بنفسج

الصحفية نور أبو ركبة.. خليفة الشهداء في الميدان

الأحد 24 اغسطس

الصحافية نور أبو ركبة مراسلة قناة الجزيرة
الصحافية نور أبو ركبة مراسلة قناة الجزيرة

على أرضٍ مثقلة بالقصف والخراب، تقف الصحفية نور خالد أبو ركبة أمام الكاميرا، تحمل في وجهها ملامح الفقد، وفي صوتها صلابة الناجين رغم خساراتها الشخصية. قررت أن تروي للعالم حكاية غزة من قلب الميدان، مراسلةً لقناة الجزيرة تنقل الحقيقة من بين الركام.

وُلدت نور في 7 فبراير/شباط 1999 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لأسرة هجّرت من قرية دمرة المحتلة. نشأت وسط بيئة تعرف جيدًا معنى التشرد والفقد. ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، فقدت بيتها وأمانها، واضطرت للنزوح أكثر من اثنتي عشرة مرة. لكن خسارتها الأشد كانت في استشهاد أشقائها الثلاثة: عماد، نضال، ومحمد، الذين ظلوا سندها حتى اللحظة الأخيرة.

قبل الحرب، كانت نور تكتب المحتوى وتعمل في التعليق الصوتي، باحثةً عن حياة هادئة ومستقبل مستقر. لكن القصف والتهجير دمّرا كل ذلك، فشعرت أن الصمت خيانة، وأن عليها أن تعود إلى الصحافة لتكتب وجع غزة وتنقل للعالم معاناة أهلها.

خليفة المراسل الشجاع أنس الشريف

الصحافية نور أبو ركبة مراسلة قناة الجزيرة

شقت نور طريقها عبر مؤسسات عدة؛ من مركز شؤون المرأة ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، إلى مجلة الصحافة التابعة لمعهد الجزيرة، ثم عملها كمنتجة مع “بال ميديا”. لكن حياتها تغيّرت حين نشرت مقطعًا عفويًا يوثّق عودة النازحين إلى جباليا، ليصل إلى جمهور واسع ويكشف ملامحها الصحفية. كان ذلك الفيديو جسرها إلى الجزيرة، التي اختارتها لتكون خليفة للمراسل الشجاع أنس الشريف بعد استشهاده.

تقول نور عن لحظة اختيارها: "لم يكن شعورًا واحدًا يمكنني وصفه. كان الأمر خليطًا من ثلاثة مشاعر متداخلة بشكل مربك. أول ما اجتاحني كان الخوف؛ الخوف من أن أكون بعد أنس. أنس لم يكن مجرد زميل مهنة، بل كان أخًا حقيقيًا وسندًا لنا جميعًا. بعد استشهاد إخوتي الثلاثة، صار أنس بالنسبة لعائلتي بمثابة الأخ الرابع، الحاضر بيننا بروحه ومحبته ودعمه. مجرد فكرة أن أقف في مكانه، أو أن يُنظر إليّ كبديلة له، كانت موجعة جدًا، وأثقلت قلبي”.


اقرأ أيضًا: ثلاثة مفاتيح للجنة.. من بيت واحد في جباليا


وتتابع: “أما الشعور الثاني فكان الحزن. حزني على عائلته التي ربما شعرت أن مكانه يُملأ بشخص آخر. كنت أدرك في داخلي أن أنس لا يُستبدل، ولا يمكن لأحد أن يأخذ مكانه مهما حاول. كان بالنسبة لهم ابنًا وأبًا وأخًا وركيزة، وبالنسبة لنا جميعًا نموذجًا في الشجاعة والتفاني”.

وتضيف: “كثيرون لم يعودوا ينادونني باسمي، بل صاروا يلقبونني بـ ـ(بديلة أنس). كان ذلك تحديًا مؤلمًا، لكنه في الوقت نفسه دفعني لأن أكون أكثر مسؤولية، وأكثر وعيًا بحجم الأمانة الملقاة على عاتقي”.

أما الشعور الثالث، فتصفه نور بأنه: “مزيج من الفخر والرهبة. الفخر لأنني التحقت بالجزيرة، هذه المنصة التي تعني الكثير لكل صحفي فلسطيني، والرهبة لأن المسؤولية التي أُوكلت إليّ أكبر مما كنت أتخيل. شعرت أنني لا أعمل فقط كمراسلة، بل كشاهدة على دماء وأحلام وشجاعة زملائي الذين رحلوا”.

هاجس العائلة وخطر الميدان

الصحافية نور أبو ركبة مراسلة قناة الجزيرة

ورغم القلق الذي رافقها منذ اللحظة الأولى، لم يكن خوف نور على نفسها بقدر ما كان على عائلتها. تقول: "كنت أخشى أن يصيبهم مكروه بسببي، أن يدفعوا ثمن اختياري للعمل في الميدان. ذلك كان الهاجس الأكبر في قلبي. لكنني أيقنت أن الأعمار بيد الله، وأن ما كُتب لنا سنلقاه أينما كنا. إن قدّر لي أن أواصل المشوار فسأكمله حتى النهاية. نحن الصحفيين نقف على ثغور، وقد اختارني الله أن أكون على هذا الثغر، شاهدة على ما يجري، وناقلةً لصوت الناس للعالم”.

في الميدان، كان كل يوم بمثابة اختبار جديد: الجوع الذي ينهش الجسد، الحر الذي يرهق الأنفاس، الإرهاق الممتد من نهار إلى نهار، النزوح المستمر الذي يقتلع الإنسان من مكانه قبل أن يعتاد عليه، وفوق ذلك كله الخطر الداهم الذي يلاحق كل صحفي في غزة. ومع ذلك، ظلت نور تقف أمام الكاميرا، تروي الحقيقة كما تراها وتعيشها.

كانت أولى لحظاتها المفصلية في مستشفى الشفاء. أربع دقائق فقط أمام الكاميرا، لكنها بدت لها أثقل من سنوات؛ لأنها لم تكن مجرد ظهور على الشاشة، بل كانت لحظة الحلول مكان أنس الشريف. تقول: “شعرت أن روح أنس حاضرة في كل كلمة، وأن ثقل إرثه يرافقني في تلك اللحظة”.

في حي الزيتون، وجدت نفسها في أقرب نقطة لتواجد الاحتلال، حيث كانت الشوارع خالية من السكان، والطائرات تعلو بقصفها المستمر. تصف اللحظة قائلة: "شعرت بالرهبة، لكن حاجز الخوف عندي مكسور منذ سنوات. أنا ابنة جباليا، اعتدت على أصوات القصف منذ الطفولة، وابنة عائلة قدّمت ثلاثة شهداء. لم يعد الخوف حاجزًا أمامي. 

وفي أحد مراكز الإيواء، تقدّمت منها مجموعة من الفتيات الصغيرات طلبن مساعدتها، ليس لأنها صحفية تحمل الميكروفون، بل لأنها صارت بالنسبة لهن وجهًا يعرفنه وصوتًا يثقن به. هناك، أدركت نور لأول مرة أثر صوتها على الناس بشكل مباشر، وشعرت أن عملها يتجاوز حدود النقل والتغطية، ليصبح جزءًا من مقاومة الحياة نفسها.

أما في حي الزيتون، فوجدت نفسها في أقرب نقطة لتواجد الاحتلال، حيث كانت الشوارع خالية من السكان، والطائرات تعلو بقصفها المستمر. تصف اللحظة قائلة: "شعرت بالرهبة، لكن حاجز الخوف عندي مكسور منذ سنوات. أنا ابنة جباليا، اعتدت على أصوات القصف منذ الطفولة، وابنة عائلة قدّمت ثلاثة شهداء. لم يعد الخوف حاجزًا أمامي. كنت أعلم أن عليّ الوقوف هنا، أن أنقل الحقيقة كما هي، مهما كان الثمن”.


اقرأ أيضًا: أنفال الرقب: الوجع ربيبي بعد زوجي وابنتي


اليوم، لم تعد نور مجرد صحفية، بل صارت أيقونة للصمود الإنساني في غزة. يحمل صوتها صدى كل أم ثكلى، وكل أخت مكلومة، وكل طفل لم يعرف طفولته. تقول: "أريد أن أكون لسان كل فاقد، وأن تُروى قصص غزة بأيدي أبنائها لا بأيدي غيرهم. صوتي ليس مجرد ظهور إعلامي؛ إنه انعكاس حيّ لما يعيشه الناس، شهادة على الألم والصمود والأمل في وجه الحرب والدمار”.

بهذا الإصرار، تحولت نور أبو ركبة إلى جسر بين غزة والعالم، شاهدة على الألم، وناطقة باسم من لم يبق لهم إلا الذاكرة والصوت. في كل ظهور لها، تحمل معها غزة الحقيقية: مدينة تنهض من تحت الركام، وتحمل حكايات أهلها، وصوت حياة يتحدى الموت، يثبت أن الإنسان قادر على المقاومة رغم كل الخسارات، وأن الصحافة يمكن أن تكون أداة للبقاء.