تقرير اليوم عن "العروسة" ابنة العشرين، المليئة بالفرح والأحلام المؤجلة التي صارت فجأة أسيرة في سجون الاحتلال، وهذه المرة التقرير مختلف والمحاورة منزوعة منقوصة، فالأسيرة عروس حُرمت من فرحتها وارتداء فستان فرحها، وسبب اعتقالها هو الحرمان لأجل الحرمان فقط.
تحاور بنفسج عائلة الأسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي بشرى أديب قواريق، لتروي تفاصيل حياتها قبل الاعتقال وظروف اللحظة التي اقتيدت فيها من بيتها، لتكشف حجم الألم الذي يعيشه أهلها منذ أن فقدت خلف القضبان.
بشرى القواريق، مواليد 8/5/2005، من قرية عورتا جنوب شرق نابلس، أنهت دراستها عند الصف العاشر، مخطوبة وكانت تستعد لواحد من أجمل أيام حياتها. في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2025 كان يفترض أن تزف بشرى إلى خطيبها وسط فرحة عائلية كبيرة، حجزت الصالة والمصوّرة، اختارت الفستان، جهّزت كل تفاصيل العرس بدقة وحماسة، لكنها لم تكن تعلم أنّ قدرها سيتغير خلال ساعات قليلة، وأنها ستصبح أصغر أسيرة في عائلتها وآخر "عنقود" يُنتزع من حضن بيتها.
ليلة المداهمة
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، والد بشرى، المريض بالفشل الكلوي والذي يخضع لغسيل عبر البطن، استيقظ على أصوات غريبة وضوء كشافات قوية تخترق نوافذ البيت، تطلع من النافذة، ليفاجأ بجنود الاحتلال يطوقون المنزل من كل الجهات.
“أبوي حكى لهم من الشباك: هيني نازل أفتح، تساووش إشي. بس ما ردوا، وخلعوا الباب وفاتوا زي المجانين”، تروي شقيقتها لنا. خمسون جنديًا على الأقل اقتحموا المنزل، دفعوا الوالدين وبناتهما إلى الممر، وبدأوا يصرخون بأوامرهم.. طلبوا الهويات، وحين جاء الدور على بشرى، سألوها مرتين عن اسمها، قبل أن يأمروها بالدخول إلى غرفة جانبية.. رفضت أن يفتشها الجنود قائلة: “ما تلمسوني”. عندها استدعوا مجندتين.. كانت تحمل في محفظتها خاتمًا قدّمه لها خطيبها في العيد وبعض النقود من عيديتها، فصودرت منها عنوةً.
لم يكتف الجنود بذلك؛ قلبوا غرفتها رأسًا على عقب، بعثروا الخزانة والسرير، وصادروا هاتفها. ثم سألوا العائلة عن عدد الهواتف والحواسيب في البيت… “كان معهم واحد مقنع، سأل: فيه لاب توب؟، حكينا ما فيه”، تضيف شقيقتها.
بعدها توجّه أكثر من 20 جنديًا إلى بيت شقيقها المجاور، أيقظوه من نومه بعنف وضربوه قبل أن يقتادوه إلى والديه، ظنَّ شقيقها أن هذا تفتيش اعتيادي، أو أنهم جاؤوا من أجله، لكنهم قيدوا بشرى وفي اللحظة التي أدركت فيها العائلة أنّ المقصود من كل هذا هو بشرى، طلب والدها منهم أن يسمحوا لها بتغيير ملابسها لكنهم لم يستجيبوا له، وحاولت الأم أن تستعطفهم: “وين ماخدينها؟ خلّوها تغيّر أواعي الصلاة على الأقل”. لكن الجنود لم يجيبوا أيضًا، واكتفوا بإخراج فستان زهري من خزانتها بدون شال، وغادروا فيها مكبلة الأيدي معصبة العينين.
تنكيل مزدوج في بيت الخطيب والمخطوبة
في ذات الوقت الذي تعيش فيه العائلة صدمة الأحداث، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد كان جنود آخرون يقتحمون بيت خطيبها، يوقظونه من نومه بعنف ويكبّلونه. سُئل: “مرتَك بشرى؟”، فأجاب مرتبكًا: “خطيبتي”. اقتادوه إلى مكان مجهول دون أن يعرف أنها اعتقلت هي أيضًا، وهي لا تعرف حتى هذا اليوم ما مر به خطيبها.. وبعد ساعات، أطلقوا سراحه على قارعة الطريق حافي القدمين، دون هاتف، حتى اضطر أن يستعير هاتفًا من أحد الجيران ليطمئن أهله أنه بخير.
“قديش انبسطوا أهله لما رجع، بس أول ما عرفوا إنو بشرى معتقلة فقدوا عقلهم”، تقول شقيقة بشرى. أمّا عائلتها فظلت غارقةً في الصدمة… “أسوأ ليلة بتمرّ على أهلي, مخلّيناش حدا ما سألناه، بدنا نعرف وين هي، ليش أخذوها، شو بدهم فيها… أمي كانت رح تنجن من القهر”.
بعد ساعات طويلة من المجهول، عرفت العائلة أنّ بشرى نُقلت أولًا إلى معسكر عسكري، ثم إلى مستوطنة أرئيل، ومنها إلى مركز توقيف هشارون، وبدأت رحلة التحقيق معها.. هناك، وُجهت لها تهمة “التحريض” على خلفية منشورات قديمة على تويتر.
يقول المحامي: “التحقيق معها كان قاسيًا، ومعنوياتها كانت منخفضة جدًا في الزيارة الأولى، حكت إنهم عصّبوا عينيها بشقفة من فستانها اللي أخدوه” تسبب ذلك مع البيئة السيئة التي تكون فيها الأسيرات، إلى تحسس جلدها وظهور بثور وحبوب على كامل جسدها، لكنهم لم يعالجوها حتى الآن.
اقرأ أيضًا: انتهاء التحقيق: هل البوسطة هي نهاية المطاف؟
بشرى، أصغر بنات العائلة، عُرفت بطيبتها وحبها للجميع.. “كان همها تدير بالها ع أبوي وأمي، وتزورني أنا وخواتي”، تقول أختها. كانت الحنونة التي تحاول إسعاد الجميع، وفجأة وجدت نفسها خلف القضبان، ممنوعة من رؤية والديها أو سماع أصواتهم منذ أشهر.
خلال فترة الاعتقال المستمرة، تأتي تواريخ ومناسبات لتعمق وجع الفراق, فقد جاء موعد زفافها، ذكرى ميلادها وعيد الأضحى، وبشرى..؟ غائبة تعيش هذه أيام هذه التواريخ وحدها..
معاناة مضاعفة للأسرة
إلى جانب وجع الفراق والخوف والقلق على حال الابنة الأسيرة، تواجه العائلة ظروفًا صحية صعبة. فالأب، المريض بالكلى وأصيب بالسكري فقط بعد اعتقال بشرى، يعيش على جلسات غسيل متكررة، في ما تعاني الأم من ضغط وسكّري حاد. “من يوم ما اعتقلوا بشرى، أبوي زاد عليه المرض، وأمي ليل نهار بتعيط عليها”، تروي شقيقتها.
كل زيارة محامي تتحول إلى نافذة صغيرة للأمل، زارها المحامي الحقوقي والإنساني حسن عبادي تطوعًا، فطمأن العائلة.. تقول شقيقتها: "كان يحكي لنا إنها نفسيتها تعبانة، بس المرة الأخيرة قال إنها صارت أقوى ومعنوياتها أعلى من أول". ومع ذلك، ظروف سجن الدامون قاسية: “الأكل قليل، أغلب الوقت قمعات، والتهوية معدومة، الجو خنقة”.
منذ اعتقالها في السابع والعشرين من نيسان/أبريل 2025، تعرّضت بشرى لسلسلة من المحاكمات المؤجلة. “المرّة السابعة على التوالي أجلوا المحكمة. آخر وحدة كانت 7/8/2025 وأجلوها لـ30/9”، وفقاً للعائلة، مشيرة إلى أن هذا التعطيل المستمر يزيد من معاناة بشرى النفسية ويترك عائلتها معلقة بين القلق والأمل.
اقرأ أيضًا: بنان أبو الهيجا.. زهراء الكوازبة.. لينا مسك.. ميسر هديبات
ورغم كل ما تمر به، تحاول العائلة التمسك بالأمل.. تقول شقيقتها بلسان العائلة في رسالة مؤثرة: “نتمنى من ربنا يفك أسرها عن قريب ونطمن عليها إنها بخير.. إحنا دايمًا قلقانين عليها، نناشد الضمير والهيئة ونادي الأسير إنهم يطمنونا عنها، لأنه من وقت الحرب ممنوعة الزيارة للأهل ولا حتى في حكي بالتلفون”.
قصة بشرى ليست مجرد حكاية عروس حُرمت من زفافها، بل هي صورة مكثفة عن قسوة الاحتلال حين يقتلع الفرح من بيوت الفلسطينيين، ويحوّل أعيادهم وأعراسهم إلى محاكم وتأجيلات وأسوار عالية.. وهي أيضًا حكاية صمود، لعائلة لا تزال تؤمن أنّ صوت ابنتها سيعود يومًا ما ليملأ البيت بالحياة، وأنّ “آخر العنقود” ستعود لتكون فرحتها فرحة الجميع.