بنفسج

في تشرين يتجدد الحنين... أبي صاحب أرض الزيتون

الإثنين 19 أكتوبر

مواسم الزيتون في فلسطين
مواسم الزيتون في فلسطين

أبي،

ثلاثة أعوام مضت على رحيلك، وثلاثة مواسم زيتون مرّت من دونك، وأنا ما زلتُ كلما جاء هذا الموسم أشعر أن غيابك يتجدد، وأن المسافة بيني وبين البلاد تصبح أثقل من أن تُحتمل. كأن تشرين يعرف كيف يفتح أبواب الحنين دفعة واحدة، وكيف يعيدني إليك، إلى الأرض التي أحببتها، وإلى حكايتك التي لم تنتهِ برحيلك.

أفكر فيك كثيرًا هذه الأيام. أتساءل كيف كنت ستستقبل هذا الموسم، وأيّ الأشجار كنت ستبدأ بها، وكيف كنت ستتفقد الأرض التي قضيت عمرك وفيًّا لها. أتخيلك تمشي بين أشجار الزيتون، تنظر إلى أغصانها، وتتأمل ثمارها، كأنك تتفقد شيئًا من أبنائك. أعرف كم كنت تحب الأرض، وكم كنت ترى فيها أكثر من ملكية أو مصدر رزق. كانت جزءًا منك، وكان البقاء فيها عندك مسألة كرامة لا تقبل المساومة.

ما زلت أذكر عبارتك، يا أبي، وأسمعها في داخلي كلما ضاقت بي المسافة: "لن أترك أرضي، ولو على جثتي". لم تكن تقولها لتبالغ، ولا لتبدو أكثر شجاعة مما أنت عليه. كنت تقولها لأنك كنت تعرف ما تعنيه الأرض، ولأنك لم تتصور يومًا أن يكون اقتلاع الإنسان من أرضه أمرًا يمكن التسليم به. كنت تعرف أن الأرض ليست ترابًا فحسب، بل عمرٌ مضى، وذاكرةٌ متجذرة، وتعبُ يدين، وأشجارٌ كبرت مع أصحابها، وحكاياتٌ لا يعرفها سواهم.

واليوم، يا أبي، يعود موسم الزيتون، لكن أيّ موسم هذا الذي يأتي محمّلًا بكل هذا الخوف؟

المستوطنون يطاردون المزارعين، ويلاحقونهم في أراضيهم، ويمنعونهم من الوصول إلى أشجارهم، ويقطعون الزيتون ويستولون على المحاصيل. لم يعد القلق مقتصرًا على ما إذا كان الموسم وفيرًا أم شحيحًا، ولا على مقدار ما ستمنحه الأرض لأصحابها؛ صار القلق على أصحاب الأرض أنفسهم، على قدرتهم على الوصول إلى أشجارهم، وعلى ما إذا كانوا سيعودون من حقولهم سالمين، وعلى ما إذا كانت الأشجار التي رافقت أعمارهم ستبقى حتى الموسم المقبل.

أيّ وجع هذا الذي يجعل المزارع يخشى على شجرته من أن تُقطع، وعلى ثمرته من أن تُسرق، وعلى حقه في الوصول إلى أرضه من أن يُنتزع منه؟ وأيّ قسوة هذه التي تجعل الإنسان يقف بعيدًا عن شجرة زرعها بيديه، أو يرى تعب عام كامل يُسلب أمام عينيه؟

أفكر في المزارعين يا أبي، وفي الذين يقفون اليوم أمام هذا كله، وأفكر فيك. أحاول أن أتخيلك بينهم، وأتساءل: ماذا كنت ستفعل لو كنت هنا؟

هل كنت ستذهب إلى أرضك كما اعتدت، غير آبه بما قد يعترض طريقك؟ هل كنت ستقف أمام أشجارك، تنظر إليها بعنادك الذي أعرفه، وتقول إنك لن تتركها؟ هل كنت ستغضب حين ترى شجرة زيتون مقطوعة، أو حين تعرف أن مزارعًا مُنع من الوصول إلى أرضه؟ هل كنت ستجد الكلمات التي تطمئن بها قلبك، أم أن المشهد كان سيترك في نفسك من المرارة ما لا تستطيع الكلمات أن تحمله؟

لا أعرف يا أبي. لكنني أعرف أنك لم تكن لتفهم كيف يمكن للإنسان أن يُطالَب بالتخلي عن شيء أحبّه طوال عمره، وكيف يمكن أن يصبح الوصول إلى أرضه مخاطرة، وقطف زيتونه فعلًا يحتاج إلى الشجاعة.

وأعرف أنك كنت ستذهب، ما استطعت، لأنك لم تكن ترى في الأرض شيئًا يمكن تأجيله أو التخلي عنه. كنت ترى أن علاقتنا بها لا تتوقف عند حدود ما نستطيع حمايته في لحظة بعينها، وأن البقاء فيها، والتمسك بها، وعدم نسيانها، أمور لا تنفصل عن معنى أن نكون أبناءها.

أما أنا، يا أبي، فأكتب إليك من بعيد. من مسافة لا أستطيع اختصارها، ولا أعرف متى أتمكن من عبورها. منذ رحيلك، وأنا بعيدة عن البلاد، وكلما جاء موسم الزيتون شعرت أن الغيابين يتداخلان في قلبي: غيابك الذي لا عودة منه، وغيابي عن أرض أتمنى لو أنني أستطيع الوصول إليها، ولو لمرة واحدة، لأمشي في طرقاتها، وألمس ترابها، وأقف بين أشجارها، وأستعيد شيئًا من نفسي التي تركتها هناك.

لم أكن أعرف أن البعد عن الأرض يمكن أن يصبح بهذا الثقل. كنت أظن أنني سأظل قادرة على احتمال المسافة، وأن البلاد ستبقى في مكانها من ذاكرتي، أعود إليها متى شئت، وأستحضر تفاصيلها كلما اشتقت. لكنني أكتشف في كل موسم أن الحنين لا يكتفي بالذكريات، وأن ثمة أشياء لا تعوّضها الصور، ولا تسدّ مكانها الحكايات، ولا يمنحنا الحديث عنها شعورًا بأننا قريبون منها.

كيف أشرح لك، يا أبي، أنني أشتاق إلى أرضك بقدر ما أشتاق إليك؟ وأنني حين أفكر فيك، أراك هناك، بين أشجار الزيتون، فأشعر أنني فقدت برحيلك شخصًا كان يصلني بالأرض بطريقة لا يستطيع أحد أن يفعلها بعده؟ كنتَ بالنسبة إليّ أكثر من أب؛ كنتَ واحدًا من الذين يجعلون البلاد قريبة، حتى حين تكون بعيدة، ويمنحون الانتماء وجهًا وصوتًا ويدين تعرفان كيف تلمسان التراب.

أشتاق إليك، وأشتاق إلى أشياء لم أكن أظن أنني سأشتاق إليها بهذا القدر: إلى حديثك عن الأرض، وإلى يقينك حين تتحدث عنها، وإلى الطريقة التي كنت ترى بها ما لا نراه نحن أحيانًا. أشتاق إلى وجودك الذي كان يجعل بعض الأشياء بديهية؛ أن للأرض أهلًا، وأن للأشجار من يرعاها، وأن ثمة من سيذهب إليها مهما تعبت الطريق.

والآن، كلما سمعت عن مزارعين طوردوا، أو أشجار قُطعت، أو محصول سُلب من أصحابه، أتساءل عن معنى غيابك في هذه الأيام تحديدًا. أتساءل كيف كان قلبك سيتحمل كل هذا، وأفكر في أنني لن أستطيع أن أسألك، ولن أعرف جوابك إلا بما تركته فيّ من كلمات ومواقف وذكريات.

ثلاث سنوات يا أبي، وما زلت أجد صعوبة في تصديق أنني لن أراك مجددًا. تمر الأيام، وأتعلم كيف أعيش من دونك، لكنني لم أتعلم كيف يصبح غيابك أمرًا عاديًا. ثمة لحظات يعيدك فيها شيء صغير إلى قلبي بكل وضوح؛ موسم الزيتون واحد منها. وربما لأنك أحببت الأرض إلى هذا الحد، صارت الأشجار تحمل شيئًا من حضورك، وصار الحديث عن البلاد يعيدني إليك، حتى حين لا أكون مستعدة لكل هذا الحنين.

أحيانًا أفكر في عبارتك: "لن أترك أرضي، ولو على جثتي" وأتساءل إن كنتَ تعرف، حين قلتها، أنها ستبقى بعد رحيلك، وأنني سأستعيدها في أيام كهذه، حين أعجز عن الوصول إلى الأرض التي أحببتها، وحين أشعر بأن المسافة لا تفصلني عنها وحدها، بل تفصلني أيضًا عن جزء من حياتي معك.

أريد أن أقول لك إنني لم أنسَ. لم أنسَ حبك للأرض، ولا إصرارك على البقاء فيها، ولا ما كانت تعنيه لك. وأريد أن أقول إنني، على الرغم من بعدي، لا أشعر أن علاقتي بها قد انتهت. ربما لا أستطيع أن أكون هناك الآن، وربما لا أملك جوابًا عن سؤال العودة، لكنني أحملها معي، وأحمل حكايتك معها، وأعرف أن ما زرعته في قلبي لن ينتزعه البعد.

لا أعرف متى أعود يا أبي. لا أعرف متى أقف على أرضنا من جديد، أو متى أتمكن من زيارة أشجار الزيتون التي أحببتها. لكنني أتخيل تلك اللحظة كثيرًا. أتخيل أنني سأمشي ببطء، وأنظر طويلًا إلى ما حولي، وأحاول أن أتعرف إلى كل شجرة، وأن أستعيد من الذاكرة ما بقي من خطواتك هناك. وربما سأقف أمام شجرة زيتون وأبكي، لا لأنني حزينة فحسب، بل لأنني سأكون قد وصلت أخيرًا إلى مكان ظلّ يناديني طوال سنوات الغياب.

كنت أتمنى لو أنك ستكون معي حين أعود. أن أمشي إلى جانبك، وأن أسمعك تتحدث عن الأرض كما كنت تفعل، وأن أسألك عن الأشجار، وأن أترك لك الكلام كله، مكتفيةً بأن أكون قريبة منك. لكنني أعرف أن هذه أمنية لن تتحقق كما أتخيلها، وأن عليّ أن أتعلم كيف أعود إلى الأرض من دونك، وكيف أراك في تفاصيلها من دون أن أخلط بين حضورك الذي أفتقده وغيابك الذي لا يتغير.

رحمك الله يا أبي. رحم يديك اللتين تعبتا في الأرض، وقلبك الذي تعلّق بها، وروحك التي لم تعرف كيف تتخلى عمّا أحبّت.

في هذا الموسم، لا أملك أن أقطف لك حبات الزيتون، ولا أن أجلس إلى جوارك تحت شجرة، ولا أن أحكي لك عن شوقي الذي ازداد مع كل عام. كل ما أملكه أن أكتب إليك، وأن أستعيد كلماتك، وأن أقول لك إنني ما زلت ابنتك التي تتألم حين تتألم الأرض، وتشتاق حين يبتعد عنها المكان، وتبحث عنك في كل ما تركته وراءك.

أبي، لو كنت هنا، لذهبتَ إلى أرضك، أعرف ذلك. أما أنا، فأقف على مسافة منها، وأتمنى لو أستطيع أن أقطعها إليك.

ولعلّ أكثر ما يؤلمني أنني لا أستطيع أن أعود إلى الأرض لأجدك، ولا أن أعود إليك لأجد الأرض كما كنت أعرفها معك. لقد رحلتَ، وبقيت الأرض التي أحببتها تواجه كل هذا، وبقيت أنا بين غيابك وبُعدها، أحاول أن أحفظ في قلبي ما لا أريد له أن يضيع.

سلامٌ عليك يا أبي، في قبرك، وفي ذاكرتي، وفي كل شجرة زيتون أحببتها... وسلامٌ على أرضنا، التي ما زلت أشتاق إليها، وعلى أهلها الذين يذهبون إليها رغم الخوف، وعلى المزارعين الذين يتمسكون بأشجارهم، وعلى كل يد تمتدّ إلى غصن زيتون لتقطف ثمرةً حاولوا حرمانها منها.

رحمك الله يا أبي. ما زلت أشتاق إليك، وما زلت أشتاق إلى البلاد. وما زلت، كلما جاء موسم الزيتون، أتمنى لو أنك هنا.