عشنا أعوامًا وأيامًا تجرّعنا خلالها من كأس المرارة ما لم يتخيّل بشر على وجه هذه الأرض أن يعيشه أو يحتمله؛ حصارٌ خانق يسدّ الأفق، وجوعٌ ينهش الأجساد النحيلة، وخوفٌ يتربّص بالقلوب مع كل دقّة ثانية، ونزوحٌ مستمر يطارد خطانا المنهكة من بقعة إلى أخرى، ومن خيمة إلى خيمة. منذ اليوم الأول لانفجار هذه المعاناة، وحتى هذه اللحظة التي أخطّ فيها كلماتي، ونحن نتمنّى في كل ليلة، وعند كل فجر جديد، أن نكون غارقين في كابوس أو حلم عابر، ننتظر بشغف لحظة الاستيقاظ منه لنُبصر الأمان الذي سُلب منا قسرًا.
لقد عشت تفاصيل الإبادة والوجع والجوع بكل تجلّياتها القاسية داخل مخيمات اللجوء، تلك المساحات الضيقة والمؤقتة التي نحاول، رغم بؤسها الشديد والموت المحيط بها، أن نملأها بالحياة والتفاؤل، وأن نصنع من اللاشيء أملًا يتشبّث به الأطفال.
أما الآن، فقد ضاقت الدوائر أكثر، ونحن محاصرون بالكامل، ومُبعدون قسرًا عن كل ما نحب وما نألف. لم يعد لنا من متاع في هذه الدنيا سوى الأحلام؛ نحلم فقط بالرجوع، بالعودة إلى حارتنا القديمة، تلك الأزقة الضيقة التي كانت جدرانها العتيقة تجمعنا على الضحك الصادق، والدفء الإنساني، والآمال المشتركة التي كنا ننسجها معًا تحت سقف واحد، قبل أن تحوّلها آلات الدمار إلى ركام ورماد.
ثلاثة أعوام كاملة مضت من عمري، سُرقت من طفولتي وشبابي، وأنا أعيش على أمل واحد يتكرّر كل صباح: أن أرجع إلى مدرستي، وأن ألمس صفي، وأجلس على مقعدي الدراسي الذي تركت خلفه دفتري وقلمي. أما الآن، فقد تبدّل الحال كليًا، وأصبحت الخيام المهترئة مدارسنا البديلة. نجلس فيها على الأرض الترابية الباردة، وتلتحف أجسادنا بالحصى والتراب بدلًا من المقاعد الدراسية المريحة.
ورغم هذا الواقع المرير الذي يفتقر إلى أدنى مقوّمات التعليم، ورغم قسوة البيئة المحيطة، فإن قلوبنا الصغيرة لا تزال تنبض بالتحدي، وتتمنّى وتطمح إلى أن تكبر وتصبح شيئًا عظيمًا في المستقبل. نحن جيل يحب الحياة رغم كل الصعاب، ونتمسّك بأبسط أشيائها وتفاصيلها؛ لأننا نرى فيها طوق النجاة الوحيد وسط هذا البحر المتلاطم من المآسي.
وعلى الجانب الآخر من هذه المأساة، تقف بوابة المعبر كعقبة كأداء، وكجدار إسمنتي صلب يفصل بيننا وبين الحياة الطبيعية. يمثّل هذا المعبر بوابةً يرتجيها الكثيرون ويتمنّون فتحها؛ فهناك مريض يصارع سكرات الألم والمرض، ويتمنّى أن تُفتح له تلك البوابة ليخرج ويتعالج خارج البلاد قبل فوات الأوان، وأمّ صابرة جفّ الدمع في عينيها، وهي تتوق إلى لقاء ابنها المغترب، ورؤيته في غرفته القديمة، وضمّه إلى صدرها، وفتاة تعقد آمالها الغضّة على لقاء زوجها الذي ينتظرها خلف الحدود خارج البلاد، لتسير معه في درب الحياة.
لكن هذا المعبر تحوّل بمرور الوقت إلى زنزانة كبيرة محكومة بالقيود والممنوعات، حيث يُصنَّف كل شيء فيه بدقة متناهية بين ما هو مسموح وما هو ممنوع. حتى الهاتف الخلوي البسيط يُمنع إدخاله عبر هذا الحاجز، وكأنهم يخشون حتى موجات الصوت، ويتساءلون في أنفسهم: هل التواصل مع الأحبة وسماع أصواتهم يخفّف وجع الحصار، أم يفجّر ثورة من الأمل تكسر هذه القيود؟
إنها قيود مصنوعة من الإسمنت الصمّام، وأدوات بناء يُمنع إدخالها، في وقت نحلم فيه نحن، بكل جوارحنا، بأن نعود إلى ديارنا لنمسك بتلك الأدوات، ونبني الحياة، ونعمر ما تهدّم من جديد. حتى ألعاب الأطفال البسيطة، التي أُعدّت في الأصل للاستمتاع والترويح عن النفس، أصبحت في واقعنا أمنية بعيدة المنال، وكأن الضحكة البريئة باتت تهمة، وأصبحت ممنوعة على وجوه الصغار الذين كبروا قبل أوانهم بآلاف السنين. يسألنا الصمت كل يوم: إلى متى سنظل نعيش هذه الحياة المعلّقة بين الموت والبقاء؟
لقد اقترب فصل الشتاء مجددًا، هذا الزائر الثقيل الذي يحمل معه رعبًا من نوع آخر. يداهمنا البرد القارس الآن ونحن عُزّل داخل هذه الخيام التي لا تقي حرًّا ولا بردًا. تتسلّل الرياح العاتية من الشقوق، وتتدفّق مياه الأمطار من جميع الاتجاهات، لتتحوّل الأرض تحتنا إلى برك من الطين. في تلك الليالي المظلمة، ترتجف أجساد الأطفال الغضّة من شدّة الصقيع، وتتجمّد الدماء في أطرافهم، بينما تقف الدمعة حائرة وحارقة في أعينهم المستغيثة.
إنها قلوب صغيرة غضّة، لكنها مثقلة بهموم الجبال؛ قلوب لم تعد تستوعب حجم هذا الشعور الثقيل، ولا تملك القدرة على فهم لماذا تُحرم من الدفء والبيت والأمان.
ورغم كل هذا الصقيع، سنظل نكتب، ونصرخ، ونحلم، حتى تُفتح الأبواب، وتتحطّم القيود، ونعود إلى حاراتنا لنبني الحياة التي تستحقونها، ويستحقها هؤلاء الأطفال.

