بنفسج

جنازة موصولة بالسماء... حين حملتُ نعش الشهيد

الإثنين 26 أكتوبر

ماذا تشعر عندما تحمل نعش الشهيد
ماذا تشعر عندما تحمل نعش الشهيد

جنازات الشهداء ليست وداعًا عاديًا، بل أعراس تمشي فيها الدموع إلى جانب الزغاريد، ويُحمل فيها النعش على الأكتاف كأنه راية لا جسد، إحساس وجودي ينتاب حامل النعش، تتجاوز الشعور بالحزن والفقد والغياب إلى الإمكان الوجودي الأخص، الوصول، وهي مرحلة الماوراء التي يعيشها الرائي، من يحمل النعش فوق كتفيه كاشفًا المساحات الزمنية اللاحقة الآن، لوقت قصير. 

كل هذا الحضور

WhatsApp Image 2026-10-25 at 4.38.47 PM (2).jpeg
 

لم يكن النعش ثقيلًا كما ظننت، كان خشبًا وقماشًا وجسدًا ساكنًا، لكنّ ما أثقل كتفي لم يكن شيئًا من ذلك. كيف يرحل رجل ويترك خلفه كل هذا الحضور؟ كنتُ أحمل نعشه وأتساءل: كيف لإنسان واحد أن يحمل كل هذه الحكايات، وكل هذا الحب الذي يمشي خلفه على أقدام المئات؟

ضاقت الأزقة بالمشيّعين، كان الهتاف يعلو ثم يخفت، كأنه نَفَسٌ واحد يتردد في صدور الجميع. شيوخ يمسحون دموعهم بأطراف كوفياتهم، وأطفال يتسللون بين الأرجل ليلمسوا طرف النعش، ونساء على الشرفات ينثرن الأرز والورد كأنهن يزففن عريسًا، لا يودّعن راحلًا.

في تلك اللحظة فهمت أن الحضور لا يُقاس بعدد السنين التي عاشها المرء، بل بعدد القلوب التي سكنها. وتذكّرت قول أبي تمام في رثاء فتى سقط في ساحة القتال: فتىً ماتَ بين الضربِ والطعنِ ميتةً تقومُ مقامَ النصرِ إن فاتَهُ النصرُ

حكاية نعش

WhatsApp Image 2026-10-25 at 4.38.47 PM (1).jpeg
 

لكل نعش حكاية، وحكاية هذا النعش كانت تمشي خلفه. أرى أمّه تمشي خلفه، تحاول أن تُبقي عينيها عليه ما استطاعت، كأنها تخشى إن رمشت أن يغيب عنها مرة أخرى. لم تكن تصرخ ولا تولول، كانت تحدّق فقط. كانت تحفظ تفاصيل النعش كما حفظت يومًا ملامح وجهه رضيعًا بين ذراعيها، وتمشي بخطى من يعرف أن هذه آخر مسافة تقطعها معه. وأرى يدي أبيه المرتجفتين. هاتان اليدان علّمتاه المشي، وأمسكتا يده في أول يوم مدرسي، وربّتتا على كتفه حين صار رجلًا. وها هما الآن لا تجدان ما تمسكان به سوى الهواء. كان يحاول أن يبدو صلبًا كما يليق بأبي شهيد، لكن الارتجاف كان يفضح ما يخفيه الوجه.

ووجوه كثيرة جاءت تودّع رجلًا لن يعود: رفاق الطفولة الذين تقاسموا معه الكرة والحجارة والأحلام، ومعلّمه القديم الذي لم يتخيل يومًا أنه سيشيّع تلميذه، وجاره الذي اعتاد أن يلقي عليه تحية الصباح، وغرباء لم يعرفوه قط، لكنهم شعروا أنه ابنهم جميعًا.

شعرتُ أنني أعرفه جيدًا

WhatsApp Image 2026-10-25 at 4.38.48 PM.jpeg
 

لم أعرفه، لم أصافحه يومًا، ولم أسمع صوته، ولم أجلس معه على عتبة بيت أو في زاوية مقهى. ومع ذلك، حين استقرّ النعش على كتفي، شعرت أنني أعرفه جيدًا. كنتُ أحمل عمرًا انقطع في منتصف الجملة، وأحلامًا لم يتسع لها الوقت. وكنت أحمل بيتًا سيفتقد صاحبه: كرسيًّا سيبقى فارغًا عند المائدة، وثيابًا معلّقة تنتظر من يرتديها، وهاتفًا سيرنّ في جيب الغياب ولا يجيب.

وكنت أحمل أمًّا ستظلّ تنتظر وقع خطواته عند الباب، كل مساء، في الساعة التي كان يعود فيها. ستسمع خطى العابرين في الحارة فيقفز قلبها، ثم يعود إلى مكانه خائبًا. وستذكره كما ذكرت الخنساء أخاها صخرًا: يذكّرني طلوعُ الشمسِ صخرًا                     وأذكرُهُ لكلِّ غروبِ شمسِ

لم أعرفه، لكنني عرفت وجع الذين أحبّوه، وأحيانًا يكفي هذا لنعرف إنسانًا: أن نرى أثره في عيون من فقدوه. فالمرء، في النهاية، ليس ما يقوله عن نفسه، بل ما يتركه في الآخرين حين يغيب.

ومرّ بخاطري بيت أبي الحسن التهامي في رثاء ابنه الذي رحل صغيرًا:  يا كوكبًا ما كانَ أقصرَ عمرَهُ         وكذاكَ عمرُ كواكبِ الأسحارِ

كان مثل ذلك الكوكب: قصير العمر، شديد الضوء، رحل قبل أن يطلع النهار.

جنائز موصولة بالسماء

WhatsApp Image 2026-10-25 at 4.38.47 PM.jpeg

وصلنا إلى المقبرة، فأنزلنا النعش عن أكتافنا، ووقفنا صامتين والتراب ينهال على الجسد. وحين انفضّ الناس وعدتُ إلى بيتي، عدتُ من الجنازة مختلفًا. فهمتُ أن بعض الجنائز لا تنتهي عند القبور، بل تمضي إلى السماء، وتترك في صدور الأحياء حكاية لا تنتهي. فالذي واريناه التراب لم يغب، وإنما انتقل إلى حضور آخر لا تراه العيون، نور على نور...وفي الحديث الشريف أن أرواح الشهداء "في جوف طيرٍ خُضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل" (رواه مسلم). كأنّ الجنازة التي مشيناها على الأرض كانت لها جنازة أخرى في السماء، يستقبله فيها من سبقوه، ويشيّعه فيها نورٌ لا نراه.

ولعلّ أباه، وهو يعود إلى بيت صار أوسع من احتماله، كان يردد في سرّه ما قاله التهامي: جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّهُ      شتّانَ بين جوارِهِ وجواري

حين حملتُ نعشه ظننت أنني أحمله إلى قبره، لكنني أدركت بعد ذلك أنه هو من حملني: حملني إلى سؤال عن معنى أن نعيش، وعن قيمة ما نتركه حين نمضي، وعن الفرق بين عمر يُقاس بالأيام وعمر يُقاس بالأثر.

وأدركت أن أبا تمام كان محقًا حين ختم مرثيته: عليكَ سلامُ اللهِ وقفًا فإنّني     رأيتُ الكريمَ الحرَّ ليسَ لهُ عُمرُ