يبقى اعتقال المرأة ذا خصوصية؛ فغيابها لا يُقاس بالفترة التي تقضيها خارج المنزل فقط، بل بما يتركه من فراغ وأثر نفسي في منزل اعتاد أفراده وجودها، وصوتها، وحنانها. وهذا بالفعل ما يعيشه أبناء وزوج الأسيرة منار إبراهيم كمال إبراهيم، “28 عامًا”، من مدينة رام الله، مع العلم بأنها حامل في شهرها الرابع.
راضٍ بقضاء الله، رغم ما يعتصر قلبه من حزن، أبدى مصعب زلوم مدى اشتياقه وطفليه أيمن وليلى لمنار، وأثر اعتقالها على تفاصيل حياتهم، مضيفًا: “لا شك بأن اعتقال الأم يترك آثارًا قاسية على طبيعة حياة باقي العائلة، فهي الأم والأخت والساعية لراحة العائلة، ومنذ اعتقالها تركنا العيش في منزلنا القديم، واضطررنا للسكن عند أهلي لتوفير الرعاية اللازمة للأطفال”.
اقتحام واعتقال

يصف مصعب يوم اعتقال زوجته، في تاريخ 29/4/2026، والتي لا تزال موقوفة حتى اللحظة، بالقول: “الساعة 3 فجرًا، اقتحم مجموعة جنود المنزل وكسروا الباب، وعزلوا أم أيمن في غرفة منفصلة قبل اقتيادها إلى الاعتقال، كما تم اعتقالي وترك الأطفال لوحدهم في المنزل قبل أن يُفرج عني لاحقًا”.
ومن أكثر المواقف التي تركت أثرًا بالغًا في نفس مصعب، يقول: “ما بنسى بكاءها المتواصل في المحكمة، وأيضًا سؤالها عن أولادها بكل فرصة زيارة محامٍ”. لم يقف الابتلاء عند حدود اعتقالها، بل امتدّ وجعه وهي تحمل في أحشائها جنينًا، فهي في الشهر الخامس، ولعلنا ندرك مدى الخصوصية التي تمر فيها المرأة، خاصة في شهورها الأولى، إذ تحتاج إلى رعاية خاصة ومراجعات وفحوصات دورية.
اقرأ أيضًا: الأسيرة فردوس طناطرة: معتقلة على كرسيها المتحرك
لكن منار، محرومة من أدنى احتياجاتها الشخصية حتى، حالها كحال نحو تسعين أسيرة فلسطينية يعانين مرارة الاعتقال في سجن الدامون، في ظروف غاية في التعقيد. كم يؤلم مصعب زلوم، الأسير المحرر الذي عاش قسوة السجن، أن يرى زوجته تعيش تلك المعاناة وهي تحمل جنينها، بين يدي سجان لا يعبأ بإنسانية الأسير، لكنه يدرك أن الابتلاءات تمتحن الصبر، فما كان منه إلا أن يحمد الله، ويرجو فك كرب زوجته وعودتها إليهم سالمة.
بتضل تبكي بالمحكمة

وعن أيمن وليلى، فلا يكفّان عن السؤال عن والدتهما وموعد عودتها، ولم تغب عن تفاصيل حياتهما اليومية وذكرها في مواقف مختلفة، فيما تخفف محبة الأهل واحتضانهم لهما من وطأة غيابها القسري. النوم والطعام والماء وكل شيء قد يخطر في البال مرهون بمزاجية السجان وقرارات الإدارة، أما عدم الانصياع للأوامر، فيعني وقوع الأسيرة في المحظور، إذ تعاقب بالعزل أو الضرب والتنكيل.
“معدتي تؤلمني، أشعر بالغثيان، أتوحم على نوع فاكهة، مزاجي معكر، لا أعرف لماذا أبكي”. لا شك أن منار قالت تلك الجمل مرارًا، ومما لا شك فيه أيضًا أن الأسيرات يحاولن، على قدر استطاعتهن، مد يد العون لها ومساعدتها.
وسط انقطاع الاتصال وشح الأخبار، يتعاظم قلق العائلة على منار، خصوصًا في ظل ظروف الاعتقال القاسية التي تعيشها الأسيرات، من قمعات متتالية وتنكيل وضرب وإهانة، إلى التجويع ومنع “الفورة” ونقص الملابس وشح أدوات النظافة، والتي أدت إلى إصابة منار وعدد من الأسيرات بمرض الجرب “السكابيوس”.
طفلين بانتظار ماما

مكتب إعلام الأسرى أكد عدم خضوع الأسيرة منار لأي فحص لمتابعة حملها منذ الـ8 من تموز/يوليو الماضي، رغم معاناتها منذ أكثر من شهرين من حكة شديدة وآثار جلدية. وأشار إلى أن وزن الأسيرة انخفض من 60 كيلوغرامًا إلى 54 كيلوغرامًا بعد اعتقالها، قبل أن يصل حاليًا إلى 57 كيلوغرامًا، في ظل سوء نوعية الطعام وافتقاره إلى العناصر الغذائية اللازمة للحوامل.
كما أكدت مؤسسات الأسرى أن الأسيرات الحوامل لسن بمنأى عن صنوف التعذيب والقمع الممنهج والتفتيش المهين وإهمال أوضاعهن. من جهته، طالب مصعب بضرورة تحرك عاجل من مؤسسات الأسرى والمؤسسات الحقوقية والطبية، من أجل إنهاء معاناة زوجته والأسيرات الحوامل خاصة، والأسيرات بشكل عام، والعمل على الإفراج عنهن، خاصة في ظل استمرار حالة الطوارئ داخل السجون، وفرض قيود مشددة على زيارات المحامين، ومنع الأهالي من الزيارة، واستمرار السياسات القمعية.
حامل خلف القضبان

لعلنا نتخيل حجم معاناة منار، كونها أسيرة وحاملًا، مع ظروف تفوق الوصف من شدة قسوة ما تتعرض له. فالسجن كالقبر بحسب شهادات الأسيرات؛ كل شيء تحت تصرف الاحتلال، فالطعام عينات، ناهيك عن سوء طهيه وتقديمه، أما وقت الاستحمام و”الفورة” فهو محدد وقليل، ومكان النوم أشبه بالقبر، والمساحة للأسيرة ضيقة نتيجة اكتظاظ أعداد الأسيرات وشح الأسرّة.
جدران السجن قاتمة والرطوبة عالية، وأدوات العناية الشخصية للمرأة مقننة، إلى جانب القمعات المتواصلة وما يتبعها من إيذاء متعمد وإذلال مهين للأسيرات، والتنكيل المستمر وانقطاع تام عن العالم الخارجي.

