ماذا يحدث حين تغادر صورة أسير زنزانة العزل، لا لتصل إلى عائلته أو إلى وسائل الإعلام، بل لتُعرض على أبناء بلدته خلال اقتحام عسكري، وتُعلّق على جدران منازلهم؟
في ليلة 20-21 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بلدة سلواد شمال شرقي رام الله، واحتجزت نحو 25 من سكانها، وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية تخللها الضرب والتنكيل، ونُقل ثلاثة منهم إلى المستشفى. وخلال التحقيق، عرض الجنود على المحتجزين صورة الأسير إبراهيم حامد داخل زنزانة العزل الانفرادي، وهددوهم بشأن مصيره في السجن، بحسب نادي الأسير الفلسطيني.
الصورة التي تُظهر حامد مقيّد اليدين والقدمين لُصقت أيضًا على جدران منازل ومبانٍ في البلدة. لا تتوقف دلالة الواقعة عند الاقتحام والاحتجاز، بل تمتد إلى سؤال آخر: كيف تتحول صورة أسير معزول إلى وسيلة محتملة للضغط النفسي على أشخاص خارج السجن؟ وماذا يتغير حين تُعرض الصورة في فضاء يرتبط بالحياة اليومية والذاكرة المحلية، وتحت ظروف يختل فيها ميزان القوة؟
حين يغادر الجسد زنزانته عبر الصورة
اعتُقل إبراهيم حامد، المولود عام 1965، في 23 أيار/ مايو 2006، وصدر بحقه عام 2012 حكم بالسجن المؤبد 54 مرة. ووثّق نادي الأسير أنه أمضى نحو ثماني سنوات في العزل الانفرادي حتى أيار/ مايو 2024، منها سبع سنوات متواصلة.
العزل ليس مجرد فصل الأسير عن الآخرين، بل تقييد لحركته وتواصله وإخضاع لتفاصيل حياته اليومية. لكن صورة حامد تفتح مشهدًا آخر: فبينما يظل جسده داخل الزنزانة، تنتقل صورته إلى الخارج، لتظهر أمام أشخاص يخضعون هم أنفسهم للتحقيق خلال اقتحام عسكري.
يساعدنا الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في كتابه المراقبة والمعاقبة (1975)، على فهم هذه العلاقة بين الجسد والسلطة. فالسلطة، في تحليله، لا تعمل بالعقاب المباشر وحده، بل من خلال تنظيم الأجساد والحركة والمكان، والتحكم في شروط الرؤية.
في واقعة سلواد، لا يغادر الأسير مكان احتجازه، لكن صورته تصبح مرئية خارج أسواره. ولا يتعلق الأمر بما تعرضه الصورة فحسب، بل بمن يملك عرضها، وأمام من، وفي أي سياق. فحين تُعرض خلال التحقيق وتقترن بتهديدات بشأن مصير صاحبها، يمكن أن تتحول من تمثيل بصري لشخص غائب إلى وسيلة محتملة لاستحضار الخوف لدى أشخاص حاضرين. لكن التحكم في عرض الصورة لا يعني بالضرورة التحكم في معناها أو في استجابة من يشاهدونها.
الجدار ليس مجرد جدار
لُصقت صورة حامد على جدران منازل ومبانٍ في سلواد. وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من المعاني التي تحملها الجدران في الحياة الاجتماعية الفلسطينية؛ فهي ليست أسطحًا مادية فحسب، بل قد تكون مساحات للذاكرة، تحمل صور الأسرى والشهداء وتعبّر عن التضامن معهم.
يقدم عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر، في كتابه إنتاج الفضاء (1974)، مدخلًا لفهم هذه الدلالة. فالفضاء، في تصوره، يتشكل من العلاقات الاجتماعية والممارسات اليومية والمعاني التي يمنحها الناس للأماكن التي يعيشون فيها.
البيت، وفق هذا الفهم، مساحة للخصوصية والذاكرة والأمان، وجدرانه جزء من الحدود التي تفصل الحياة المنزلية عن المجال العام. وحين تُفرض صورة على هذه الجدران خلال اقتحام، يمكن أن تتغير وظيفتها الرمزية: فالصورة التي قد تحمل معنى التذكر والتضامن في سياق، قد تُستخدم في سياق آخر لاستحضار القيود والعزل والتهديد. لا يعني ذلك أن جميع السكان سيفهمون الصورة بالطريقة نفسها، لكنه يوضح أن المكان ليس خلفية محايدة لعرضها؛ بل عنصر يسهم في تشكيل معناها.
من يملك الصورة، ومن يحدد معناها؟
في كتابها الالتفات إلى ألم الآخرين (2003)، تناقش الكاتبة سوزان سونتاغ كيفية تلقي صور الحرب والمعاناة، موضحة أن معنى الصورة لا يتحدد بما تعرضه وحده، بل بالسياق الذي تُقدَّم فيه وبموقع من يشاهدها.
فالصورة نفسها قد تُستخدم لتوثيق انتهاك أو إثارة التضامن، وقد تظهر في سياق آخر لتصبح جزءًا من موقف ضاغط. وفي حالة حامد، يتيح عرض صورته على محتجزين خلال التحقيق، مع تهديدهم بشأن مصيره، قراءة استخدامها بوصفه محاولة محتملة للتأثير النفسي، لا مجرد إظهار ظروف احتجازه.
مع ذلك، لا يمكن الجزم بما شعر به كل من شاهد الصورة؛ فقد تستحضر الخوف لدى بعضهم، والغضب أو التضامن لدى آخرين. لذلك، من المهم التمييز بين الوظيفة الترهيبية المحتملة للصورة وبين الأثر الفعلي الذي أحدثته، وهو ما يتطلب شهادات السكان وتجاربهم.
من استهداف الفرد إلى محيطه الاجتماعي
إن استخدام الصورة تجاوز الترهيب المباشر للمحتجزين إلى محاولة التأثير في الوعي الجمعي الفلسطيني. وتتيح هذه القراءة التفكير في العلاقة بين استهداف الأسير ومحاولات التأثير في الجماعة التي ينتمي إليها.
في هذا السياق، تبرز دراسة الأسير الفلسطيني وليد دقة "صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب"، التي كتبها عام 2009 داخل زنزانة عزل. ناقش دقة فيها أساليب السيطرة داخل السجون، معتبرًا أن القمع قد يستهدف الوعي والانتماء والروابط الجماعية، لا الجسد وحده.
وعلى ضوء هذه الفكرة، يمكن قراءة عرض صورة أسير معزول أمام أبناء بلدته بوصفه فعلًا يستحضر تجربة السجن خارج أسواره، ويربط مصير الفرد بمحيطه الاجتماعي. لكن هذا الربط يظل قراءة تحليلية، ولا يثبت وحده أن الواقعة جزء من سياسة شاملة أو برنامج موحد.
صورة مفروضة ومعنى غير محسوم
تكشف واقعة سلواد عن تداخل ثلاثة عناصر: السيطرة على جسد الأسير، والتحكم في عرض صورته، واستخدام فضاء اجتماعي خلال اقتحام عسكري. وتساعدنا أفكار فوكو ولوفيفر وسونتاغ، إلى جانب تحليل وليد دقة، على فهم كيف يمكن للصورة أن تكتسب وظيفة تتجاوز التوثيق البصري إلى الضغط النفسي المحتمل.
لكن القدرة على فرض الصورة لا تعني القدرة على فرض معناها. فقد تُعرض الصورة في سياق التهديد، ثم تنتقل إلى وسائل الإعلام لتصبح موضوعًا للتوثيق والإدانة والتضامن. فالمعاني لا تتشكل عند لحظة العرض وحدها، بل تتغير بتغير السياقات والذاكرة والخبرات الاجتماعية.
وهنا يبقى السؤال: حين تنتقل صورة الأسير من زنزانة العزل إلى جدار المنزل، هل تظل مجرد صورة لشخص غائب، أم تصبح جزءًا من صراع أوسع على الذاكرة والمعنى؟ قد تُفرض الصورة على الجدار، لكن معناها لا يُحسم بالضرورة عند تلك اللحظة.

