بنفسج

دفء النعم: ماذا يعني أن تكون ممتنًا؟

الأحد 14 نوفمبر

أن تكون مُمتنًّا؛ يعني أن تعيش مدركًا لقيمة ما تملك، وقيمة الأشياء من حولك، فتنظر لها متأمّلًا بعين الحب والرضا حامدًا الله عليها، ليس بالقول وحسب، بل بالسلوك والشعور، فالأمر أكبر بكثير من قولنا الحمد لله، الأمر يحتاج أن نحوّل هذا القول إلى السلوك، وهذا السلوك هو الامتنان، وهو ما سنتحدث عنه اليوم لنجعله أسلوب حياة. باتباعك لسلوك الامتنان، وجعله عادة يومية، ستجني الكثير من الفوائد:

| الامتنان هو المغناطيس الجاذب للمزيد من النعم والخيرات:

امتنان 5.png

ليس شعارًا ولا كلام محفّزًا، هذه حقيقة أخبر الله سبحانه وتعالى عنها بقوله: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد). والشكر المقصود ليس شكر اللسان وترديد القول وحسب، بل أن يُصاحبه شكر الجوارح وإعمالها فيما يجعلنا نستمتع بما وهبنا الله من نعمٍ، صغيرها وكبيرها، ونستثمر هذه النعم لنستخدمها فيما ينفعنا.

الامتنان هو أسلوب تفكير يعتمد على إعمال العقل في التأمّل، واستشعار القلب للتفكر في هذه النعم، إذن، هو من شكر الجوارح الذي يستوجب المزيد من النعم المادية والمعنوية، فالله سبحانه لم يخصّ الزيادة بشيء، بل جعل اللفظ عامًا "لأزيدنّكم"، وهذا لواسع فضله وكرمه.

| الامتنان الوِثاق الذي يقوّي العلاقات الاجتماعية ويزيد من ترابطها ونجاحها:

إن كنت أمًّا؛ فامتنّي لطفلك على سلوكه الحسن، واستعدي لاستقبال المزيد من الطاعة، وإن كنت مدير شركة عّبر لعمالك عن امتنانك لعملهم وجهودهم ولكونهم جزءًا من هذا الكيان، وافتح أبوابك للحصول على المزيد من النجاح في عملك، وإن كنت طالبًا؛ امتنّ لوجود صديقك معك، وانظر إلى القوة والترابط الذي سيثمر في علاقتكم، وإن كنت وحيدًا بكل ما تعنيه الكلمة عبر عن امتنانك لنفسك واستعد لاستقبال نسخة جديدة منك أكثر إشراقًا ونجاحًا وتميّزًا.

فالامتنان لمن حولنا يجعلهم يشعرون بقيمتهم ويشعرون بتقديرنا للشيء الذي يقدموه، وهذا ما يجعلهم يرغبون في بذل المزيد حتى المشاعر. وكم من بيوت غاب عنها الامتنان والتعبير عنه، فكان مصير الزوجين الانفصال والضياع.

| الامتنان عقارك السحريّ لتتمتع بصحة جسدية ونفسية رائعة:

وهذا بناء على البحث العلمي الذي قام به روبورت إيمونز "الخبير العلمي الرائد في الامتنان في العالم" أثبت من خلاله أن الامتنان يقوّي جهاز المناعة ويخفض ضغط الدم، وأن الأشخاص الذين يمارسون الامتنان يتمتّعون بصحة نفسية جيدة، ويشعرون بالسعادة والرضا عن حياتهم، ويتفاءلون بغد أفضل، بل وأن تمارين الامتنان تساعد في التقليل من الاكتئاب والقلق.

| الامتنان جرس مُنبّه:

أي جرس ينبهنا لنِعم اعتدنا وجودها فغفلنا عنها، وعدسة مُكبّرة لنعم استصغرناها، فلم نلق لها بالًا، تشرب فنجان قهوتك صباحًا تتغلغل رائحته المُنعشة لأعماقك وبنكهته اللذيذة يزيد من نشاطك، تنزل من بيتك يدفّئك معطفك الصوفي ويقيك برد المطر، وخلال اليوم تطلّ عليك أشعة الشمس من بين الغيوم، وبأشعتها تمنحك المزيد من الدفء في هذا اليوم الماطر، مواقف صغيرة ولحظات عابرة لو تأملناها لأغدقت على قلوبنا الكثير من السعادة وحتمًا سنشعر بالامتنان لها.

وهناك نِعم عظيمة اعتدنا وجودها فغفلنا عنها، وسأضرب لك مثالًا لعلّ البعض يستغربه، لكن لا بد منه لتدرك قيمة ما نملك وتقيس عليه الكثير. هل تفكّرت يومًا في عمليّة إخراج الفضلات من جسدك؟ هل حمدت الله على سير هذه العمليّة بشكل سلسل، وطبيعي دون آلام ودون الحاجة إلى تدخّل طبيّ، أو دوائيّ، أو جراحيّ، كعملية زرع الكلى أو غسيل الكلى؟

صلّى الله على معلم البشرية الخيّر، إذ علّمنا أن نقول بعد الانتهاء من قضاء حاجتنا والخروج من الحمام،"غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني". وهذا المثال على سبيل الذكر لا الحصر، فكلّ متأمّل بحاله وجسده سيكتشف العديد من النعم العظيمة الغافلين عنها.

| خطوات  تجعل الامتنان أسلوب حياة 

 

|  قائمة الامتنان الخاصة بك:

خصّص دفتر للامتنان سجّل فيه يوميًّا ما لا يقل عن 5 أمور حصلت معك اليوم وكنت ممتنًا لها، هذه الطريقة ستحفّز عقلك على التفكير الإيجابي والانتقائي للأحداث والأشياء الجميلة، وستساعدك على ملاحظتها والتركيز عليها.

ليس هناك أيّ وصف محدّد للأشياء التي ستكتبها في دفتر الامتنان، اكتبها لمجرد أنها جعلتك تشعر بالسعادة، أو الراحة، أو أيّ شعور جميل حتى لو كانت أشياء بسيطة أو عادية في نظر الآخرين، لا عليك، فهي قائمة الامتنان الخاص بك وهذا الأمر يعنيك أنت وحدك.

| قف لحظات للتأمل وغير نظرتك للأمور من حولك ولتكن نظرتك للحياة عميقة:

هناك حكمة جميلة تقول: "إن الحياة تتحرك بسرعة كبيرة وقد تفوتك إذا لم تتوقف وتنظر إليها من حين لآخر". نعم، في غمرة انشغالنا في الحياة وتراكم واجباتها ومواجهة صعوباتها قد يجرفنا التيار ونفقد قدرتنا على ملاحظة التفاصيل الجميلة الصغيرة وننسى الاستمتاع بها وتذوق لحظات الجمال وعيشها، إلى أن وصل بنا الحال إلى نسيان النعم العظيمة أيضًا، غيّر نظرتك للأمور من حولك، كن ممتنًّا لكوب قهوتك وابتسامة زوجتك وحضن أطفالك، كن ممتنًّا لعملك الذي وإن أتعبك لكنّه مصدر رزقك، فكم وكم من شخص عاطل عن العمل يتمنى لو أنّه مكانك اليوم.

| أخبر من حولك أنك ممتن لهم:

يقول ويليام آرثر "شعورك بالامتنان لشخص ما دون أن تعبّر له عن ذلك، كمن يشتري هدية دون أن يهديها لأحد ما". قد يكون الأمر صعبًا في بدايته خاصة لمن لم يعتاد على الإفصاح عن مشاعره، لذلك سأقترح عليك أن تكتب رسالة لشخص أنت ممتن لوجوده في حياتك واشكره على ما يفعله من أجلك وأخبره بأكثر 5 صفات تحبها فيه، بإمكانك إعطاء الرسالة له مباشرة، أو دعها على مكتبه، أو في حقيبته، أو اجعلها رسالة إلكترونية.

| قم بإنشاء قائمة توكيدات الامتنان:

 وهي عبارات خاصة بك تردّدها يوميًّا مع نفسك، فعقلك الباطن يصدق ما يتم تكراره عليه من أقوال ويحوّلها إلى أفعال، قلّ على سبيل المثال: أنا ممتن لله على جميع نعمه صغيرها وكبيرها. أنا ممتن لجسدي لتمتعه بالصحة وتحمله القيام بمهامي. أنا ممتن لوجود أشخاص رائعين في حياتي "واذكر أسماءهم". أنا ممتن لعملي الذي أحقّق من خلاله ذاتي واكتفائي المادي.

بمجرد انتهائك من قراءة هذا الموضوع، خذ القرار بأن تجعل الامتنان أسلوب حياة وطريقة تفكير وجزءًا من يومك، فكما يقول ويليام آرثر وارد: "يمكن للامتنان أن يحوّل الأيام العاديّة إلى أعياد، ويحوّل الأعمال الروتينيّة إلى بهجة، وأن يغيّر الفرص العاديّة إلى معجزات وبركات".