ينما كنتُ مسترسلةً في حديثي مع السيد عبد الإله جرار، من مدينة جنين، سألته عن عدد أبنائه، فاستوقفني ردّه؛ إذ أجابني بعبارةٍ حملت في طيّاتها ألمًا عميقًا: "كان عندي أربعة أولاد وبنت". توقفتُ عند كلمة "كان"، وشعرتُ بمرارة الفقد التي تسكنها، وبثقل السؤال عليه؛ فكيف لأبٍ أن يتحدث عن أبنائه بصيغة الماضي، وكأنّ جزءًا من حياته قد انقضى معهم؟
غيّب الموتُ ابنه محمدًا في حادث سير، وبعد ثلاث سنوات عاد ليخطف ابنه الثاني نورًا شهيدًا، ليُكنّى منذ فقده الثاني بـ"والد الشهيد". غيابٌ لا تعوّضه الأيام ولا الأشخاص ولا شيءٌ في هذه الحياة، وفراغٌ خلّفه الفقد، لكنها أقدار الله التي تؤمن بها العائلة وتُسلّم لها، وتحاول المضيّ في دروب الحياة رغم ما نهشه الفقد من أرواحها.

وُلد الشهيد نور الدين عبد الإله جرار عام 2002 في مدينة جنين شمال الضفة المحتلة، وهو الابن الثاني في عائلته، وقد عُرف بصلابته وطيبته وفكاهته. يقول والده: "نور، الله يرضى عليه، شجاع، صلب، طيب، عنيد، وغيور على بلده، وضحّى بنفسه لأجلها، ويكفي من صفاته أنه شهيد، الله يرحمه ويرضى عنه".
كان يعمل في توصيل الطلبات إلى الزبائن على دراجة نارية، وتميّز بأخلاقه الطيبة وحُسن تعامله معهم، ما جعله محبوبًا لدى كل من عرفه وتعامل معه. على وقع جرائم الاحتلال اليومية عاش نور طفولته، فتشكّل وعيه منذ سنواته الأولى، وأدرك من معاني الحياة ما يفوق عمره، وحمل على عاتقه همّ الوطن والدفاع عنه، في وقتٍ كان الأجدر به أن يعيش طفولته كأقرانه، يلهو مع أصدقائه أو يطلق طائرة ورقية في السماء.
فبسكينٍ صغير لا يتجاوز ثمنه شيكلًا واحدًا، انطلق نور نحو حاجز الجلمة العسكري شمال مدينة جنين، دون تفكير مسبق أو تخطيط، بل بدافع حميّته وغيرته على وطنه وما يعيشه من ألم وقهر، ولم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره. حينها اعتقلته أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، ثم توالت الاعتقالات، إذ تعرّض للاعتقال على يد أجهزتها خمس مرات.
وكلما كبر نور ازداد غضبه على الاحتلال، وتشبّع وعيه بما يحيط به من أحداث ووقائع، حتى غدت أسمى أمانيه أن يتقبّله الله شهيدًا، مقبلًا غير مدبر. فجر يوم الاثنين، السادس عشر من آب 2021، اختلطت أصوات أذان الفجر بدويّ الاشتباكات المسلحة، عقب دخول قوة خاصة من "المستعربين" إلى بنايةٍ قيد الإنشاء عند مدخل مخيم جنين، ونصبِها كمينًا للشبان.

خاض الشهيد نور الدين (19 عامًا ونصف) اشتباكاتٍ مسلحة إلى جانب مقاومين، قبل أن يرتقي شهيدًا مع ثلاثة آخرين، هم: رائد زياد أبو سيف (21 عامًا) من مدينة جنين، وأمجد إياد عزمي (20 عامًا)، وصالح عمار (19 عامًا) من المخيم. واختطفت قوات الاحتلال جثمانَي الشهيدين جرار وعزمي، في إطار ما تسميه إسرائيل سياسة العقاب الجماعي، التي تطال عائلات الشهداء وتحرمها من حقها في وداع أبنائها ومواراتهم الثرى.
وتعيش عائلة جرار معاناةً يومية جرّاء احتجاز جثمان ابنها في الثلاجات، في ظل تعنّت الاحتلال في تسليم الجثامين المحتجزة. يقول العم عبد الإله، وقد تضاءل أمله في استلام جثمان ابنه رغم طرقه كل الأبواب ومشاركته في كل الوقفات من أجل استعادته: "بنطالب كل حدا مسؤول بالتدخل العاجل لتسليمنا جثمان نور، حتى ندفنه حسب التعاليم الدينية، وتقرّ عيوننا برؤية قبره وزيارته والدعاء له".
ويضيف: "جرّبنا دفنّا أخوه قبله، ورغم الصعوبة إلا أننا شفناه وودّعناه وعملنا له عنوان لزيارته، أما نور فلم نودّعه، ولا نعلم على أي شكل كان وقت استشهاده، وهذا من خمس سنوات، ترك عندنا ألم صعب يصعب وصفه". ويتابع: "ما تركنا بابًا إلا وطرقناه، ولا اعتصامًا في أي بلد إلا وشاركنا فيه، على أمل استعادة جثمان ابننا نور، لكن دون جدوى، وكأننا نردد: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا، ولكن لا حياة لمن تنادي".
ورغم كل المناشدات والتحركات، لا يزال العم عبد الإله ينتظر أن يُسلَّم جثمان ابنه، ليودّعه ويدفنه وفق التعاليم الدينية، ويزور قبره كلما اشتاق إليه؛ فحتى حقّ الوداع والدفن حُرمت منه العائلة. وعن التفاصيل التي سبقت استشهاد نور، تروي العائلة أنها ظنّت أنه لا يزال في فراشه، قبل أن تُفاجأ عند حلول الفجر بغيابه، وفي تلك اللحظات بدأت الاتصالات تتوالى على والده، حاملةً إليه النبأ المفجع باستشهاد نجله.
فما إن علم نور باقتحام قوات الاحتلال للمخيم، حتى بادر إلى النزول والمشاركة في التصدي للاقتحام، انطلاقًا من شعوره بواجبه الوطني، فاندلعت اشتباكات مسلحة في المكان انتهت باستشهاده.
وهكذا يبقى العم عبد الإله وعائلته أسرى الانتظار، يحملون وجع الفقد ومرارة الحرمان من جثمان نور، فيما يعيش نور بروحه معهم: في أحاديثهم، وعلى المائدة، وفي كل زاوية من المنزل؛ فأينما ولّيتَ وجهك فيه، ثمة صورة أو موقف يجمع نور بأفراد عائلته.

