في ساعات الفجر، حين تغرق البيوت في هدوء النوم، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الناشطة والكاتبة الفلسطينية سمر حمد في حي المصايف بمدينة رام الله، وفتشته قبل أن تعتقلها وتقتادها إلى جهة غير معلومة، فجر الاثنين، 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
قد يبدو اعتقال سمر حمد، في ظاهره، حادثة جديدة تُضاف إلى عشرات أو مئات حوادث الاعتقال التي تشهدها الضفة الغربية، لكن سيرة المعتقلة وطبيعة حضورها العام تستدعيان التوقف أمام هذه الحادثة، وطرح سؤال أوسع: لماذا تستهدف قوات الاحتلال الناشطين والشخصيات الفاعلة في المجتمع الفلسطيني؟
سمر حمد… السيرة والحياة

تنحدر سمر حمد من قرية عين يبرود في محافظة رام الله والبيرة، وتحمل درجة البكالوريوس في أصول الدين من جامعة القدس. وعملت معلمة في مدرسة النجاح بمدينة رام الله، كما تابعت دراساتها العليا في العلوم الشرعية.
ولم يقتصر حضورها على المجال التعليمي؛ فقد عُرفت ناشطةً وكاتبةً لها حضور في القضايا السياسية والمجتمعية، وبرز اسمها بصورة خاصة عندما ترشحت عن قائمة "القدس موعدنا" للانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان من المقرر إجراؤها عام 2021، قبل تأجيلها.
هنا تكمن أهمية الاعتقال؛ فسمر حمد ليست مجرد اسم يُضاف إلى قائمة المعتقلين، بل هي شخصية اعتادت توظيف الكلمة والموقف والحضور العام للتعبير عن قضايا فلسطينية متعددة.
كما تحدثت حمد في مناسبات عديدة عن قضية الأسرى، وانتقدت الاعتقال الإداري، ودعت المؤسسات الحقوقية والدولية إلى التدخل لحماية المعتقلين، ولا سيما الأسرى المضربين عن الطعام. وامتد خطابها ليشمل الدفاع عن الحريات العامة ورفض الملاحقات السياسية للناشطين، بما في ذلك انتقاد الاعتقالات السياسية التي تنفذها الأجهزة الأمنية الفلسطينية.
وفي تصريحات سابقة، تناولت حمد قضايا القدس والمسجد الأقصى والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات، كما تحدثت عن الأسرى وضرورة الوقوف إلى جانبهم. وتُظهر أرشيفات تصريحاتها أنها ظلت حاضرة في النقاش السياسي والمجتمعي الفلسطيني على مدى سنوات. وهنا تكمن أهمية الاعتقال؛ فسمر حمد ليست مجرد اسم يُضاف إلى قائمة المعتقلين، بل هي شخصية اعتادت توظيف الكلمة والموقف والحضور العام للتعبير عن قضايا فلسطينية متعددة.
استهداف الإنسان أم استهداف الصوت؟

لطالما كان الاعتقال إحدى الأدوات الأساسية التي يستخدمها الاحتلال في التعامل مع المجتمع الفلسطيني. لكن استهداف الناشطين والكتّاب والإعلاميين والشخصيات المجتمعية يفتح الباب أمام أسئلة أخرى تتعلق بمحاولة الحد من قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه ونقل روايته إلى الداخل والخارج. فالناشط الفلسطيني لا يحمل بالضرورة سلاحًا، والكاتب لا يحتاج إلى بندقية حتى يكون مؤثرًا، والصحفي لا يحتاج إلى ميدان قتال حتى يصبح وجوده مزعجًا لمن يريد احتكار الصورة.
ولهذا، فإن تغييب الإنسان القادر على الحديث والكتابة والتوثيق والتأثير في الرأي العام يعني، في أحد جوانبه، تغييب جزء من الحضور الفلسطيني في المشهد. وتقدم المؤشرات المتعلقة باستهداف العاملين في المجال الإعلامي مثالًا على ذلك؛ إذ قالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، في تقريرها عن النصف الأول من عام 2026، إن 467 انتهاكًا وقع بحق الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي، شملت الاعتقال ومنع التغطية والاستهداف الجسدي والاحتجاز. وأشارت إلى أن أكثر من 41% من هذه الانتهاكات تمثلت في منع التغطية واحتجاز الطواقم.
اقرأ أيضًا: سمر حمد: عناقيد خير يرويها القرآن
قد ينجح الاعتقال في إبعاد شخص عن المشهد فترةً من الزمن، وقد يمنع الكاتب من الكتابة، والناشط من ممارسة نشاطه، والصحفي من الوصول إلى الميدان. لكن التجربة الفلسطينية على مدى العقود الماضية تُظهر أن تغييب الأفراد لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء القضية التي عبّروا عنها. بل إن السجن نفسه يتحول أحيانًا إلى فصل جديد في قصة المعتقل.
فمنذ عقود، لم تكن السجون مجرد أماكن للاحتجاز، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الفلسطينية؛ إذ ظلت أسماء المعتقلين وقصصهم وكتاباتهم ورسائلهم وشهاداتهم حاضرة، سواء بعد خروجهم من السجن أو حتى بعد رحيل بعضهم. ولهذا، يطرح اعتقال سمر حمد سؤالًا يتجاوز مصير امرأة فلسطينية اعتُقلت فجرًا من منزلها: هل يمكن تغييب الرواية الفلسطينية من خلال تغييب أصحابها؟ قد يُغيّب الاحتلال صوتًا، لكنه لا يستطيع بالضرورة التحكم في جميع الأصوات التي ستأتي بعده.
تغييب الأشخاص لا يعني تغييب الرواية

لا يمكن النظر إلى اعتقال حمد بمعزل عن المشهد الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتواصل حملات الاقتحام والاعتقال والمداهمة، وتطال فئات مختلفة من الفلسطينيين، بمن فيهم الناشطون والصحفيون والطلبة والنساء. وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن حق الفلسطيني في التعبير والكتابة والعمل المجتمعي والتوثيق والمشاركة السياسية جزءًا أساسيًا من الدفاع عن المجال العام نفسه.
كما أن حماية الصوت الفلسطيني لا تعني الاتفاق مع كل ما يقوله صاحبه، ولا إلغاء الاختلاف السياسي والفكري؛ بل تعني أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لمصادرة الإنسان أو تغييب صوته. ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى قضية سمر حمد مجرد خبر عاجل عن اعتقال ناشطة فلسطينية، بل إنها مناسبة لإعادة طرح قضية أوسع: ماذا يحدث عندما تصبح الشخصيات القادرة على التعبير عن مجتمعها هدفًا مستمرًا للاعتقال والملاحقة؟
إن الرواية الفلسطينية ليست شخصًا واحدًا، ولا حزبًا واحدًا، ولا فصيلًا واحدًا؛ إنها مجموع أصوات الناس: الأسير، والصحفي، والكاتب، والمعلم، والناشط، والأم، والطالب، وكل فلسطيني يحاول أن يقول للعالم: نحن هنا، ولدينا ما نقوله. وقد تستطيع يد الاحتلال أن تقتحم بيتًا في ساعات الفجر، وأن تقتاد إنسانًا إلى مكان مجهول، وأن تمنع صوتًا من الوصول إلى جمهوره. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: كم صوتًا سيولد من بعد ذلك الصوت؟

