بنفسج

ابنة أسيرة: عن ليلة اعتقال أمي

الخميس 25 اغسطس

في اليوم الثالث من أيام عيد الفطر المبارك، الساعة الواحدة والثالثة عشرة دقيقة صباحًا، تغيّر كل شيء. يقولون إن التجارب تصنع الإنسان، نعم صحيح، إن هذه التجربة هي التي صنعت ما أنا عليه اليوم، ولكن لا أخفيكم دموعي الحارقة والجرح الذي يعود نزيفه كلما تذكرت ذلك اليوم. لا أحد منا ينسى، ربما نحاول النسيان والتخطي، لكن سرعان ما يعود فيض الذكريات ملتهبًا.

كنت طالبة في الثانوية العامة، أنتظر نتيجتي بعد أسبوعين تقريبًا، وأنا أكبر إخوتي والفرحة الأولى لعائلتي. ننتظر بتلهف، كنا قد حضرنا أنا وأمي ترتيبات حفلة نجاحي منذ أن أنهيت امتحاناتي. مجتمعون في صالة البيت بعد مشوار عيد جميل، نتبادل النكات وأطراف الحديث تارة، ونشاهد التلفاز تارة أخرى، وفي يد كل منا كوب قهوة باردة اشتريناها من الطريق، لم يكمل أحد منا كوبه، طرقات خطفت كل الضحكات وضربت القلوب قبل الباب، هي طرقات معروفة من قبل، سمعناها مرارًا وتكرارًا منذ الصغر، إنهم خفافيش الليل مجددًا!

تشبثت بملابسها كصغير خائف، أبكي بحرقة العالم أجمع، إلى أين تذهبين وتتركينني أنا وإخوتي الصغار؟ إلى أين تذهبين قبل أن نعيش فرحة تفوقي؟ إلى من تتركيننا؟ جاءنا صوت أبي صارخًا "بدكم تاخدوها يوم خدوني عشرة بدالها، بدكم تاخدوها سنة خدوني مؤبد عنها، شو ما كان حكمها أنا بحمل أضعافه بس اتركوها...".

أعداد ضخمة مدججة بالسلاح، حوطوا البيت والغرف كلها، منعونا من الكلام أو حتى التصوير. في زوايا البيت كل فرد منا ينظر بملء عينيه وأفكار كثيرة تجول في أذهاننا، لماذا أتوا هذه المرة، أهو تفتيش كالعادة؟ أم اعتقال والدي الذي قضى سنوات في الأسر؟ ما لبثوا أن وضعونا جميعنا في غرفة واحدة ما عدا أمي، ثم أغلقوا علينا الباب، إلى هنا لم نكن ندرك شيئًا، لماذا أمي تحديدًا؟ ربما يفتشونها والدور آت علينا.

أتاني صوتها من بعيد يناديني "أفنان هاتي شنطتك الكبيرة"، أيضًا ظننت أنها للتفتيش! ذهبت لأعطيها الحقيبة وهنا كانت الصاعقة. أمي تلبس حجابها وجلبابها، سألتها مستنكرة "إلى أين"؟ قالت بأنها ذاهبة معهم وأنهم هنا لاعتقالها. لا أعلم كيف يمكن لعقل أن يستوعب مثل هذه الكلمات، أمي والسجن؟ كيف!

تشبثت بملابسها كصغير خائف، أبكي بحرقة العالم أجمع، إلى أين تذهبين وتتركينني أنا وإخوتي الصغار؟ إلى أين تذهبين قبل أن نعيش فرحة تفوقي؟ إلى من تتركيننا؟ جاءنا صوت أبي صارخًا "بدكم تاخدوها يوم خدوني عشرة بدالها، بدكم تاخدوها سنة خدوني مؤبد عنها، شو ما كان حكمها أنا بحمل أضعافه بس اتركوها...". لم تشفع لنا صرخاتنا وبكاؤنا. صغيرتي يمان صاحبة الخمس سنوات تختبئ في حضن أمي تلتمس بعض الأمان لعلنا في حلم، أخي الآخر تقوقع حول نفسه في زاوية البيت دون أن يستطيع الكلام، وآخر يحاول سحب أمي من بين أيديهم، ولم نستطع.


اقرأ أيضًا: أبناء الأسرى: ما بين الانكسار والأمل


كانت أمي هي الوحيدة الثابتة من بيننا، تمشي معهم بخطى واثقة متوضئة، توزع نظرها علينا، وتودعنا بابتسامة حنونة مع كلمات الصبر والتثبيت.. استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه. حين أخرجوها من الباب خرجت معها روح البيت، وحين أقول روح البيت أعني حقًا أن البيت قد انطفأ تمامًا، لا أحد يقوى على التصديق. كانت أصعب الأوقات هي فترة التحقيق، 45 يومًا ونحن لا نعرف عن أمي شيئًا سوى أنها في زنازين التحقيق أو ما يسمونها "مقابر الأحياء".

السجن للرجال مؤلم صعب، فكيف للنساء وهن الأكثر عاطفة وضعفًا؟ تفاصيل كثيرة مرت في حياتنا، كنا نرى كرامات الله جلية في تفاصيلها، نعم لقد كان الله معنا في كل المحن، ولكنّ البلاء جعلنا أكثر حقدًا لعدوّنا، حين حرمنا مشاركة أمي أفراحنا وأحزاننا، وحين اقتلع من بيننا حضنًا نختبئ فيه من الدنيا، وقلبًا نلجأ إليه كل حين.

كانت الزيارة هي الطريقة الوحيدة للاتصال مع أمي، وبعض الرسائل المكتوبة بخط اليد والتي تخرجها الأسيرات حين تخرج أسيرة من السجن، لا يوجد هواتف أو مصدر نعلم منه الأخبار بسرعة، حتى أن أمي تعرضت لوعكة صحيّة في معدتها أدخلتها العمليات ولم نعلم بمرضها إلا بعد أسبوع من عمليتها. ورغم كل هذه القسوة حرمني الاحتلال زيارتها ومزقوا تصريحي على الحاجز دون أي سبب يذكر، ولم أسمع صوت أمي بعدها إلا بعد أربعة أشهر!

الكثير من الأحداث الناقصة، مرّت الأيام، أو ربما لم تمر، لا تزال قصص الأسيرات تجعلك تلعن الاحتلال ألف مرة ومرة. حينما كنا نذهب لزيارة والدتي في سجن هشارون ثم سجن الدامون، كنا نرى كثيرًا من وجوه الأسيرات ونتعرف على قصصهنّ، فتيات بعمر الزهور قد أتلف السجن بهجة وجوههن، ضحكات باهتة ومجاملات كاذبة بأن الجميع بخير، ولكن الحال لم يكن كذلك، كنا نرى حقيقة الأمر حين نخرج من الزيارة، بكاء طويل ونظرات متحسرة على أبواب السجن الموصدة.

ليس من السهل أن نترك خلفنا أمهاتنا وبناتنا وأخواتنا ونعيش الحياة كأن شيئًا لم يكن، وأجزم أن الأسيرات كنّ كذلك أيضًا، لا يعلم الإنسان حجم الألم دون أن يجرب ذلك بنفسه. نعم إن أمي اليوم قد ذاقت الحرية، ولكن الحكاية لم تنته هنا، لا تزال الكثير من الأسيرات داخل السجون، الكثير من الأمهات والبنات القاصرات، والكثير من الحكايات، هن قضيتنا وقضية الشعب الحر، لا خير فينا إن نسيناهم ولا هناء لنا وهنّ داخل السجون، وإن الوقوف معهم والتعريف بهنّ والدعاء لهنّ لهو أقل القليل بحقهنّ، فاللهم اجمع كل غائب عن بيته ورده إلى أهله كما رددت يوسف بعد غياب.