بنفسج

بلا تهمة ولا محاكمة: أسيرات الاعتقال الإداري

الثلاثاء 27 أكتوبر

معتقلات والحكم إداري
معتقلات والحكم إداري

في سجون الاحتلال الإسرائيلي نساء لا يعرفن لماذا اعتُقلن، ولا متى سيخرجن، لم تُوجَّه إليهن تهمة يمكن الرد عليها، ولم يقفن أمام محكمة تزن الأدلة وتصدر حكمًا معلومًا. هن معتقلات إداريًا، وفق إجراء يتيح احتجاز الإنسان شهورًا وسنوات استنادًا إلى "ملف سري" لا يطّلع عليه سوى الجهاز الأمني والقاضي العسكري.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، تحتجز سلطات الاحتلال حتى 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 سبعًا وثمانين أسيرة، منهن إحدى وعشرون معتقلة إداريًا من دون تهمة أو محاكمة. وخلف هذا الرقم وجوه: صحافية تحمل كاميرتها، وخرّيجة تحتضن شهادتها، وأم تحمل رضيعها، ونساء أخريات كانت لهن حياة كاملة قبل أن يُعلَّق كل شيء على قرار إداري. فما الذي يعنيه أن تكون معتقلًا إداريًا؟

 تهمة بلا اسم... ومحاكمة بلا قاعة

معتقلات إداري
 

يعني الاعتقال الإداري أن تكون معتقلًا من غير تهمة واضحة ولا محاكمة، بحجة "ملف سري" لا تعرف أنت ولا محاميك ما فيه. في الأنظمة القضائية المعتادة تبدأ العدالة بأن يعرف المتهم بماذا يُتّهم، وأن يملك حق الدفاع عن نفسه وتفنيد الأدلة. أما في الاعتقال الإداري فتنقلب المعادلة: يُعتقل الإنسان أولًا، ثم يُقال له إن هناك "معلومات أمنية" تبرر احتجازه، لكن هذه المعلومات محجوبة عنه وعن محاميه. يقف المحامي أمام القاضي العسكري مدافعًا عن موكّلته في مواجهة ملف لم يقرأه، ويُطلب منه أن يدحض اتهامًا لا يعرف مضمونه.

وتستند سلطات الاحتلال في ذلك إلى أوامر عسكرية تتيح إصدار أمر اعتقال لمدة تصل إلى ستة أشهر، قابلة للتجديد. وتعود جذور هذا الإجراء إلى أنظمة الطوارئ التي سنّها الانتداب البريطاني في عام 1945. أما القانون الدولي الإنساني فلا يجيز الاحتجاز الإداري إلا استثناءً، و"لأسباب أمنية قهرية"، ولا يجيزه عقوبةً ولا بديلًا عن المحاكمة. لكن الاستثناء صار في الأراضي الفلسطينية المحتلة قاعدة، وصار "الملف السري" بابًا مفتوحًا يُدخل منه الآلاف إلى السجون من دون أن يُسألوا عن فعل محدد.

حكم بلا نهاية معلومة

سمر حمد
 

يعني الاعتقال الإداري أنه لا يكون عندك تاريخ محدد للإفراج تنتظره، وتعيش معلّقًا بين الاحتمالات، لا تعرف متى تخرج ولا متى ينتهي هذا الكابوس. حتى السجين المحكوم بحكم طويل يملك يقينًا واحدًا على الأقل: أن لحكمه نهاية. يستطيع أن يعدّ الأيام، وأن يرسم في خياله يوم الخروج، وأن يبني على هذا التاريخ أملًا يعينه على الاحتمال. أما المعتقلة الإدارية فمحرومة حتى من هذا اليقين، لأن الأمر الإداري ليس حكمًا ينتهي، بل مدة قابلة للتمديد إلى ما لا نهاية.

وهنا يكمن جوهر القسوة: الاعتقال الإداري لا يحتجز الجسد وحده، بل يحتجز الزمن أيضًا. يصبح المستقبل كله سؤالًا مفتوحًا: هل أحضر تخرّج أختي؟ هل أعود قبل أن يكبر طفلي ويتعلّم الكلام؟ هل سأكون في البيت في رمضان المقبل؟ لا أحد يملك الجواب، لا المعتقلة ولا محاميها ولا عائلتها.

 حين يصير اقتراب الموعد مصدر خوف

بشرى الطويل
 

يعني الاعتقال الإداري أنه كلما اقترب تاريخ انتهاء محكوميتك تخاف وتتوتر ولا تفرح، لأنه قد يكون تاريخ بداية حكم جديد، لا نهايته.

في كل سجون العالم يُعدّ اقتراب الإفراج لحظة فرح وترقّب. أما في الاعتقال الإداري فتنقلب هذه اللحظة إلى أشد الأوقات قلقًا. ففي الأيام الأخيرة من كل أمر اعتقال يُتّخذ القرار: إما الإفراج، وإما أمر جديد يمدد الاحتجاز شهورًا أخرى. وكثيرًا ما يصل قرار التجديد في اللحظة الأخيرة، بعد أن تكون العائلة قد استعدّت لاستقبال ابنتها.

بهذا يتحول الأمل إلى عبء. تتعلّم المعتقلة ألّا تفرح مبكرًا، وتتعلّم العائلة ألّا تعلّق الزينة قبل أن تعبر ابنتهم بوابة السجن فعلًا. فالفرح المؤجَّل يحمي من خيبة متكررة، لكنه يسرق من الإنسان قدرته على الانتظار الطبيعي.

 حياة معلّقة بقرار قابل للتجديد

تهمة التحريض
 

يعني الاعتقال الإداري أن تظل حياتك معلّقة بقرار قابل للتجديد، وأن تصير الحرية موعدًا مؤجلًا، كلما اقتربتَ منها أبعدوها عنك من جديد.

ويضاعف هذا الأثرَ ما تتحدث عنه مؤسسات الأسرى من منع للزيارات العائلية، وتضييق متزايد في ظروف الاحتجاز داخل سجن الدامون، حيث تُحتجز الأسيرات، فتجد المعتقلة نفسها معزولة عن أحبّتها وعن مستقبلها في آن.

 أسماء خلف الأرقام، منهن بشرى الطويل: ثلاثة أوامر في ثمانية أشهر، الصحافية بشرى الطويل (33 عامًا) من رام الله مثال حيّ على الدائرة التي لا تنتهي. اعتقلتها قوات الاحتلال في 5 شباط/ فبراير 2026 على حاجز عين سينيا العسكري قرب رام الله. وبعد أسبوع صدر بحقها أمر اعتقال إداري لأربعة أشهر. وحين اقترب موعد انتهائه، مددته المحكمة العسكرية في عوفر في 11 حزيران/ يونيو أربعة أشهر أخرى، استنادًا إلى ادعاء أنها تشكّل "تهديدًا للأمن العام" من دون أن تُقدَّم بحقها لائحة اتهام. ثم جُدّد اعتقالها للمرة الثالثة في تشرين الأول/ أكتوبر، أربعة أشهر إضافية.

ولم تكن هذه تجربتها الأولى، فقد كانت قد أُفرج عنها في كانون الثاني/ يناير 2025 ضمن صفقة تبادل، قبل أن يعيدها الاحتلال إلى الزنزانة بعد عام واحد. وبحسب نادي الأسير، عُزلت بشرى نحو خمسين يومًا، وتعرّضت للضرب والإهانة ورشّ الغاز داخل زنزانتها الخاضعة للمراقبة بالكاميرات على مدار الساعة. وتعاني من الجرب، ومن خدر في يديها بسبب القيود. ونُقلت بين الدامون وعزل الرملة وسجن "أوهلي كيدار" في بئر السبع، وهو تنقّل يعيق زيارات المحامين. حكايتها هي حكاية "العدّ الذي يبدأ من جديد" بكل حرف فيها.

سمر حمد: أول أمر في الدائرة: ومن مدينة البيرة، صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2026 أمر اعتقال إداري بحق سمر حمد لمدة أربعة أشهر. هو أمرها الأول، لكنه بالتجربة قد لا يكون الأخير. فكل معتقلة إدارية تبدأ من حيث تقف سمر الآن: أمام أمر محدد المدة ظاهريًا، ومفتوح على التجديد فعليًا. ووراء بشرى وسمر تسع عشرة امرأة أخرى في الوضع نفسه، لكل منهن ملف سري لا تعرف ما فيه، وموعد إفراج لا تملك أن تثق به. 

عدٌّ يبدأ من الصفر

الأسيرات الفلسطينيات
 

يعني الاعتقال الإداري أنه كلما انتهيت من عدّ أيام حكمك، يبدأ العدّ من أول وجديد. يعدّ السجين الأيام ليقصّرها في نفسه، ويحوّل الزمن الطويل إلى وحدات صغيرة يمكن احتمالها. لكن المعتقلة الإدارية تعدّ ثم تُفاجأ بأن العدّ لا يقود إلى نهاية، بل إلى بداية جديدة. وقد تمتد هذه الدائرة سنوات، يُجدَّد فيها الاعتقال مرة بعد مرة من دون أن تُوجَّه تهمة واحدة.

ليست الأرقام سوى الوجه البارد للحكاية. فخلف كل أمر اعتقال إداري امرأة لها اسم وحياة وأحلام، وعائلة تعدّ الأيام معها، وبيت يفتقد حضورها.

إن الاعتقال الإداري، بما ينطوي عليه من سرية وتجديد مفتوح، يتناقض مع أبسط ضمانات المحاكمة العادلة التي يقرّها القانون الدولي. وما دامت هذه الأوامر تُصدر وتُجدَّد، ستبقى الحرية بالنسبة لهؤلاء النساء موعدًا مؤجلًا، ويبقى المطلب الإنساني الأول هو ذاته: إنهاء الاعتقال الإداري، والإفراج عن المعتقلات، وإعادة الزمن المسروق إلى أصحابه.