السيدة أم محمد سبأ عليوي، زوجة أسير وأم لسبعة أولاد، هي حكاية زوجة صابرة محتسبة، حكاية لا تختزلها كلمات جامدة، ففي قلبها ألم وحزن لا يدرك عمقهما إلا من ذاق مرارة الانتظار. رغم كل ذلك، تحاول ما استطاعت أن تخفي ألمها وما تقاسيه كل ليلة، فما إن تهمّ إلى فراشها حتى تتزاحم الأفكار وتراودها الأسئلة عن زوجها الأسير ومستقبل أبنائها. وفي الصباح، يتوجب عليها أن تظهر أمام أبنائها بالأم القوية، الحكيمة، الثابتة، أمام أولادها السبعة الذين تركهم والدهم أمانة في عنقها؛ فهم يرون فيها الأم والأب والسند والمعيل.
هي زوجة الأسير أمجد عادل عليوي، من مدينة نابلس، وأم لسبعة أولاد، خمس إناث وذكرين: أكبرهم مريم، 30 عامًا، ومرام، 29 عامًا، وآية، 28 عامًا، وشيماء، 26 عامًا، ومحمد، 23 عامًا، وتسنيم، 20 عامًا، ونور الدين، 15 عامًا.
مطاردًا ثم أسيرًا بالمؤبد

6 أكتوبر 2015، تاريخ قلب موازين العائلة وتبدلت معه أحوالها، وسط أجواء من القلق والترقب التي رافقت اعتقال الزوج، وتركت العائلة في مواجهة غيابه. في ذلك اليوم، انتزع الاحتلال أمجد وألقى به في غياهب الأسر، لتبدأ العائلة رحلة جديدة عنوانها الانتظار والاحتساب. وكانت قوات الاحتلال قد اقتحمت منزل العائلة قبل اعتقال عليوي، في اقتحام وصفته أم محمد بالوحشي.
تقول أم محمد: “استفاقت على أصوات وحركة غريبة في محيط المنزل، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى بدأ الجنود بالطرق على باب المنزل. ذهبت ابنتي البكر مريم لتفتح الباب، وما إن اقتربت حتى وضعوا جهاز تفجير على الباب. وبقوة الله دفعت ابنتي بعيدًا عن الباب عند سماعي للصوت، لأني علمت بأنه جهاز تفجير. وما بين دفعي لها والتفجير كانت ثوانٍ، ولكن إرادة الله وقوته ولطفه حمتنا”.
تفاصيل مرعبة عاشتها الأم والعائلة في ذلك اليوم؛ فعقب تفجير باب المنزل، اقتحم عشرات الجنود المدججين بالأسلحة المنزل برفقة الكلاب، وتعمدوا بث الرعب في نفوس أفراد العائلة، وأدخلوا الكلاب على أولادها وهم نائمون، ليستيقظوا مذعورين. وفي الوقت الذي كان فيه الأطفال في حالة من الخوف والبكاء، منع الجنود الأم من الذهاب إليهم، بينما بدأوا بتوجيه أسئلتهم إليها. إلا أنها رفضت الإجابة قبل التأكد من سلامة أولادها وخروج الكلاب من المنزل، ليبدأ التحقيق معها لاحقًا.
أفراح منقوصة

أجواء من القلق والخوف عاشها سكان العمارة أيضًا، خلال الاقتحام الذي استمر لبضع ساعات، وتخللته مداهمة المنازل بطريقة همجية، وتخريب محتوياتها، والتنكيل بأصحابها، قبل أن يتم احتجازهم في غرفة واحدة بمنزل الأسير وإخضاعهم للتحقيق. وهدد الجنود أم محمد بهدم العمارة السكنية بأكملها واعتقال جميع المحجوزين في المنزل، وتوعدوها بأن يأتوا بالأسير أمجد، قائلين: “رح أجبلك إياه مخزق بالرصاص إذا ما سلم حاله”، وأمهلوها بضع ساعات لتسليم نفسه.
تكمل أم محمد حديثها، وفي عينيها مزيج من الشوق والألم، وكأن كل كلمة تنطق بها تستحضر غيابًا طال انتظاره: “بعد مرور وقت جاء أمجد إلى المنزل وودعنا، وعندما سألناه عن سبب اعتقاله لم يجب، واكتفى بأن اعتقاله سيكون بالمؤبد. وهنا كانت الصدمة والصاعقة للجميع، وعمّ المكان الصمت. أذكر حينها عندما سمعت ابنتي أباها يقول بالمؤبد، رفضت أن يسلم نفسه. فضحك أمجد وسألها: يعني استشهد؟ ما كان جوابها إلا أن تقول: نعم، استشهد أفضل لك من عذاب السجن كل يوم. فتبسم أمجد، ولاحقًا سلم نفسه على حاجز حوارة”.
اقرأ أيضًا: ابن ورث اسم أبيه.. واحتفظ بحكاية أب لم يلتقيه
ترك اعتقال أمجد أثرًا بالغًا في عائلته وأطفاله، ولا سيما أصغرهم، الذي لم يتجاوز عامين حين اعتُقل والده. ومع غيابه القسري، وجدت زوجته نفسها أمام مسؤولية مضاعفة، إذ اضطرت إلى أداء دور الأم والأب معًا، وتحمل مسؤولية تربية أبنائها ورعايتهم في ظل غياب زوجها. بعد مرور عام من الأسر والتحقيق، أصدرت محاكم الاحتلال حكمًا بالسجن المؤبد مرتين و30 عامًا، بتهمة مسؤوليته عن تنفيذ عملية إيتمار، من تخطيط وتدريب للمجموعة، والتي أسفرت عن مقتل مستوطن ومستوطنة على الطريق ما بين مستوطنتي “إيتمار” و”ألون موريه”، قرب بلدة بيت فوريك شرق نابلس.
لم يكتفِ الاحتلال بالحكم، الذي شكّل فاجعة للعائلة بعدما بالكاد أتيحت لها فرصة العيش مع أمجد في ظل توالي اعتقالاته، بل عمد إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بالأسير وعائلته، في إطار سياسة العقاب الجماعي. ففي 10 أكتوبر 2016، فجّرت قوات الاحتلال منزل العائلة، ليدفن الانفجار معه ذكرياتهم ومكانًا آواهم طوال سنوات، وجمعهم بوالدهم أمجد.
أمل بالحرية

خلال فترة اعتقال الأسير أمجد، تزوجت أربع من بناته. تقول أم محمد: “كنت أتمنى يكون أبوهن معنا، وهو اللي يطلعهن لأزواجهن. كان الحزن يغمرنا أكثر من الفرحة نفسها، حتى بالأعياد وغيرها من المناسبات، ولكن سنة الله وقدره، ويقيننا بالله والأمل بأن فرج الله قريب”. وسبق أن تجرعت العائلة مرارة الباب الدوار، باعتقاله لدى قوات الاحتلال وأجهزة السلطة الفلسطينية، فلم يكد يخرج من اعتقال حتى يُعاد اعتقاله، فتراوحت مجموع سنوات اعتقاله نحو اثني عشر عامًا.
تخشى العائلة على أمجد، ولا سيما بعد أن علمت من خلال المحامي بتدهور وضعه الصحي، نتيجة معاناته من أعراض مرض الجرب (السكابيوس)، وما يرافقه من آلام، إلى جانب إصابته بالضغط والسكري، ما دفعه إلى المطالبة بالدواء لتخفيف ألمه وعلاج حالته. كما تزداد مخاوف العائلة مع وصول وزنه إلى 45 كيلوغرامًا نتيجة سوء التغذية، في وقت تفرض فيه إدارة سجون الاحتلال سياسات تعسفية من تنكيل وتجويع وإهمال طبي متعمد، إضافة إلى رفضها توفير العلاج اللازم له.
وما خفف من وطأة الأخبار، وأدخل الفرح إلى العائلة قليلًا، إتمام أمجد حفظ كتاب الله غيبًا، ولا يزال أمله بالله وتفاؤله عاليين رغم ما يمر به. على حب الوطن والجهاد في سبيل الله نشأ الأسير أمجد عليوي، 54 عامًا، ابن مدينة نابلس. ومنذ الصغر اتسم بقوة الشخصية والشجاعة والحنكة والصدق.
تضيف العائلة: “أمجد وفيّ، رجل ثابت على مبادئه وحبه الشديد للوطن، لا يقبل الظلم على أحد، ويحب فعل الخير، حنون مع أولاده وكريم”. وتختتم العائلة حديثها قائلة: “يقيننا والأمل بالله يجعلنا صابرين محتسبين، راضين بما قسمه الله لنا، نؤمن بقول رسولنا الكريم بأن أمر المؤمن كله خير”.

