"نشاط على البلد"، إشعار من تطبيق واتساب يصل إلى هاتف السيدة أم محمد عبر إحدى مجموعات البلدة، لتبدأ معه حالة من التوتر والقلق. فبينما كانت السيدة أم محمد تستعدّ للخلود إلى النوم، وصلت تلك الرسالة التي باتت تشكّل بالنسبة إليها مصدر رعب حقيقي. فهي لا تخاف على نفسها من جنود الاحتلال، بل تخشى على ولدَيها محمد وعلي، اللذين تحرّرا حديثًا من سجونه، فيما لا تزال مرارة الاعتقال حاضرة في ذاكرة العائلة.
ثم تبدأ الطقوس المعتادة. ترتدي ملابس الصلاة وتوقظ أفراد العائلة، ثم تخفي مصاغ ابنتها نور الذهبي، إذ تستعدّ الأسرة لمراسم زفافها الأسبوع المقبل. وتخفي معه مبلغًا من المال كانت قد ادّخرته، خشية أن تطالهما يد الاحتلال خلال اقتحام المنزل؛ فالقوات المقتحمة لا تكاد تترك شيئًا تقع عليه أيديها إلا استولت عليه.
"نشاط على البلد" جملة قصيرة، لكنها كفيلة بإشعال حالة من الاستنفار بين أهالي البلدة التي ينوي الاحتلال اقتحامها، لتتحوّل هذه العبارة إلى ما يشبه ناقوس الخطر. تحت المجهر يعيش الفلسطيني يومه، مراقَبًا في بيته وعمله، في كلماته وخطواته، وحتى في أصغر تفاصيل حياته.
وفي تلك الأثناء، يتجهّز محمد وعلي ويرتديان ملابسهما، فيما ترتدي نور ملابس الصلاة، ويتسلّل القلق إلى نفوس أفراد العائلة جميعًا. يتابع الجميع أخبار مجموعات البلدة أولًا بأول، ويرصدون تحركات الآليات المقتحمة، في محاولة لمعرفة مسارها، وما إذا كانت قد اقتربت من الحارة التي يقطنونها.
ويتوزّع أفراد العائلة على منافذ المنزل المطلّة على الشارع الرئيسي للبلدة، ويتناوبون على مراقبة الطريق. وفي الوقت نفسه تتوالى الإشعارات على هواتفهم، حاملةً أخبارًا عن مسارات الاقتحام، والمنازل التي جرت مداهمتها، والاعتقالات التي وقعت. ووسط هذا الترقّب، يبقى السؤال الأكثر حضورًا بينهم: "وين صار الجيش؟"
قد تستمر حالة التأهّب هذه أربع ساعات بمقاييس الزمن، لكنّ الأمر يختلف في حساب الفلسطينيين. فالضفة المحتلة باتت تعيش، لحظةً بلحظة، واقعًا معقّدًا يفرضه المحتل بسياساته التعسفية وإرهابه المتصاعد. وفي هذا الواقع تتجلّى معاني القهر والمعاناة والذل، بينما لا يملك الفلسطيني أدنى حيلة أمام قمع متواصل يحاسبه على كل تفاصيل يومه.
"نشاط على البلد" جملة قصيرة، لكنها كفيلة بإشعال حالة من الاستنفار بين أهالي البلدة التي ينوي الاحتلال اقتحامها، لتتحوّل هذه العبارة إلى ما يشبه ناقوس الخطر. تحت المجهر يعيش الفلسطيني يومه، مراقَبًا في بيته وعمله، في كلماته وخطواته، وحتى في أصغر تفاصيل حياته.
اقرأ أيضًا: ثقب في عين السجان: انفلات الجسد وهزيمة المنظومة العقابية
فالاعتقال بات سياسة ممنهجة ومتصاعدة تتّبعها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين، ولا سيما النساء والفتيات على اختلاف فئاتهن وأعمارهن، بذريعة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي. فأصبح التوجّس الدائم رفيقًا لتفاصيل الحياة اليومية، ندخل بسببه في دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي: ماذا أكتب؟ هل هذه الصورة مناسبة؟ هل يمكن لهذه الجملة أن تقودني إلى الاعتقال؟ هل يمكن أن يُفسَّر ما أنشره على نحو آخر؟ فكل شيء بات خاضعًا لرقابة أجهزة الاحتلال الصهيوني ومحاسبتها.
أما الحواجز العسكرية التي تخنق الضفة الغربية وتقطّع أوصالها، فلم يعد عبورها مجرد خطوة لا بد منها. لقد تحوّل إلى مصدر قلق دائم يرافق بعض النساء، حتى اللواتي لا علاقة لهن بالشأن السياسي. فالمرور عبر حاجز قد يفتح بابًا للخوف من التوقيف أو الاعتقال، في ظل تصاعد حالات اعتقال النساء والفتيات بمبررات وذرائع شتّى. لذلك صار الحاجز في حياة كثيرات منهن نقطةً تستدعي الحذر، وتستحضر سؤالًا ثقيلًا: "هل سأعبر وأعود إلى بيتي؟"
هكذا باتت حياتنا تمضي على وقع التوجّس: نراقب الأخبار، ونحسب كلماتنا، ونفكّر مليًّا قبل أن نخطو أو نكتب أو نعبر حاجزًا. لم يعد الخوف مرتبطًا بلحظة اقتحام أو اعتقال فحسب، بل تسلّل إلى مفاصل الحياة كلها. وصار الاحتلال حاضرًا في البيوت والطرقات والهواتف، يفرض على الفلسطيني أن يعيش وكأنه تحت المجهر دائمًا. فهو يراقب ما يقول ويفعل، خشية أن تتحوّل أبسط تفاصيل يومه إلى ذريعة لملاحقته أو اعتقاله.

