تعلمون ما هو أسوأ شعور يمكن أن يعيشه الإنسان؟ ذلك الشعور الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ في الداخل كفراغٍ واسعٍ لا نهاية له… هل جرّبت يومًا أن تجلس في مكانك، بينما العالم كلّه يتحرّك خارج حدودك، وأنت لا تعلم عنه شيئًا؟ هل جرّبت أن تُنتزع منك صلتك بالعالم بغير إرادتك، فتشعر أنك خارج الزمن، وخارج الأخبار، وخارج الحياة نفسها؟
دعوني أنقلكم إلى تلك الفترة من حياتي… حين كنت نازحة للمرة التاسعة، من الشيخ رضوان تحديدًا إلى الزوايدة. كانت مرحلة ثقيلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مثلها مثل كل ما سبقها، لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف… كان هناك انقطاع كامل للإنترنت. كنا نعيش حصارًا بكل تفاصيله: صوتًا، وخوفًا، وتنقّلًا، وعدم استقرار. لكن ما كان يُرهقني أكثر من كل شيء، هو ذلك الفراغ الرقمي الذي جعل العالم يبدو بعيدًا جدًا، وكأنه اختفى.
كان كل ما يشغلني شيئًا واحدًا فقط: أن ننجو… أن نخرج بسلام. كنت أردد في داخلي: لا أريد شيئًا… لا أحتاج شيئًا… فقط أن نصل إلى برّ الأمان. وإن تحقق ذلك، فهو أعظم إنجاز يمكن أن أعيشه في تلك اللحظة.
في بداية تلك المرحلة، كنت في عطلة الصيف بين الصف التاسع والعاشر. أي إنني كنت أقف على عتبة سنة دراسية جديدة، سنة مهمة، يُفترض أن أبدأها بخطوات ثابتة وطموحات واضحة. لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. كنا نعيش حالة من التوتر المستمر: إلى أين سنذهب؟ متى سننتقل؟ كيف ستكون الخطوة القادمة؟ أسئلة كثيرة كانت تدور في الرأس، دون أي إجابة واضحة.
وكان السؤال الذي يطغى على كل شيء: كيف سأبدأ دراستي؟ وكيف سأحصل على الإنترنت؟ كنت أفكر كثيرًا في المستقبل القريب الذي لا نملك عنه أي يقين، بينما الوقت يقترب من بداية المدرسة، ونحن ما زلنا في مكان لا يعرف الاستقرار. ثم فجأة، تسارعت الأحداث بشكل مخيف… واضطررنا إلى الهرب بسرعة لا يمكن وصفها، وكأن الوقت لا يسمح حتى بالتفكير.
في تلك اللحظة، اختفت كل الأسئلة من رأسي. لم يعد الإنترنت مهمًا، ولم تعد الدراسة أولوية. كان كل ما يشغلني شيئًا واحدًا فقط: أن ننجو… أن نخرج بسلام. كنت أردد في داخلي: لا أريد شيئًا… لا أحتاج شيئًا… فقط أن نصل إلى برّ الأمان. وإن تحقق ذلك، فهو أعظم إنجاز يمكن أن أعيشه في تلك اللحظة. ومن شدة الموقف، كان العقل يتصرف بطريقة غريبة… يرسم احتمالات، ويخترع سيناريوهات، وكأنه يحاول أن يفهم ما لا يمكن فهمه.
اقرأ أيضًا: حين تُهدم المدارس وتُهجَّر الأحلام… شهادة طفل من غزة
وبعد أن خرجنا من تلك اللحظات القاسية، بدأت مرحلة أخرى من الضغط… أسئلة جديدة بدأت تلاحقنا: كيف ستبدأ زميلاتي الدراسة؟ أين وصلن؟ ماذا فاتني؟ وكيف سأعوّض كل ما ضاع؟ أما أنا، فكنت غارقة في سؤال واحد لا يغادرني: كيف سأبدأ من جديد وأنا أشعر أن كل شيء انقطع فجأة؟ وفي الوقت نفسه، كنا نحاول أن نرتّب حياتنا من جديد، أن نجد مكانًا نلجأ إليه، أن نحمل ما تبقى من أمتعتنا، وأن نعيد ترتيب يومنا من وسط الفوضى…
وكل ذلك يحدث تحت أصوات القصف، والدمار، والخوف الذي لا يهدأ. لو استمر هذا الوضع أكثر، أشعر أن أعصابي كانت ستنهار فعلًا. فالفكرة ليست فقط في النزوح… بل في ذلك التداخل القاسي بين الحياة اليومية والخوف المستمر. أن يكون لديك واجبات، ودراسة، وخطط، وأحلام تعتمد على الإنترنت… ثم يُقطع الإنترنت تمامًا… هذا ليس مجرد انقطاع خدمة، بل هو انقطاع جزء من حياتك. تشعر حينها أنك معزول، لا تعرف شيئًا عمّا يحدث خارج محيطك، وكأن العالم أغلق أبوابه في وجهك.
وكنا نحن في ذلك الوقت مشتتين. العائلات متفرقة، والأصدقاء في أماكن مختلفة، كل مجموعة في جهة، وكل شخص يحاول أن ينجو بطريقته. بعضهم سافر، وبعضهم بقي في مناطق أخرى، وبعضهم فقدنا أخبارهم تمامًا. كنا نحاول أن نطمئن على بعضنا عبر الإنترنت عندما كان متوفرًا، لكن عندما انقطع، دخلنا في حالة من القلق المستمر… لا أخبار، لا رسائل، لا طمأنينة.
كان كل ما نملكه هو الدعاء… فقط الدعاء. وكان السؤال الأثقل: هل هم بخير؟ هل وصلوا؟ هل ما زالوا أحياء؟ وإلى الآن، ما زلنا نعيش فترات يتكرر فيها هذا الانقطاع، وما زال الشعور نفسه يعود… نفس القلق، ونفس الغياب، ونفس الفراغ. ومع كل ذلك، نحن نعيش مع الله، في كل لحظة، وفي كل حال. ولو أردت أن أصف كل ما مررنا به، فلن تكفيني حياة كاملة، ولا صفحات كثيرة. لأن بعض التجارب لا تُروى بسهولة… بل تُحمل في القلب فقط.
ومع ذلك، تبقى هناك غصّة لا تختفي… شعور عالق، مؤلم، ينتظر أن يهدأ يومًا ما. واعلموا جيدًا، أننا ما دمنا هنا، في أرض الصمود، فستبقى هناك عوائق كثيرة… ليس فقط في الإنترنت، بل في كل تفاصيل الحياة. لكن ما لا يفهمه البعض، أن قطع الإنترنت لا يوقفنا… ولا يسكت صوتنا… ولا يلغي وجودنا.
يظنون أن الحياة تتوقف عندما ينقطع الاتصال… لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فنحن مستمرون… نكتب، ونرسم، ونحلم، ونخطط… رغم كل شيء. وصوتنا سيصل، مهما حاولوا إخفاءه. نحن لا نتوقف… لأن التوقف ليس خيارنا. ومن قلبي الفلسطيني أقول: مهما اشتدت الظروف، نحن مستمرون، وسنبقى مستمرين بإذن الله، أقوى مما يتوقعون.

