بنفسج

حين غادرت الطيور اللوحة

السبت 05 سبتمبر

الواقع المعيشي في غزة
الواقع المعيشي في غزة

لا أحد يستطيع أن يحدد اليوم الذي غادرت فيه الطيور اللوحة، لم يحدث ذلك مرةً واحدة. فالرسومات لم تستيقظ صباحًا لتجد السماء خالية، ولم يقرر الفنانون أن يستبدلوا الأجنحة بالخيام. حدث الأمر ببطء، كما يحدث كل شيء في الحروب؛ يومًا بعد يوم، ولوحةً بعد أخرى، حتى بدا الغياب طبيعيًا إلى الحد الذي لم يعد يلفت الانتباه.

في أعمال كثيرة أُنجزت قبل الحرب، كانت الطيور تعبر السماء بخفة. لم تكن بطلة المشهد، بل كانت تمنحه اتساعًا. تمر فوق البحر، وتدور حول المآذن، وتحط على الأغصان، ثم تغادر الإطار، تاركةً شعورًا بأن المدينة، رغم حصارها، لا تزال تتنفس، وفيها بعضٌ من الحياة.

اليوم، حين تتأمل لوحات رُسمت بعد الإبادة، ستبحث مطولًا عن الكثير من الرموز والمشاهد التي غابت، ولن تجدها في كثير من الأحيان. ستجد بدلًا منها خيامًا تمتد حتى آخر اللوحة، وسماءً تتوشح بالأحمر القاني، ممتزجًا بألوان اللهب، وأرضيةً رمادية، وأبوابًا فقدت بيوتها، وأعينًا لا تنظر إلى شيء بعينه، كأنها قطعت يومًا طويلًا ولم تصل بعد.

للوهلة الأولى، لا يبدو الأمر سوى تغير في موضوعات الرسم، لكن الوقوف قليلًا أمام هذه الأعمال يكشف أن ما تبدل أعمق من ذلك بكثير. فاللوحات لا تستبدل عناصرها كما يبدل الإنسان أثاث منزله، بل تتبدل بتغير وجه الحياة. وما كان يتقدم المشهد بالأمس، تراجع اليوم بصمت، ليترك مكانه لأشياء لم يكن أحد يتخيل أنها ستصبح يومًا جزءًا من اللغة أو الذاكرة البصرية لغزة.

كان البحر حاضرًا، وهو لا يظهر كاملًا في اللوحة؛ يكفي شريط أزرق عند الأفق، أو انعكاس ضوء على نافذة، ليمنح اللوحة إحساسًا بالاتساع. فالبحر ليس مجرد مكان، بل احتمالٌ مفتوح؛ الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الجدران أن تطوقه.

لكن الحرب غيّرت الأشياء الكامنة في الذاكرة. فحين يضع النازح خيمته على البحر، ويصبح البحر مكان إقامة دائمة، وماؤه موضعًا للاستحمام وغسل الأواني، يتراجع من اللوحة خطوةً خطوةً إلى أن يختفي؛ لأن العين لم تعد ترى الأزرق بالطريقة نفسها، بل صار رمزًا للهم والنزوح. فغيابه لم يعد فقدانًا، بقدر ما يبدو أن شيئًا آخر زاحمه على مكانه.


اقرأ أيضًا: مدينة على قدميها.. تمشى بخطى مثقلة


وهكذا بدأت أشياء لم تكن إلا عابرة تتقدم إلى قلب المشهد: بطانية منشورة على حبل بين وتدي خيمة، وجالون ماء يحمله طفلٌ صغير، ومدارس تكتظ بالنساء والرجال المنهكين، وبيوتٌ مهدمة وركام، وبابٌ خُلِع من بيت، ثم عاد في لوحة أخرى ليصبح أمانًا للخيمة. هذه الأشياء لم تدخل الفن لأنها تحمل قيمة جمالية استثنائية، بل لأنها أصبحت تفاصيل اليوم العادي. والفن، في النهاية، لا يلتقط الأجمل دائمًا، بل ما يترك أثره في العين قبل أن يتركه في القلب.

لهذا، لا تبدو التحولات التي أصابت الفن في غزة تبدلًا في الذائقة الفنية، بقدر ما تبدو تبدلًا في الحياة نفسها. فالفنان لا يبدأ لوحته بسؤال: أي الرموز سأرسم؟ بل يبدأها بما يراه حين يفتح عينيه كل صباح. ومنذ أن تغير صباح المدينة، أخذت اللوحات تتغير معه. لم يكن البحر وحده من تراجع إلى الخلف. حتى شجرة الزيتون، التي ظلت طويلًا واحدةً من أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة الفلسطينية، بدأت تظهر بطريقة مختلفة.

في اللوحات القديمة، كانت الشجرة تقف بثباتها المعروف، جذورها ضاربةٌ في الأرض، وأغصانها تمتد بهدوء. كانت تختصر معنى البقاء دون حاجة إلى شرحه؛ شجرة تعرف أصحابها، وأرض تحفظ أسماء من مروا عليها. لكن الحرب حولت مركز النظر. لم تعد العين تتوقف عند الشجرة فقط، بل عند ما يحدث تحت ظلها، أو بجانبها، أو في المكان الذي كان يفترض أن تكون فيه. اقتُلعت الشجرة؛ لتصبح وقودًا للنار.

في اللوحات القديمة، كانت الشجرة تقف بثباتها المعروف، جذورها ضاربةٌ في الأرض، وأغصانها تمتد بهدوء. كانت تختصر معنى البقاء دون حاجة إلى شرحه؛ شجرة تعرف أصحابها، وأرض تحفظ أسماء من مروا عليها. لكن الحرب حولت مركز النظر. لم تعد العين تتوقف عند الشجرة فقط، بل عند ما يحدث تحت ظلها، أو بجانبها، أو في المكان الذي كان يفترض أن تكون فيه. اقتُلعت الشجرة؛ لتصبح وقودًا للنار.

أما الإنسان، فأصبح هو التفصيل الأكثر هشاشة في المشهد، يمضي أيامه في الركض خلف الطعام أو الشراب، أو هربًا من موت يركض وراءه. أصبحت الخيمة أحد أكثر الرموز حضورًا في الفن الغزي الجديد. لم تدخل الخيمة اللوحة باعتبارها شكلًا هندسيًا أو خلفيةً لمشهد، بل دخلت بما تحمله من حياة كاملة.

خلف قماشها الرقيق تختبئ تفاصيل لا تظهر من بعيد؛ امرأة ترتب أشياءها القليلة داخل خيمة، وطفل يتقلب داخل الخيمة من حرارتها وعثّها، وأب يحاول أن يمد يديه حول الخيمة كي يحميها من رياح الخريف ومطر الشتاء. لطالما ارتبطت الخيمة في الذاكرة الفلسطينية بالنكبة، لكنها في غزة اليوم اكتسبت معنى أكثر تعقيدًا. فلم تعد مجرد محطة مؤقتة في طريق العودة، بل صارت مكانًا يحاول الإنسان أن يصنع داخله شيئًا يشبه الحياة. وهذا ما يجعل حضورها في اللوحة مؤلمًا؛ لأنها صغيرة جدًا أمام حجم ما تحمله من أسى.

فهي تعني استمرار الألم والمعاناة، وعدم توقفهما. ومع تغير الأمكنة، تغيرت الوجوه أيضًا. فقبل الحرب، كانت الوجوه في كثير من الأعمال تنظر إلى الأمام، فيها شيء أو شعور يمكن فهمه أو لمسه: الحلم، أو الصمود، أو حتى الحزن والشوق، الذي يعرف طريقه إلى التعبير. أما في اللوحات التي خرجت من الإبادة، فكثيرٌ من الوجوه تبدو وكأنها تحمل مسافةً بينها وبين العالم. عيونٌ ذاهلة، ليست فارغة، بل ممتلئةٌ بأشياء كثيرة، ليس لديها القدرة على التحدث أو الشرح عما بداخلها.


اقرأ أيضًا: قالوا عني.. ناجيًا وحيدًا


ولهذا أصبحت النظرة أحيانًا أهم من الملامح، فلم يعد الفنان بحاجة إلى رسم كل التفاصيل، لأن التعب صار حاضرًا في الصمت، وفي انحناءة الرأس، وفي الطريقة التي يقف بها الجسد داخل مساحة اللوحة. حتى الألوان تغيّرت. لم يكن ذلك شيئًا اختياريًا؛ لأن الألوان نفسها مرت بالتجربة. فاليد التي اعتادت أن تمسك الفرشاة لترسم الأزرق والأخضر، صارت تمر على ألوان أخرى؛ لون التراب الذي اختلط بالجمر، ولون الجدران التي غُطيت بالرمادي، ولون السماء حين تختلط بالدخان.

ومع هذا الخليط العجيب، بقيت بعض الألوان تقاوم، تحاول أن تجد لها مكانًا، متنفسًا ومساحةً صغيرة لا يصل إليها الخراب. خط أخضر رفيع، وضوء يلمع سناه، وزهرةٌ نبتت وسط الحجارة والصلابة. كأن الفنان، وهو يرسم الفقد، يترك في اللوحة مكانًا لشيء يريد له الحدوث أو التحقق.

لهذا لا يمكن قراءة الفن الغزي بعد الحرب بوصفه مجرد توثيق للدمار. فاللوحات لا ترسم ما تهدم فقط، بل تعكس الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يبقى. هي لا ترسم الخيمة لأنها أجمل من البيت، ولا ترسم الركام لأنه يستحق أن يكون موضوعًا، بل لأنها تحمل أثر لحظة عاشها الناس، ولم يكن ممكنًا أن تمر دون أن تترك علامة.

الفن هنا لا يقف خارج التجربة ليفسرها، بل يدخل إليها ويحمل غبارها معه. وحين يعود الزائر إلى بداية المعرض، ويتذكر الطيور التي بحث عنها ولم يجدها، يدرك أنها لم تختفِ تمامًا. غادرت السماء التي اعتادت أن تحلق فيها، لكنها بقيت في مكان آخر؛ في مساحة الضوء التي تركها الفنان، على شجرة رسخت في الذاكرة، في طفل ما زال يرسم بيتًا له نافذة، وبحرٌ يتهادى فيه مركبُ صياد.

لربما تعود السماء يومًا إلى اتساعها الأول، والطيور إلى اللوحة. لن تكون هذه العودة إلى ما قبل الحرب، بل شهادةً على أن المدينة، رغم كل ما فقدته، استطاعت أن تحفظ شيئًا من صوتها.