بنفسج

بدمائها كتبت الخاتمة: فاطمة الفتوني

الإثنين 30 مارس

استهداف الصحافيين
استهداف الصحافيين

ثمة لحظات في التاريخ تخرج فيها الحقيقة من دائرة الجدل لتستقر في ملكوت الطهر، وهناك دماءٌ حين تسيل، تضع حداً فاصلاً بين فرسان الميدان وطواحين الكلام. في جنوب لبنان، حيث الأرض تتنفس باروداً وكرامة، لم تكن الرصاصة التي استهدفت فاطمة الفتوني مجرد محاولة لاغتيال جسد، بل كانت محاولة بائسة لكسر مرآة تعكس وجه القاتل البشع. الواقع اليوم يفرض حقيقته الصارمة: من تقتله "إسرائيل" فقد نال براءة الذمة المطلقة من محاكم التفتيش السياسية، وخرج طوعاً وقسراً من "بازارات" النقاشات العقيمة التي تقيمها النخب خلف شاشاتها الباردة.

إن الشماتة بجثة إنسان، أو محاكمة ميتٍ ارتقى في خندق المواجهة الأول، ليست مجرد "خلاف في الرأي"، بل هي سقوطٌ إنسانيٌ مريع، وتعرٍّ أخلاقي مخجل لمن جعلوا من الحقد بوصلةً بديلة عن الانتماء لدم الضحية في وجه الجلاد التاريخي. هؤلاء الذين ينبشون في دفاتر الماضي ليبرروا غيابهم عن الحاضر، يغيب عنهم أن الدم لا يحتاج لشهادة حسن سير وسلوك من القاعدين؛ ففاطمة حين اختارت "الميدان" واختارت "العدو"، حسمت هويتها التي لا تقبل القسمة على مواقف سياسية عابرة.

في ذلك اليوم، حين سقطت القذائف بالقرب منها وتناثرت شظايا الموت حول رأسها، لم تهرع فاطمة للبحث عن ملجأ، بل بحثت عن الميكروفون.  أمسكت ما تبقى من خوذتها، وضبطت رباط درعها الممزق، وأطلت بوجهٍ لم يعرف الارتجاف. كملت وما وقفت، وكأنها كانت تعيد صياغة تعريف الصحفي في بلادنا: هو ذاك الذي يلملم أشلاء مُعدّاته ليصنع منها منبراً للحقيقة. 

لم تكن فاطمة الفتوني صحفيةً تبحث عن "برستيج" المهنة في استديوهات العواصم، بل كانت ابنة الميدان التي تلبستها روح الجنوب حتى صارت جزءاً من تضاريسه. صراعها لم يبدأ مع الغارة الأخيرة، بل كان صراعاً يومياً مع الموت الذي يتربص خلف كل تلة.  نذكرها جميعاً، وهي تطل عبر الشاشة، لا لتتحدث عن رفاهية الصحافة، بل لتجسد عنادها؛ ظهرت في مشهدٍ حبس الأنفاس بـ "بقايا خوذة" محطمة و "بقايا درع" مزقته شظايا استهداف سابق كاد أن ينهي حياتها.

في ذلك اليوم، حين سقطت القذائف بالقرب منها وتناثرت شظايا الموت حول رأسها، لم تهرع فاطمة للبحث عن ملجأ، بل بحثت عن الميكروفون. 
أمسكت ما تبقى من خوذتها، وضبطت رباط درعها الممزق، وأطلت بوجهٍ لم يعرف الارتجاف. كملت وما وقفت، وكأنها كانت تعيد صياغة تعريف الصحفي في بلادنا: هو ذاك الذي يلملم أشلاء مُعدّاته ليصنع منها منبراً للحقيقة. 

هذا الإصرار لم يكن مجرد أداءٍ وظيفي، بل كان "رسالة وجود"؛ فمن جربت الموت ونجت منه مرة، لم تعد تخشاه في المرة الثانية. كانت تلك الخوذة المحطمة هي تاجها الحقيقي، والدرع الممزق كان وساماً أصدق من كل جوائز التكريم الورقية. يسكن الوسط الصحفي اليوم وجعٌ مقيم، وجعٌ نابع من مرارة الشعور بأن تلك السترة الزرقاء التي تحمل كلمة (PRESS) لم تعد درعاً حامياً، بل صارت "نيشاناً" يُسَهّل مهمة القناص. 


اقرأ أيضًا: ذاكرة الشهداء: كلمات تبقى ما بقي الوطن


فاطمة كانت تعيش هذا الوجع في كل تغطية، كانت تدرك أن زملاءها الذين ارتقوا قبلها—من شيرين أبو عاقلة إلى عصام عبد الله وفرح عمر وربيع المعماري—كانوا يرتدون ذات الدرع، ويحملون ذات الأمانة، ومع ذلك لم تشفع لهم القوانين الدولية ولا المواثيق الإنسانية التي لا تعدو كونها حبراً على ورق في مكاتب الأمم المتحدة.

كانت فاطمة تتساءل دائماً في كواليس عملها: "متى نصبح نحن الخبر بدلاً من ناقليه؟". هذا السؤال القلق لم يثنها عن المتابعة، بل زادها إصراراً على توثيق جرائم العدو بحق زملائها.  إن استهداف الصحفيين هو محاولة لِفَقْءِ عين الحقيقة، وفاطمة كانت تصر على أن تبقى تلك العين مفتوحة على اتساع الجرح، متحديةً كل قرارات "الإعدام الميداني" التي يصدرها الاحتلال بحق كل من يجرؤ على حمل الكاميرا في وجه الدبابة.

إلى المزايدين الذين يتحدثون عن "التناقضات"، نقول: إن التناقض الحقيقي هو أن تدعي الانتماء للإنسانية وأنت تشمت بموتِ صحفيةٍ اغتالها من يغتصب الأرض ويهتك العرض.  إن فاطمة الفتوني، بوقوفها في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية، قدمت ما يكفي لكل من كان يشكك في بوصلتها. الدمُ يغسلُ كل شيء، والشهادةُ تجبُّ ما قبلها من لغوِ القول "إنْ حَصَل".

حين تصبحُ حياة الصحفي مهددة في كل ثانية، وحين يرى زميله يتمزق أشلاءً أمامه، تسقط كل الحسابات الصغيرة، ويبقى الحساب الأكبر: "أين تقف في معركة الوجود؟".  فاطمة وقفت حيث يجب أن يقف الأحرار؛ في مواجهة الغازي، في مواجهة من يمحو القرى ويغتال الأطفال. لذا، فإن محاولات "الأنسنة الزائفة" التي يمارسها البعض لانتقادها اليوم هي محض عبث لغوي لا يصمد أمام قدسية الدماء المسفوكة على تراب الجنوب.

تتعدد الروايات وتضطرب المواقف، وتظل السياسة رمالاً متحركة تبتلع اليقين، إلا في "جزيّن"؛ هناك حيث انسكب الدم القاني ليعيد ترتيب الأولويات في الوعي الجمعي.  لقد اختارت فاطمة أن تضع نقطة النهاية في المكان الذي لا يحتمل التأويل، وفي التوقيت الذي كانت فيه المنطقة تغلي بصراع الإرادات.

برحيلها مع شقيقها محمد، رفيق دربها وعدستها، والزميل علي شعيب، أغلقت فاطمة دفاتر النقاش بالشمع الأحمر. لقد كتبت خاتمتها بدمٍ لا يكذب، وفي حضرة هذا الدم يخرس الجميع. لم يعد مهماً ماذا قيل عنها في "منصات الحقد" الإلكترونية، فالمهم هو ما قاله التراب اللبناني وهو يحتضن جسدها الطاهر.

لقد أصبحت "جزيّن" هي الفصل الأصدق، لأنها كانت الخاتمة التي تليق ببطلة ميدانية لم تبع قلمها ولم تترك خندقها. بدمائها كتبت الخاتمة، لتؤكد أن الطريق إلى فلسطين والحرية لا يمر عبر التنظير البارد، بل عبر الأجساد التي تقف في وجه الريح، وتأبى الانكسار حتى الرمق الأخير. 

رحلت فاطمة، وبقيت صورتها ببقايا الخوذة والدرع تطارد ضمير العالم، رحَلَت تتساءلُ متى تُصبحُ هيَ الخَبر، وتركت هذا التساؤلَ الملعون يُطاردُ الصّحفيّين في كلّ مكان! وكُلّهم يسأل؟ متى يحينُ دَوري أنا لأكونَ الخَبَر.