامٍ ونصف مجرد ذكرى تُسكن قلبها إلى الأبد. أبرار الفرا، "27 عاماً"، الشابة الفلسطينية التي وجدت في محمد روحًا تسكنها، خططت معه لحياةٍ مليئة بالأحلام، لكنها لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها قصة أخرى.

كان زواجهما حديقةً غنّاء، مليئةً بالحب، الحلم ببيت دافئ وأطفال يملكون ملامح مشتركة، وسفر يملأ أيامهما بالمغامرات. لكن الحرب جاءت في السابع من أكتوبر 2023، لتختصر كل شيء في لحظة وداع أخير، لم تدرك أبرار حينها أنها الأخيرة.

فجرٌ لم يكن كغيره

زوجات الشهداء في غزة

في ذلك الفجر، شعرت أبرار بشيءٍ لم تفهمه، قلبها كان منقبضًا وهي تودع محمد، لم تتخيل يومًا أنها قد تفقده، لكنها كانت تخاف عليه، كل يوم كان يخرج وهي تستودعه الله، تترقب لحظة الهدنة التي قد تعيده إليها سالمًا.

وجاءت الهدنة أخيرًا، عاد محمد، وعاد معه الدفء إلى أيامهما، أسبوعٌ واحدٌ فقط عاشا فيه تفاصيل صغيرة لكنها عظيمة، وكان اللقاء كما تصفه أبرار: "أجمل أسبوع في حياتي.. كان هادئًا وآمنًا، وكنت مبسوطة جدًا.. لم أكن أتوقع أن الحرب ستعود من جديد".ضحكات ونظرات وطمأنينة، لكنها لم تكن تعلم أن نظراته كانت وداعًا أخيرًا، وأن كلماته: "ديري بالك عحالك" كانت وصيته الأخيرة، و خرج ثانياً لأن الهدنة لم تستمر مع الأسف .

في مواصي خان يونس كانت تقيم أبرار مع ذويها و قلبها مع محمد، متى يعود ؟ لكن الحرب لم ترحم، ولم تمنحها مزيدًا من اللقاءات، بعد يومين فقط من انتهاء الهدنة، بتاريخ 30/12/2023 جاءها الخبر الذي هز كيانها.. محمد استُشهد، مع مجموعة من رفاقه بالميدان مقبلًا غير مدبر وسط مدينة خان يونس، كان وقع الخبر كالصاعقة، شعرت بالضياع، بالتوهان، بالضعف، وكأن الحياة توقفت. لكن رغم الألم، كان الإيمان أقوى، نزلت سكينة من الله على قلبها، وسجدت شكرًا لله، ليس على الفقد، بل على القبول، على أن محمد رحل شهيدًا، وعلى أنها رغم الألم لا تزال قادرة على الحمد.


اقرأ أيضًا: سوار عن زوجها وسيم أبو شعبان: المرافق الأمين وبطل عملية نحال عوز


"رحمه الله وجمعني به في الفردوس الأعلى"، بهذه الكلمات تختتم أبرار قصتها، وهي تعلم أن هذا الفراق ليس النهاية، وأن وعد الله حق، وأن الحب الذي بدأ في الدنيا سيكتمل في الآخرة حيث لا وداع ولا حرب، بل لقاء أبدي لا تفنيه النيران ولا تفرقه الصواريخ.

اختارت أن تحزن بطريقتها، أن تلوذ بعزلتها، أن تكون أقرب إلى الله، وتشعر بمحمد إلى جانبها، رغم تخرجها بتخصص الصيدلة وحصولها على مزاولة المهنة، لم تقبل أي عروض عمل، لم ترد التعامل مع أحد، بل اختارت أن تعيش الفقد بروحها قبل أن تعود إلى الحياة.

حين يصبح الحزن دافعًا للحياة

زوجات الشهداء في غزة

لكن الحياة لم تتوقف عند الفقد، أبرار لم تكن امرأةً تُهزم، و لم يكن استشهاد محمد مجرد فاجعة في حياة أبرار، بل كان اختبارًا لصبرها وإيمانها، ومحطة تحوّل أعادت فيها ترتيب ذاتها، لتقف من جديد، أقوى وأكثر ثباتًا.

في فترة العدة، التي امتدت أربعة أشهر وعشرة أيام، اختارت أبرار أن تنعزل عن العالم، ليس انكسارًا، بل بحثًا عن السكينة في رحاب الله، كانت أيامها مليئة بالدعاء والذكر، رغم الدموع التي لم تفارق عينيها شوقًا لمحمد، لكنها كانت تشعر وكأنه يراها ويسمعها، وأنه سعيد بها، التزمت بشرع الله ليس فقط لأنه فرض، بل لأنها وجدت فيه ملاذًا، وسكينة لم تجدها في أي شيء آخر.

بعد انتهاء العدة، قررت النهوض، مدعومة بأهلها وأهل محمد، لم تبتعد عن حبها، بل جعلته امتدادًا لها، فأسست "صيدلية الأبرار"، رسالةً صامتةً بأن زوجات الشهداء لا يستسلمن، بل يصنعن من الحزن انتصارًا، و كرسالة للعالم: "لن أنكسر، سأكمل الطريق."

لم يكن الطريق سهلًا، لحظات الضعف كثيرة، والرغبة في التوقف كانت تلاحقها، لكنها كانت تهمس لنفسها: "لا أريد أن أبقى في مكاني، عليّ أن أمضي قدمًا". محمد لم يكن ليريد لها أن تستسلم، واسمها اليوم يرتبط باسمه في كل خطوة تخطوها.

في رحلة الحزن والفقد، تعلّمت أبرار الفرا أن الدنيا ليست دار راحة، بل دار ابتلاء، وأن السكينة الحقيقية ليست هنا، بل هناك، في الجنة حيث لا فراق ولا ألم. ومع ذلك، أدركت أن الإنسان خُلق ليجاهد، ليصبر، ليؤمن، وليعمل حتى يفوز بالراحة الأبدية.

حين سألتها عن رسالتها لكل زوجة شهيد تعيش الفقر كما عاشته، لم تكن نصيحتها عن المال أو البحث عن بدائل دنيوية، بل عن الصبر والاحتساب، عن التمسك بالدعاء والقرآن والذكر. استشهدت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير..."، مؤكدة أن الفرج يأتي من الله، وأن الأجر عنده أعظم من كل ما يمكن أن يُفقد في الدنيا.

تؤمن أبرار أن المرأة الفلسطينية ليست مجرد داعمة، بل شريكة في المعركة، ليس فقط بالصبر على الفقد، بل بتحمل الأعباء، بالتربية، بالصمود، بالإيمان الذي لا يتزعزع. تقول: "لا أعلم إن كانت معركة موازية، لكنها بالتأكيد متقاربة، لأن المرأة تقف في الخندق ذاته، تواجه الألم، وتحمل راية الصبر والمقاومة."


اقرأ أيضًا: "عبد الله استشهد": حين نطق الموت بلا مقدمات


اليوم، عندما تقف أبرار أمام صيدليتها، تشعر بالفخر، تنظر إلى السماء وتتخيل لو كان محمد معها، لو رأى كيف حافظت على وعدها بأن تبقى قوية، هي لم تنكسر، بل أصبحت قصة تُروى للأجيال. وعندما سألتها: "لو كان محمد يسمعك الآن، ماذا ستقولين له؟". ابتسمت رغم الدموع في عينيها وقالت: "ليتني أبني إليك سلمًا، مشتاقة جدًا، وأتمنى أن يجمعني الله بك في الفردوس الأعلى، حيث لا حزن، لا ألم، ولا فراق."

وعندما سألتها كيف ترى نفسها اليوم، أجابت بكل ثقة: "أنا راضية عن نفسي، والحمد لله، ومرضية لربي، ولأهلي، ولأهل محمد. أنا أبرار الفرا، زوجة الشهيد محمد الفرا، صاحبة مشروع جديد في حياتي، صيدلية الأبرار، أتمنى من الله أن يوفقني فيه، ويكرمني، ويجمعني بمحمد في الفردوس الأعلى."

إنها ليست مجرد كلمات، بل تعريفٌ لامرأة جعلت من الحزن دافعًا، ومن الألم قوة، ومن الفقد بدايةً جديدة، أبرار ليست فقط زوجة شهيد، بل قصة صمود ترويها الإرادة، والتحدي، والمرأة الفلسطينية التي لا تعرف الاستسلام.

في ظلال السابع من أكتوبر والوصية الأخيرة

زوجات الشهداء في غزة

في فجر السابع من أكتوبر، كان محمد الفرا هناك، في الميدان، حيث يليق بالمقاوم أن يكون، حين سألت أبرار إن كانت تعلم أنه ذاهب في ذلك اليوم، أجابت بثقة: "نعم، كنت أعلم وأتفهم طبيعة شغله."

سألتها إن حاولت منعه، إن توسلت إليه ألا يذهب، فهزّت رأسها نفيًا: "أبداً، كنت أدعو له وأستودعه طوال الوقت." لم يكن الفراق غائبًا عن تفكيرها، لكنها، كما تقول، كانت متقبلة لما هو أعظم من مشاعرها الشخصية: "الجهاد ولقاء ربنا أعظم بكثير من مشاعرنا، وأنا متفاهمة ومتقبلة لهذا الأمر."

في ذلك اليوم، كان محمد، رغم مشاهد القتال وقسوة المشهد، هادئًا. أوصى أبرار بأمر واحد: "ما تخافي، ديري بالك على حالك، وادعي لنا." أما هي، فلم تطلب منه شيئًا سوى أن يطمئنها عنه دائمًا.


اقرأ أيضًا: دينا حرز: مُر النجاة من الموت بلا عائلة!


تتحدث أبرار عن محمد كشخص حنون جدًا، لكنه كان صلبًا عندما يتطلب الأمر. ورغم انشغاله، كان بارًا بأهله، يزورهم يوميًا رغم المسافات، وكأن قلبه كان يودعهم قبل الرحيل الأخير. محمد لم يعد، لكنه ترك خلفه حبًا لا يُنسى، وامرأةً صابرةً تحتضن ذكراه بكل قوة، وتواصل طريقها بدعواته التي بقيت تتردد في أذنيها: "ما تخافي.. ديري بالك على حالك.. وادعي لنا."

أبرار ليست استثناءً، بل هي امتدادٌ لحكاياتٍ كثيرة ترويها النساء الفلسطينيات، حكايات تبدأ بالفقد، لكنها لا تنتهي عنده، زوجات الشهداء لا ينكسرن، بل يصبحن أقوى، ينهضن كل صباحٍ بحزنٍ لا يزول، لكنه لا يعطل المسير، في غزة، لا يكون الحزن نهاية، بل بدايةً لحياةٍ أخرى، حياة تُبنى من الدموع، لكنها لا تغرق فيها.