بنفسج

على أرض غزة.. يعلو الركام ويسقط ضمير العالم

السبت 04 يوليو

حرب غزة
حرب غزة

الأشجار ببذرة، ويبدأ الإنسان من نطفة، ويبدأ الظلم من التكبر. هذا هو قانون هذا العالم؛ فعندما تلمسك شرارة صغيرة يبدأ الهم والحزن والألم المزيف. فتخيل معي الركض بين الركام، وفوق الجثث، ومع حروق قد اخترقت صدرك حتى وصلت إلى قلبك، هنا يبدأ الإعصار. صوت الطائرات فوقك، ودبابة العدو أمامك، وأنت تنزف، هنا يتكون الإعصار بداخلك؛ فالإعصار يبدأ أولًا بنسمة هواء ضعيفة، والهدوء ما قبل العاصفة.

لم تأكل منذ يومين متواصلين، فتذهب للبحث عن الطعام، لتجد نفسك بين الركام، لا تعرف كيف وصلت إليه، فتكتشف أنك قد نجوت بأعجوبة، فتقف من جديد وأنت ملطخ بدمائك، فتمشي لمسافات طويلة حتى تُحاصر من قبل العدو الظالم، وتكون آخر كلمات نطقتها هي الشهادتين، وبعد لحظات يُمحى اسمك من السجل المدني.

هذا هو حال رجل ذهب ليبحث عما يسكت به جوعه، فانتهى به المطاف جثة لا تحملها سوى الأرض الباردة، ولا تغطيها إلا السماء. في غزة اقتُلعت الأشجار، وانتُزعت الأرواح، وسُلخت الجلود من الظلم. لنتفاءل قليلًا، ونقل إنها ستعود كما كانت. حسنًا، ستعود الحجارة بالمال، وتُعاد الطرق بالمال، لكن من يعيد الفرحة؟ من يعيد البهجة؟ من يعيد الأرواح؟

أصبح الليل مطابقًا للنهار؛ ففي النهار تصحو على استشهاد أحد من أقاربك، وفي الليل تنام وعيناك مغطاتان بالدموع. في غزتنا لا يوجد ما يسمى بالفرح، لنعكس هذه الكلمة ولنسميها رفح؛ هذه المدينة التي كانت خضراء، كانت جميلة، كانت مدينة. نعتذر منك يا رفح على الخذلان، هل سامحتنا؟ هنا السؤال: هل هناك من يسامح على الغدر أو الخيانة والخذلان؟ لا أظن ذلك، فكل البشر المتبقين والذين رحلوا لا ولن يرضوا بالظلم. فكلنا يريد العدل، لكن أين نجد العدل؟

ولتتضح الصورة؛ العدل كلمة صغيرة، لكن معناها كبير، وحملها أكبر وأثقل. فعالم بلا عدل كجسم بلا قلب، لن يستطيع العيش، ونحن الآن كهذا الجسد، نعيش على أساس مصالح شخصية، ولا نعيش على أساس مصالح الآخرين، ولا يستمعون لحديث رسولنا الكريم حين قال: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).


اقرأ أيضًا: حكايتي كما لم تُروَ من قبل.. بين الصبر واليقين


آسف يا رسول الله، لم نطبق ما أمرتنا به. يعيش العالم الآن على مبادئ يخترعها بنفسه، حيث إن إرضاء نفسه أمر أساسي لا يستطيع أحد أن يعترض عليه، هذا هو تفكيره. أما إرضاء الآخرين فمن أرذل الأمور عنده. فكل من الحكام والعرب يتبع هواه ولا يتبع أمر نبيه، فيتبع ما هو أخطر: الهوى. حيث قال الله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).

هذا الهوى إن لم تسيطر عليه، فكأنما وجه أحدهم بندقية إلى رأسك، إن لم تنفذ سيُقضى عليك. فما نشاهده الآن من العرب والحكام بوجه خاص هو اتباع الهوى. ففي قصيدة خرجت من دولة عربية مظلومة، خرجت منها هذه الكلمات: زار الرئيس المؤتمن بعض ولايات الوطن وحينما زار حيًّا.. قال: هاتوا شكاواكم بصدق في العلن.. ولا تخافوا فقد مضى ذاك الزمن.. فقال صاحبي حسن: يا سيدي أين الرغيف واللبن؟ وأين تأمين السكن؟ وأين من يوفر الدواء للفقير دونما ثمن..

 فقال الرئيس، وحزن أحرق جسدي: أكل هذا حاصل في بلدي؟ شكرًا على حرصك على تنبيهنا يا ولدي سوف ترى الخير غدًا. وبعد عام زارنا فقال: هاتوا شكاواكم بصدق في العلن .. ولا تخافوا فقد مضى ذاك الزمن.. فلم يشتكِ الناس، فقمت معلنًا: يا سيدي أين الرغيف واللبن؟ وأين تأمين السكن؟ وأين صاحبي حسن؟ وأين أنا غدًا…؟ انتهت القصيدة، وقد دلت على أن كل مظلوم قد يعيش بيأس ويموت بصمت. في عالمنا الكبير يُسحق الصغير، والغني يحتقر الفقير، وحالنا قد لُخّص بقصيدة تأتي بجزء صغير من حياة لا تعرف معنى للرحمة.