في بيتٍ دافئ بحي المصايف في رام الله، تتعانق فيه تفاصيل الحياة اليومية مع أواصر المحبة التي تجمع سمر حمد بزوجها ناصر حمد وأبنائهما، كانت سمر جزءًا من دفء المكان وتفاصيله الصغيرة؛ أمًّا تحضر في يوميات أبنائها، وزوجة تشارك أسرتها إيقاع الحياة، وتصنع معها، يومًا بعد يوم، معنى البيت وألفته.
لكن في فجر الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2026، تغير كل شيء؛ إذ اقتحمت قوات الاحتلال المنزل، قبل أن تعتقل سمر وتقتادها إلى جهة غير معلومة. ومنذ ذلك الصباح، تبدّل إيقاع الحياة في البيت؛ غابت الأم، وحلّ الانتظار في أيام الأسرة، مثقلًا بأسئلة لا تملك إجاباتها، وفراغ يصعب أن يملأه أحد.
وتقول الأسرة إن سمر محتجزة حاليًا في مركز توقيف المسكوبية، وإنها تنتظر توضيحًا بشأن وضعها القانوني، بعدما أُبلغت باحتمال تحويلها إلى الاعتقال الإداري أو الإفراج عنها. وبين الاحتمالين، يبقى مصيرها معلقًا، فيما تحاول الأسرة التكيف مع واقع طارئ لا تعرف متى ينتهي.
الأم القدوة.. بين الاشتياق والفخر

"فش أمان بدونها، لكن إحنا فخورين فيها؛ لأنها اختارت طريق الحق".
بهذه الكلمات، عبّرت بنات سمر حمد عن مشاعرهن عقب اعتقال والدتهن، حيث امتزج الاشتياق بالفخر، وغاب الشعور بالأمان ليحل محله القلق والارتباك. وتكشف العبارة القصيرة عن حكاية تتجاوز خبر الاعتقال؛ فخلف الاسم المعروف بمواقفه الوطنية واهتمامه بالشأن الفلسطيني العام، أم غابت عن أبنائها، وزوج يحاول احتواء أسرته ولمّ شملها، وأفراد يواجهون واقعًا لم يختاروه، ولا يعرفون إلى متى سيستمر.
ولناصر وسمر حمد رواية أخرى، تبدأ من الطريقة التي اختاراها لتربية أبنائهما، انطلاقًا من إيمانهما بأن الأسرة ليست مجرد بيت يجمع أفرادًا، بل مسؤولية تقوم على القيم التي يحملونها معهم أينما حلّوا أو ارتحلوا. يقول ناصر: "ربّينا أبناءنا على أن يكونوا أصحاب عقيدة ووعي وكرامة، وأن يدركوا منذ صغرهم أنهم ينتمون لشعب صاحب قضية عادلة، وأن الحرية ليست منحة يتفضل بها أحد عليهم، بل هي حق أصيل من حقوق الإنسان".
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى اعتقال أمهم بوصفه حدثًا ثقيلًا لا يمكن إنكار أثره في نفوسهم، لكنه لا يريد لهذا الغياب أن يتحول إلى انكسار. ويضيف: "اعتُقلت أمهم، ولكنها لم تغب عن وجدانهم، ولا عن القيم التي زرعتها في نفوسهم. وما نحاول ترسيخه اليوم في وعيهم هو أن القوة تعني القدرة على مواجهة الألم دون التخلي عن المبادئ".
ولا ينكر ناصر حاجة أبنائه إلى أمهم، لكنه يأمل أن يجدوا فيما غرسته فيهم ما يعينهم على مواجهة الظروف المستجدة، وأن يتحول اشتياقهم إليها إلى دافع للتكاتف، لا سببًا للاستسلام للحزن.
وبين مشاعر الأبناء وما يحاول الأب ترسيخه في نفوسهم، تتمسك الأسرة بروابطها في مواجهة الاعتقال. فالفخر بالأم لا يلغي الحاجة إليها، والثبات على المبادئ لا يجعل الغياب أقل إيلامًا؛ إنما هو محاولة لمواصلة الحياة من دون التخلي عن القيم التي أرادت سمر أن تجذّرها في أبنائها.
ناصر حمد.. شريك الحياة في مواجهة الغياب

يمتد أثر غياب سمر إلى زوجها ناصر، الذي وجد نفسه أمام مسؤوليات مضاعفة بعد اعتقال شريكة حياته، التي شكلت ركيزة أساسية في بناء الأسرة وتماسكها.
يقول ناصر: "مثّلت سمر العمود الفقري للأسرة، وتركت غيبتها فراغًا كبيرًا في حياتنا". ويؤكد أن أفراد الأسرة يتكاتفون لتجاوز هذه المرحلة، وأن الوفاء لما ائتمنته عليه زوجته يقتضي مواصلة الطريق الذي رسماه معًا، والحرص على بقاء الأسرة متماسكة رغم صعوبة الظروف.
أما أبناؤهما الستة، أنسام وتُقى وحنان وشام ومحمد الطاهر وصدّيق، فيواجهون غياب أم اعتادوا حضورها في تفاصيل يومهم واستمدوا منها شعورهم بالأمان. وفي محاولة لمساعدتهم على اجتياز هذه المرحلة، يستحضر ناصر وصاياها لهم؛ إذ كانت تحثهم على مواصلة حفظ القرآن الكريم، وتحمل المسؤولية، والاهتمام بعضهم ببعض، والتحلي بالشجاعة ورباطة الجأش إذا واجهت الأسرة ظروفًا لا يعلم بها إلا الله.
ويحاول الأبناء التمسك بما غرسته أمهم فيهم من إيمان وتكافل، فيما يسعى ناصر إلى مواصلة ما تقاسماه من مسؤوليات، في انتظار ما ستأتي به الأيام بشأن مصيرها.
سمر.. المعلمة التي رأت في التعليم رسالة

لم يقتصر أثر سمر حمد على أسرتها، بل امتد إلى طالباتها؛ إذ ترى في التعليم رسالة تتجاوز نقل المعرفة إلى غرس المبادئ وتعزيز الوعي والمسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
ويصفها زوجها ناصر بأنها معلمة مؤثرة وصاحبة شخصية ملهمة، حرصت على ترسيخ الإيمان والثبات على المبادئ في نفوس طالباتها، وحثهن على فعل الخير والعمل من أجل وطنهن وأهلهن.
وتكشف شهادته عن جانب من شخصيتها، التي لم تفصل بين رسالتها التربوية ومواقفها تجاه مجتمعها؛ فالتعليم بالنسبة إليها لم يكن مهنة تؤديها داخل الصف، بل مسؤولية تسعى من خلالها إلى إعداد جيل يدرك دوره في الحياة العامة، ويستند إلى قيمه في تحديد مواقفه واختياراته.
درست سمر أصول الدين في جامعة القدس، وتابعت دراساتها العليا في العلوم الشرعية، بالتوازي مع اهتمامها بالشأن الفلسطيني وقضايا الأسرى، التي حضرت في كتاباتها ومواقفها العامة، ولا سيما ما يتعلق بالاعتقال السياسي وملاحقة النشطاء. وهكذا، تداخل تكوينها العلمي مع انشغالها بقضايا مجتمعها، لتمتد مسؤوليتها من الأسرة والصف الدراسي إلى الفضاء العام.
سمر في عيون شريك حياتها

يرفض ناصر حمد أن تُختزل سمر في صفة أسيرة أو في ألم غيابها؛ فهي، كما يصفها، امرأة لها شخصيتها وقناعاتها، وأم ومعلمة وصاحبة رسالة، ترى في الحياة مسؤولية تجاه دينها وأسرتها ومجتمعها ووطنها.
ويقول إنها تجمع بين رقة المشاعر وصلابة الموقف، وتحرص على أن تنعكس القيم التي تؤمن بها على سلوكها واختياراتها، لا أن تبقى شعارات تُردَّد في المناسبات. فالقوة، في نظره، ليست صخبًا أو استعراضًا، بل وضوحًا في المبدأ، واتزانًا في الموقف، وقدرة على تحمّل المسؤولية من دون أن تفقد الإنسان إنسانيته.
ولا يريد ناصر أن يقدمها في صورة مثالية بعيدة عن الحياة؛ فسمر امرأة تحب أبناءها وبيتها وعملها، ولها أحلامها ومشاعرها وتفاصيلها اليومية. وما يعتز به فيها هو قدرتها على الجمع بين حياتها الخاصة وإحساسها بمسؤولياتها الأوسع، وإيمانها بحق الإنسان الفلسطيني في أن يعيش بكرامة على أرضه، وأن يربي أبناءه بعيدًا عن القهر والخوف.
ولا ينظر ناصر إلى اعتقالها بوصفه تجربة عائلية مؤلمة فحسب، بل يراه جزءًا من واقع تعيشه أسر فلسطينية كثيرة، تواجه الفصل القسري بين أفرادها وما يصاحبه من غموض وانتظار. لذلك، يرفض أن تُقدَّم معاناة أسرته طلبًا للشفقة أو باعتبارها حالة استثنائية؛ فهو يدرك أن ما يعيشه أبناؤه تعرفه عائلات كثيرة، بعضها يواجه ظروفًا أشد قسوة.
ويؤكد أن الاعتقال لن يغير قناعات الأسرة أو يدفعها للتخلي عن رسالتها التربوية والعلمية والمجتمعية، قائلًا إنهم أصحاب رسالة قبل الاعتقال وسيبقون كذلك بعده. ومن هذا المنطلق، يرى أن مسؤوليتهم لا تتوقف عند انتظار عودة سمر، بل تشمل مواصلة الحياة والقيام بواجباتهم تجاه مجتمعهم، والتمسك بالقيم التي يؤمنون بها.
وفي حديثه إلى زوجته، يعود ناصر من القضايا العامة إلى تفاصيل البيت الذي بنياه معًا، مؤكدًا عزمه على الحفاظ عليه ورعاية أبنائهما كما تحب، والوفاء للعهد الذي جمعهما. ولا يعني ذلك أن الغياب لن يؤلمه، بل إنه لن يسمح للألم بأن يعطل مسؤولياته أو يبدد ما بنياه من قيم وروابط.
ويقول إنه يثق بعودة سمر، وإنها لم تكن بحاجة إلى الاعتقال كي تثبت شجاعتها أو تكشف قيمتها؛ فقد كانت موضع اعتزازه واحترامه قبل غيابها، وستبقى كذلك. ويضيف أن عدالة القضية الفلسطينية لا تستمد مشروعيتها من حجم المعاناة وحده، بل من حق أصيل في الحرية والكرامة.
حين يتجاوز الاعتقال باب السجن
في فلسطين، لا يتوقف أثر الاعتقال عند الشخص الذي يُقتاد بعيدًا؛ بل يمتد إلى البيت الذي يتركه، وإلى أفراد الأسرة الذين يحاولون إعادة ترتيب حياتهم في ظل غيابه، حاملين أسئلة معلّقة عن مصيره. وفي حكاية سمر حمد، تتعدد وجوه هذا الغياب: أم تنتظرها أبناؤها، وزوج يتحمل مسؤوليات إضافية، ومعلمة تفتقدها طالباتها، وفلسطينية انشغلت بقضايا وطنها وهمومه. وبين الحاجة إليها ومحاولة مواصلة الحياة، تسعى أسرتها إلى اجتياز أيام الانتظار من دون أن تتخلى عن الروابط والقيم التي تجمعها.
ولا تنفصل حكاية سمر عن واقع أوسع تعيشه الضفة الغربية، تتواصل فيه الاقتحامات وحملات الاعتقال التي تطال فئات مختلفة من الفلسطينيين، من ناشطين وصحفيين وطلبة ونساء. وفي هذا المشهد، لا يبقى أثر الاعتقال محصورًا في الشخص المحتجز، بل يمتد إلى أسرته ومحيطه، تاركًا وراءه بيوتًا تنتظر، وأحبّة يبحثون عن إجابات، وحياةً تحاول الاستمرار في ظل غياب لا يُعرف متى ينتهي

