بنفسج

محمود حمدان.. صادق العهد وقائد الميدان.. شهيد الصفوف الأولى

الخميس 10 سبتمبر

القيادي محمود حمدان
القيادي محمود حمدان

"يلا ديري بالك على الولاد.. أنا رايح"… غادر البيت وهو ينظر إليها نظرة لم تفهمها وقتها، ولو دققت فيها لعرفت يقينًا أنها كانت نظرة الوداع. اندلعت الحرب، وعلمت أن زوجها ربما ذهب ولن يعود. ليلًا رن هاتف البيت الأرضي، وإذ بصوته يطير من الفرح، يقول: "شفتي؟ أنا بجهّز لليوم من سنتين ومستني اللحظة". ثم أغلق الاتصال، وبقي غائبًا، يتصل كلما سنحت له الفرصة ليطمئن عليها، إلى أن رحل الرجل المقدام، مقبلًا غير مدبر.

ما وصلها لاحقًا أنه كان يقاتل في الميدان، وبصفته المسؤول عن المجموعة، كان يجب أن يكون آخر من يغادر المنطقة. أطلق صاروخه، وبينما كان يهم بالنزول، باغته الاحتلال بصواريخ متتالية، ومن شدة قوتها طار جسده بعيدًا، لكن شباب المقاومة لم يتركوا جثمان قائدهم، بل غامروا بحياتهم من أجل أن يكرموه بدفن يليق به.

هنا تحكي زوجة المقاوم محمود حمدان، قائد كتيبة تل السلطان في رفح، عن زوجها الذي وصفته بالبطل المشتبك في ميادين القتال، وعن لحظاته الأخيرة، وكيف وصلها خبر استشهاده، وعن أطفاله الذين ينادون اسمه كل ليلة.

لحظات ما قبل المغادرة

كتيبة تل السلطان.jpg

قبل يوم من اندلاع الحرب، كانت تصرفاته تدلل على أنه يودعها حقًا. كانا سيذهبان في نزهة إلى شاطئ البحر برفقة الأطفال. أنهت بعض الأعمال المنزلية، بينما كان يجلس قبالتها يحدق بها، وكأنه يود قول شيء ما. فسألته بابتسامة: "مالك ليش بتطلع فيّ هالقد؟"، فرد: "اليوم أجمل مرة بشوفك فيها". ثم صار ينتقل ببصره بيني وبين أولادنا. فجأة دق باب البيت، وإذ بشاب يدخل، لا تعرف ماذا قال له، ثم غادر".

تقول: "ناداني بعدها وأخبرني أنه عليّ تسجيل ديوننا، فسجلتها وجمعتها معًا. ثم أخبرته أنني رأيت في المنام أنه سيستشهد، وقلت في نفسي إنه لا يؤمن بالأحلام ولن يناقشني، وإذا به يلتفت نحوي بكامل تركيزه ويسألني عن تفاصيل الرؤية بدقة، التي حدثت لاحقًا كما هي. ثم غادر تاركًا هاتفه وساعته وسيارته، وأخذ سلاحه فقط".

في اليوم التالي، استيقظت إسراء كأهل غزة على حدث السابع من أكتوبر. لم تكن تعلم شيئًا، وحاولت التواصل مع زوجها، وفجأة رن الهاتف الأرضي، وإذا بصوته فرحًا يقول: "شفتي الشباب؟ اطلعي على السطح، كبّري إنتِ والولاد". سألته: "كنت عارف؟!". فقال: "إلي سنتين بستنى وبجهز لليوم هاد، كيف ما حسيتي عليّ؟". وبعد ساعات من السابع من أكتوبر، وصلها خبر استشهاد شقيقها بكر، وتبعه شقيقها الثاني محمد، ثم الثالث، الذي كان برفقة زوجها يقاتل في خانيونس.

صباح 7 أكتوبر

7 أكتوبر.jpg

تضيف: "حدثني أحد الشباب أنه كان يجلس بين أشجار البرتقال في منطقة القرارة، شرق خان يونس، ويقول للشباب بكل ثبات وطمأنينة: "دعوا اليهود يتقدمون، وليطمئنوا إلى أنه لا أحد في المكان، ثم نهاجمهم”. كان يتحدث بهذه الكلمات بهدوء وثبات، كالقائد المحنّك الفذ. وعندما كان يستشهد أحد شبانه، كان يرسل بعضهم لاستعادة جثمان الشهيد والقاذف الذي كان بحوزته، نظرًا إلى قلة العُدّة والعتاد».

تكمل: "كان قد ودّع معظم شبانه، وعلى الرغم من حزنه الشديد عليهم، فإنه كان يقول: لا وقت للحزن. حتى إن شقيقي الثالث استشهد أمامه بعد ضربه ناقلة جند، فتم قنصه، فأمر الشباب بسحب جثمانه والقاذف الذي كان بحوزته، وبعد ذلك سلموه أشياءه الخاصة، ليبكي وقتها بكاءً شديدًا حزنًا عليه».

كانت المكالمة الأخيرة بين إسراء وزوجها مريرة. طلبت منه الحضور لتراه، لكنه أجابها بعدم قدرته على ترك الميدان، وقال: "إلكم الله، إنتِ والأولاد". حينها علمت أنه لا رجعة له من هناك، ثم بدأ اجتياح خانيونس، وتحديدًا القرارة، وانقطع الاتصال تمامًا.

وترجل الرجل المقدام

الشهداء.jpg

في 13 فبراير/شباط 2024، أخبرها حدسها أن مكروهًا أصاب زوجها، لكنها حاولت السيطرة على مشاعرها. وبعد خمسة أيام، جاء الخبر. تقول: "سمعت الصراخ من الخارج، ثم رأيت ابني الأكبر يبكي ويقول: أبوي، أبوي. خرجت، فإذا بالجميع يصرخون ويبكون، وأنا واقفة عاجزة عن الكلام والحركة، وكأن العالم توقف من حولي. رأيت ابنتي الصغيرة سلمى، ذات العام والعشرة أشهر، تنظر إلى المشهد برعب، وأردت أن أطمئنها، لكنني لم أستطع حتى تحريك يدي. في تلك اللحظة أُغمي عليّ، ولم أستيقظ إلا بعد ثلاثة أيام".

وفيما يتعلق بطريقة استشهاده، فحسبما وصل إلى زوجته من رفاقه الذين كانوا معه في الميدان، تروي: "ضرب آلية إسرائيلية، ثم حدّد الطيران مكان الضربة، وبدأ بالدوران حول الموقع استعدادًا لقصفه. كان برفقته خمسة شبان، تمكّن اثنان منهم من النزول إلى النفق، بينما بقي هو، بصفته قائدهم، ليؤمّن لهم الطريق ويكون آخر من ينزل. لكن صواريخ الاحتلال كانت أسرع من فطنته وحنكته؛ إذ باغتتهم بحزام ناري حول المكان، لمنعهم من الخروج. وتناثر جثمانه بعيدًا عن موقع القصف، وظل رفاقه يبحثون عنه عشرة أيام حتى عثروا عليه ودفنوه".


اقرأ أيضًابين الركام: تفتت "لحم" طِفْلَيَّ وغابت أجسادهم


تستذكر إسراء آخر الذكريات مع زوجها التي لم تنسها: "في آخر سنة من حياتنا معًا، لم يكن يمر أسبوع إلا ونخرج في نزهة. وكان من أجمل عاداتنا أن نذهب ليلًا إلى البحر ونشرب القهوة. فقد كان حريصًا على أن يكون لنا وقتنا وحياتنا الخاصة بعيدًا عن العمل. وكان شديد الحرص على أن أكمل تعليمي، حتى إنه دخل معي الجامعة لنكون زميلي دراسة. وفي يوم تخرجي، ورغم ظروف عمله ووضعه الأمني، شعر بحزني لأنني تمنيت أن يُنادى اسمي واسمه معًا، فآثر مشاركتي فرحتي. وأجّلوا أسماءنا إلى نهاية الحفل، لنُنادى معًا: الخريجان الزوجان إسراء ومحمود حمدان".

أبناء الرجل المقدام

المقاومة.jpg

دامت علاقة الزوجين 16 عامًا من الحب والود، عاشا خلالها مواقف صعبة وأخرى سعيدة، ورُزقا بأربعة أبناء: أحمد، وليان، وحمزة، وسلمى. وكانت سلمى أكثر أبنائهما قربًا إلى قلبه، فقد طالما تمنى مجيئها، إذ وُلدت بعد ثماني سنوات من أخيها الأكبر، وكان شديد التعلق بها، حتى أسماها «سلمى الحب». لكنه لم يمهله القدر طويلًا ليفرح بها، ولم تستطع هي أن تبني معه ذكريات كثيرة، فقد كان عمرها حين غادرهم عامًا وأربعة أشهر فقط.

تقول إسراء: "سلمى هي أكثر من يسأل عنه اليوم. إخوتها الكبار يدركون ويفهمون، فيتجنبون الحديث عن أبيهم ويخفون دموعهم عني، أما هي فتراه في أحلامها وتخبرني عنه، رغم أنها لا تعرفه إلا من خلال الصور ومقاطع الجوال.


اقرأ أيضًا: مديرة الشرطة النسائية: لهذا اغتال الاحتلال المقدم "فاتنة السحار"


هي لا تتذكره، لكنها تحاول أن تصنع لنفسها ذكريات معه، وتحبه بشدة وتفتقده كثيرًا. تبكيه، وتشتكي له مني حين أنفعل عليها أو أوبخها، وهي مقتنعة تمامًا بأنه يبني لنا قصرًا ويخبئ لها فيه الحلوى والألعاب". تضيف: "كانت أحلامنا كثيرة، وكنا نتحدث طويلًا عن المستقبل، عن يوم ظهور نتائج التوجيهي لابننا البكر أحمد، وكيف سنستعد لذلك اليوم، وعن اليوم الذي سنزوجه فيه.

وكان دائمًا يُلح عليّ أن أتعلم القيادة، حتى يشتري لي سيارة تسهّل حركتي مع الأولاد، خاصة أن اثنين منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. وهذا أمر لم أتحدث عنه كثيرًا؛ لأنه بوجوده لم أشعر يومًا أن شيئًا صعب أو فوق طاقتنا".

تختم حديثها: "مشاعر الفقد مؤلمة، تزداد وتكبر كل يوم، وتأكل من قلوبنا وأرواحنا شيئًا فشيئًا. أكبر كذبة أخبرونا بها أن حزن الموت يبدأ كبيرًا ثم يصغر… بل على العكس، هو يكبر ويكبر مع كل لحظة، ويُهلكنا، ويأخذ من طاقتنا، ويزيد الشوق والحنين، ويُرهقنا أكثر مع كل موقف، سواء كان مفرحًا أو مؤلمًا.. لكن الحمد لله دائمًا وأبدًا".