بنفسج

الطبيب إياد الرنتيسي: تعذيب في السجون حتى الموت

الثلاثاء 13 مايو

اغتيال الطبيب إياد الرنتيسي
اغتيال الطبيب إياد الرنتيسي

كان يرتدي زيًا طبيًا بلون أخضر عليه بقع من دم، فلم تسنح له الفرصة لتغيير ملابسه بعد أوامر الأخلاء من مشفى الشفاء إلى الجنوب، على الحاجز ناداه جندي "يا ممرض يا أبو البدلة الخضرا أنت تعال". فهوى قلبها ولاحت غمامة سوداء أمام عينيها، لكن السقوط والانهيار يعني انتحار، فماذا أن يُعتقل رفيق دربك أمام ناظريك، ماذا أن تتوالي مشاهد من سنين العمر التي بدأت معه في أواخر التسعينيات عند حاجز الموت، كيف ستعبر هي وباقي العائلة وتتركه ورائها.

كانت مغيبة من صدمتها حتى وجدت نفسها بالجنوب بقلب يرتجف من خوفه من المجهول، شعور بالضياع لم تعرفه من قبل، وأول ما كانت ستركض له عند إحساسها هذا هو زوجها شريك الحلوة والمرة، 6 أشهر من الرعب والنوم مثل ذئاب الجبل بعين مفتوحة، حتى وصل الخبر "استشهاد الطبيب الفلسطيني إياد الرنتيسي بعد التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي".

تروي رندة الهمص زوجة الطبيب إياد الرنتيسي ظروف اعتقاله على حاجز نتساريم، وكيف وصلها خبر قتله داخل السجون، تخبرنا عن الرجل الذي أفنى حياته في العلم والعمل، وكان كل ما يتمناه أن يرى أولاده الثلاث في أعلى المراتب.

إخفاء قسري

اغتيال الطبيب إياد الرنتيسي

في العاشر من نوفمبر 2023 توجه طبيب النساء والولادة إياد الرنتيسي إلى الجنوب قسرًا رفقة عائلته، ولم يمهله القصف أن يخلع ردائه الطبي المغمور بالدم، ليعتقله الجيش الإسرائيلي على حاجز نتساريم، أمام أعين زوجته وأولاده ووالدته وشقيقته المريضتان، تقول زوجته رندة لبنفسج: "كان الجيش الإسرائيلي على مقربة من مشفى الشفاء، فاضطررنا للمغادرة، وكنا نحتاج لكرسي متحرك لوالدة زوجي وشقيقته كونهما لا تستطيعان المشي، لكن لم نتمكن من الحصول إلى على كرسي واحد، وذهبنا معنا نحو الجنوب، ليعتقل زوجي ويخفي قسريًا لمدة 7 أشهر لا نعلم أين هو ولماذا اُعتقل".

ومنذ ذلك اليوم، انقلبت الحياة عند رندة وأولادها ليعيشوا أيام صعبة، لم يتوقعوا أن تمر عليهم، فما بين نزوح وحصار وتجويع، وانتظار موت إلى قلق لا ينتهي على الأب، تضيف لبنفسج: في 20 يونيو 2024، هاتفتنا صديقة ابنتي وأخبرتها على الخبر الذي أوردته صحفية هآرتس الإسرائيلية ومفاده استشهاد زوجي إياد، خرجنا بلا وعي جميعا نبحث عن أحد يخبرنا عن تكذيب للخبر عن أي شيء ولكن لا جدوى".

تعذيب حتى الموت

اغتيال الطبيب إياد الرنتيسي

بعد أيام تواصل مع عائلة مدير قسم النساء والولادة إياد الرنتيسي، أسير محرر قابله داخل السجون، ليخبرهم بتعرض الطبيب لتعذيب مبرح بتهمة أنه كان مع الرهائن بالمشفى، ولإجباره على اعترافات لا يعلم عنها أي شيء، تضيف زوجته: "أخبرنا الأسير المحرر أنه يوجد أشياء تعرض لها زوجي لا يستطيع أن يحكيها لنا، ولكنه أكد على تعرضه للضرب الشديد على رأسه من قبل السجانين بشكل هسيتري، مما أفقده الوعي، وقال أن تاريخ وفاته كان ب17 نوفمبر أي بعد اعتقاله بأسبوع واحد".

كان الطبيب الرنتيسي رجلًا متواضعًا، أخبره زميله بالسجن عن وجود مشاكل صحية لدى زوجته، فوعده الطبيب بعلاجها ومتابعة حالتها فور خروجه من السجن، يتبادل الأحاديث في الخفاء معهم فأخبرهم عن ابنته دينة وتباهى بها، داعيًا لأولاده كلهم بالخير والسلامة.
 

"أبونا" إياد الرنتيسي

اغتيال الطبيب إياد الرنتيسي

رُزق الطبيب إياد بأربع أبناء كانوا عالمه الفريد، تزول أعباء الدنيا عن كتفيه وهو ينظر في وجوههم، أكبرهم أحمد ثم دينة ومحمد ولينة، تقول رندة: "كانت ابنتنا لينة مصابة بمرض الروماتيد منذ ولادتها فكان والدها صابرًا محتسبًا، يترك عمله لأجلها وعلاجها، حتى توفاها الله بعد 8 سنوات، كنت أنا ادرس بذاك الوقت لكن بفعل اهتمامه وحمله للمسؤولية معي خف الحمل عني جدًا".

كان الطبيب الشهيد يلقب زوجته ب"سلطانتي.. ورفيقة دربي، حين تحكي عنه للأصدقاء والغرباء تقول "أبونا" تجمع نفسها مع أولادها على الدوام، تردف:"عندما كان يثور على الأولاد لأجل موقف ما يأتيتي ويقول: "ديري بالك والله بعصب من ورا قلبي بهونش علي"، يحب ابنتها دينة كثيرًا يرى نفسه بها، حتى أنه كان يذكرها في الأسر بحسب روايات الأسرى لنا".


اقرأ أيضًا: وفاء لزوجها الشهيد: أبرار الفرا ترمم الحزن وتصنع الحياة


"كان أبًا وصديقًا لأولاده الثلاثة، فراقه أثر بهم جدًا، حتى أنني قرأت في مذكرات ابني الأكبر أحمد نص كتبه"لن أرى أصعب من شعور العجز الذي كنت فيه لحظة اعتقال والدي.. أحسست أنني مكبل اليدين والقدمين". تقول رندة.

تسترجع زوجته بدايات الحرب، حين أخبرها زوجها "كيف سنتدبر أمرنا في الديون التي على عاتقي.. إلا حقوق العباد.. ماذا افعل" فهونت عليه المصاب الجلل، تضيف: "كان خائفًا أن يموت وهو مديون بالدين الكبير، ولكن أمر الله قُضي، وأنا الآن حملت الراية بدلًا منه واحاول تسديد ما علينا، رغمًا عن الوضع المأساوي".

رحل الطبيب إياد الرنتيسي الذي أحبه كل من عرفه، فهو المؤمن بالقول: "خيركم للناس أنفعكم للناس"، وكان جل ما يريده من الحياة أن يرى أولاده في المراتب العليا ومن حفظة كتاب الله.