بنفسج

نقاط مساعدات أم مصائد موت؟ شهادات نساء خرجن من فم الموت

الأحد 24 اغسطس

ماذا تعرف عن مؤسسة غزة الإنسانية؟
ماذا تعرف عن مؤسسة غزة الإنسانية؟

في غزة، لم تعد الطوابير تقود إلى الخبز، بل إلى المقابر. تمضي النساء نحو مراكز المساعدات كما لو أنهن يعبرن حقل ألغام؛ خطوة واحدة خاطئة قد تحوّل سعيهن للبقاء إلى لحظة فناء.

لا يحملن سلاحًا، ولا يرتدين خوذًا، فقط يقفن تحت الشمس، في طوابير من التعب والجوع، بانتظار كيس طحين أو علبة حليب. إنه وجه صارخ للانكشاف الإنساني، إذ يُقتل المدنيون وهم ينتظرون ما يُفترض أن يُبقيهم على قيد الحياة.

نجونا لأننا تأخرنا بخطوة

inbound4451814483673837995.jpg

سناء قديح (36 عامًا)، أم لخمسة أطفال من بلدة عبسان الجديدة، كانت تنتظر حصتها من الخبز أمام مركز توزيع قرب مدرسة الزهراء في خانيونس، حين وقع القصف.

تقول: "كنت أقف في نهاية الطابور، أحمل طفلي الأصغر على كتفي، سمعت صوتًا قويًا، ثم دوّى الانفجار، شعرت بالأرض تهتز من تحتي، نظرت حولي، فوجدت امرأة كانت واقفة إلى جواري ملقاة على الأرض بلا حركة، لم أجد سوى الدماء والأنين".

أما رُهام مهنا (31 عامًا) من تل الهوى، فتعاني من ضغط نفسي حاد منذ بداية الحرب، تقول إن الذهاب لأي نقطة توزيع بات كابوسًا متكررًا. وأردفت بالقول: "نقف بالساعات في طابور التوزيع تحت أشعة الشمس الحارقة، ولا نعرف إن كنا سنأخذ شيئًا. في يوم، أُصيبت فتاة بجانبنا بطلق ناري، لا نعرف من أين جاء".

وتابعت: "كل شيء عشوائي، لا حماية، لا ضمان أن نعود. في أحد الأيام، سقطت امرأة مغشيًا عليها، والناس واصلوا التزاحم كأن شيئًا لم يحدث. أعود أحيانًا بلا طعام، لكن الأهم أنني أعود حيّة".

وأريج البطش (29 عامًا) – نازحة من غزة المدينة إلى دير البلح، فقدت شقيقتها في أحد طوابير المساعدات. تقول: "ذهبت برفقة شقيقتي نسرين وابنتها الصغيرة للحصول على العدس من إحدى التكيّات، وقفت نسرين في الصف قبلي، لحظة واحدة، وسقط الصاروخ. فقدت الوعي لدقائق، وحين أفقت، كانت نسرين قد فارقت الحياة، وابنتها كانت تصرخ من إصابة في ساقيها".

انعكاسات نفسية واجتماعية

inbound2874673551262660265.jpg

في المستشفى الأوروبي في خانيونس، يصف الدكتور فادي الأسطل الحالات التي يستقبلها من نقاط توزيع المساعدات بأنها "مروعة". يقول: "أكثر الضحايا نساء وأطفال، إصاباتهم في الرأس والصدر والأطراف. بعض الجثث تصل مفصولة الأعضاء، حتى المسعفون يعجزون عن التعامل معها بسرعة." ويضيف أن استهداف نقاط التجمع المدني "تكرر بطريقة لا يمكن تبريرها بأي ذريعة أمنية".

تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية ميساء سليم، إن تجربة النساء في نقاط التوزيع خلال الحرب الحالية على غزة باتت واحدة من أشدّ التجارب قسوة على المستويين النفسي والاجتماعي.

وتضيف: "تجد النساء أنفسهن مضطرات إلى الخروج من تحت القصف، والوقوف لساعات طويلة وسط الزحام والخوف، بحثًا عن كيس طحين أو علبة طعام لأطفالهن، وهنّ يدركن أن المكان قد يُستهدف في أية لحظة."


اقرأ أيضًا: دانية المدهون: مذكرات ناجية وحيدة


هذه التجربة تولّد مستويات عالية من التوتر والهلع والشعور بالإذلال، خاصة عندما تُقابَل جهودهن بالصراخ أو التهميش أو الخطر المباشر." وتؤكد سليم أن بعض النساء تعرضن لانهيارات عصبية بعد مشاهدتهن لمجازر قرب مراكز المساعدات، بينما دخلت أخريات في صمت تام لأيام، بسبب الصدمة.

تردف: "كثيرات قلن بوضوح إن الموت في البيت جوعًا أرحم من الموت في الطابور أمام عدسة الكاميرا أو تحت نيران الطائرات. إنها تجربة قاسية تترك ندوبًا في أعماق النساء، وتعيد تشكيل معنى الأمومة في غزة، لتتحول الأم من راعية إلى مقاتلة من أجل البقاء".

غياب الحماية وتجاهل متعمّد

inbound6644404184103174535.jpg

في اتصال مع مركز الميزان لحقوق الإنسان، قال الباحث الحقوقي أحمد أبو طه إن ما تتعرض له النساء في مراكز توزيع المساعدات "يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني"، مؤكدًا أن استهداف المدنيين أثناء تلقي المساعدات يُعد جريمة حرب.

وتابع: "المرأة ليست فقط ضحية، بل أيضًا خط الدفاع الأول عن الحياة اليومية في هذه الحرب، لأنها تخرج من أجل إعالة أطفالها، وتحمل عبء البقاء وحدها في كثير من الأحيان.


اقرأ أيضًا: نازحون في الشمس.. يوميات الصيف في خيمة


من حقها أن تتحرك في بيئة آمنة، وأن تتلقى المساعدة دون خوف من القتل أو الإصابة. وأشار إلى أن معظم نقاط التوزيع كانت مواقع معروفة سلفًا من قبل الأطراف الدولية، ومع ذلك، لم تُتخذ أية تدابير حقيقية لضمان حمايتها أو إبعادها عن مناطق الخطر.

ويقول أبو طه: "غياب الحماية ليس مجرد إهمال، بل هو تجاهل متعمّد لصوت النساء وحقوقهن. هذا الصمت الدولي يمنح الضوء الأخضر لاستمرار استهدافهن. نطالب بتحقيقات جدّية وتوفير ممرات آمنة فعلية، لا شعارات دعائية تُروّجها الأطراف المتسببة في المأساة."

الخبز الذي صار فخًا

inbound824338245054209686.jpg

في زمن المجاعة، يُفترض أن يكون الطعام حقًّا مقدّسًا، لا جائزة محفوفة بالموت. لكن في غزة، تخرج النساء إلى نقاط تُسمى مجازًا "مساعدات"، ويعدن محمّلات بدموع وصدمة، وربما لا يعدن أبدًا. في كل طابور، يتقاطع الجوع مع الرعب، والكرامة مع القهر، والإنسان مع تجاهل العالم.

إنه زمن يُقايض فيه الفلسطيني حياته بطبق أرز، أو علبة فاصولياء، والحقيقة أن النساء في غزة يواجهن المجاعة والموت والنزوح والقتل والمرض ومسؤولية الأبناء، وحدهن أحيانًا.