بنفسج

بيان وبلال البرغوثي: زواج مؤجل بحكم المؤبد

الإثنين 21 سبتمبر

الأسير بلال البرغوثي
الأسير بلال البرغوثي

نتشبث بأحلامنا ونسعد بها ما استطعنا، ولعل إدراكنا أن كثيرًا منها لا يتحقق لأسباب مختلفة، يدفعنا إلى الغوص في الحلم والاستمتاع به، ورسم تفاصيله أكثر فأكثر. والزواج والارتباط جزء من تلك الأحلام؛ إذ تطمح كل فتاة إلى الارتباط برجل تقيّ، رضِيّ، حليم، لا يخاف في الله لومة لائم، وتحلم بمنزل بسيط وتكوين عائلة سعيدة.

إلى هنا، يبدو كل شيء منطقيًا، إلى أن قررت بيان البرغوثي أن تمنح حلمها مساحة خارج الصندوق؛ حلم آمنت به رغم تعقيداته وتبعاته، وتمسكت به حتى صار واقعًا. في هذا التقرير، نسرد حكاية الارتباط بأسير محكوم بالمؤبدات، وتفاصيل هذه الحكاية التي اختلط فيها الحب بالصبر، والأمل بالانتظار.

عروس لأسير محكوم بالمؤبد

عروس لأسير محكوم مؤبد.jpg

تنتظر بيان ذلك اليوم الذي ستعانق فيه حبيبًا وشريكًا، رجلًا ربطت اسمها باسمه، واختارت أن تهب عمرها في انتظاره، وإن طال الأمد. وحتى يتحقق ذلك الحلم، تحيا بيان عليه ولأجله، وكلها يقين وأمل بالله عز وجل.

لا شك أن قرار الارتباط بأسير محكوم بالمؤبدات ليس قرارًا سهلًا؛ فبيان تعلم جيدًا أن ارتباطها ببلال يعني ارتباطها برجل لن تستطيع لقاءه متى شاءت، ولن تتمكن من محادثته لساعات عبر الهاتف، وإنما سترتبط برجل تفصل بينها وبينه قضبان حديدية، وجدران إسمنتية محصّنة، وسنوات من الانتظار، يبقى مداها في علم الغيب.

رأت بيان في بلال الإنسان قبل أن ترى فيه صفة «الأسير» التي سبقت اسمه منذ خمسة وعشرين عامًا، وما زالت. وقد اعتبرته شريكًا تقاسمه أفكاره ونظرته إلى الحياة، إذ تؤمن بأن السجن لا ينبغي أن يكون سببًا في حرمان الإنسان من حقه في الحب وتكوين أسرة، وكأن الحكم بالسجن هو حكم بإيقاف الحياة كلها.

ولعل قرارها بالارتباط نابع من شعورها بأن الأسير يحتاج إلى من يقول له: أنت لم تُنسَ، وحياتك لم تنتهِ، وما زال هناك شخص ينتظرك ويرى فيك زوجًا وإنسانًا وحياة كاملة، وليس مجرد رقم داخل السجن.

ارتباط يحمل في طياته الكثير من الصبر، ويختزل أسمى معاني الحب والوفاء والأمل، إيمانًا ممن أقدمن على تلك الخطوة بأن المؤبد قد يكون حكمًا كُتب على الورق، لكنه ليس بالضرورة حكمًا على أحلامهن وحياتهن، ولا على حقهن في أن يحلمن بمستقبل يجمعهن بمن اخترن.

في الذكرى الرابعة

السجن المؤبد.jpg

في التاسع عشر من شهر أغسطس/آب لعام 2022، ارتبطت بيان بالأسير بلال البرغوثي، في ارتباط كان بمثابة بوابة للأمل والحياة، فُتحت أمام بلال، وجعلت لحياته معنى آخر أكثر جمالًا وإشراقًا. وبات مفعمًا بالحياة ومستبشرًا بها، إذ اعتبر اليوم الذي ارتبط فيه ببيان يوم حريته.

وفي ذكرى ارتباطهما الرابعة، تبوح بيان بكلمات يملؤها الشوق ولوعة الانتظار، على حائط صفحتها على موقع فيسبوك: «مرت أربع سنوات على زواجنا يا بلال، سبقها اثنا عشر عامًا من الانتظار، على أبواب الصفقات، وبين الأمل والخذلان. اثنا عشر عامًا كان فيها الوصول إليك حلمًا مؤجلًا… ثم جئتَ أنت، فأدركتُ أن بعض الانتظار، مهما طال، يستحق كل السنوات التي مرّت.

أربع سنوات مرت، آكلت فيها روحي وصحتي على عذاباتك، لكنك ما زلت أجمل صفقة عقدها قلبي دون تردد». الأسير بلال يعقوب أحمد البرغوثي، البالغ من العمر تسعة وأربعين عامًا، ابن بلدة بيت ريما شمال غربي مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، اعتقلته قوات الاحتلال بتاريخ الثاني من نيسان/أبريل عام 2002، وأصدرت بحقه حكمًا بالسجن لمدة ستة عشر مؤبدًا وخمسة وثلاثين عامًا، بتهمة قيادة كتائب القسام في الضفة الغربية.


اقرأ أيضًاالأسيرة منار إبراهيم: كيف تمر شهور الحمل في سجون الاحتلال؟


وعن بدايات جهاده، فقد كان البرغوثي يتقدم المواجهات التي كانت تندلع ضد قوات الاحتلال الصهيوني. وقد أصيب عام 1994 بثلاث رصاصات، اثنتين في الظهر وواحدة في اليد، حيث فقد كليته وجزءًا من الكبد، وعلى إثرها تعرض لنزيف حاد عرّض حياته للخطر، ومكث في المستشفى أربعين يومًا، ليكتب الله له عمرًا جديدًا.

وبعد فترة قصيرة من خروجه من المستشفى، اعتقلته قوات الاحتلال لنحو شهر، لينضم بعدها إلى المقاومين في كتائب القسام. وخلال فترة مطاردته، أقدمت قوات الاحتلال على هدم منزل عائلته بتاريخ 24/10/2001، بسبب رفض بلال تسليم نفسه.

تنقل البرغوثي بين عدة سجون، وخاض إضرابات عن الطعام، وشهد عدة صفقات للإفراج عن الأسرى، وما زال ينتظر حرية قريبة، بعد خمسة وعشرين عامًا مليئة بالألم والقهر. ولم تكن سنوات الاعتقال عائقًا أمام إكمال دراسته وتدبر القرآن؛ فقد أكمل دراسته وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، وأتم حفظ القرآن الكريم.

إعدام بطيء

قتل بطيء بالسجون.jpg

عقب حرب الإبادة الجماعية على غزة، باتت الأوضاع في السجون غاية في التعقيد، في ظل التشديدات وسحب استحقاقات الحركة الأسيرة، وفرض قرارات وسياسات تعسفية وإرهابية، وصلت إلى حد الاغتصاب والتجويع. وأمام هذا الواقع الأليم، تبدي عائلة بلال مدى قلقها على حالته الصحية وأوضاعه المعيشية، مشيرة إلى أن أكثر ما تفتقده هو الحديث معه وسماع صوته وزيارات السجن.

فقد بلال نحو أربعين كيلوغرامًا من وزنه، وبالرغم من كل ما مر به من صعوبات وتعذيب، بقي صابرًا راضيًا، مستبشرًا بعوض الله. وتعمد الاحتلال وضعه في عزل سجن جانوت منذ شهر فبراير/شباط من السنة الحالية، أي منذ ثمانية أشهر، وهو السجن ذاته الذي يعزل فيه الاحتلال قيادات الحركة الأسيرة، أمثال مروان البرغوثي وحسن سلامة وعباس السيد.

ويعاني الأسير وضعًا صحيًا صعبًا جدًا، ناجمًا عن إصابته بأمراض عدة، منها أمراض قديمة، مثل أمراض الكلى، وأخرى جديدة، منها الضغط وارتفاع الدهون في الدم، والدوالي في ساقيه. كما يحتاج إلى إجراء عملية جراحية، إضافة إلى معاناته من مشكلات في الأسنان، ومرض السكابيوس الذي يتكرر معه لفترات طويلة.

وفي عام 2025، تعرض الأسير بلال البرغوثي لتعذيب وحشي، شمل سكب المياه المغلية عليه، والضرب والعزل القاسي. حينها، حذرت العائلة من إعدامه ببطء، وطالبت بتدخل عاجل لإنقاذ حياته.

عقاب بالعزل

العزل الانفرادي.jpg

امتاز بلال بشعبية عالية بين الأسرى، وكذلك بين أفراد عائلته؛ إذ كان محبوبًا، طيب القلب، وصاحب كرامات، وفق ما تصفه عائلته. وتروي العائلة، في حديثها عن هذه الصفة، أنه على الرغم من الوضع الصحي الصعب الذي يعانيه بلال، فإنه آثر الانضمام إلى أحد الإضرابات التي خاضها الأسرى، وكان في منامه يأتيه شخص ويطعمه خضارًا وفاكهة، وما إن يستفيق حتى يشعر بالشبع.

وأضافت العائلة: «بلال محبوب بين عائلته وبين الأسرى، وكان تعلقهم فيه أحد الأسباب التي أدت إلى نقله للعزل، حيث قامت إدارة سجن جلبوع بإخراج رموز الحركة الأسيرة إلى ساحة القسم، وأمام الأسرى، وهم بلال وعبد الله البرغوثي وعاهد أبو غلمة، وانهالت عليهم بالضرب بالهراوات والعصي بلا رحمة، حتى سالت الدماء من أجسادهم، في مشهد يراد منه كسر معنويات الأسرى».


اقرأ أيضًا: الاغتراب عن ذات في وطن يتلاشى... فلسطينيو الضفة


وأمام هذه السياسات التعسفية واللاإنسانية، حذر الأسرى المعزولون، ومن بينهم الأسير بلال البرغوثي، من خوضهم معركة الإضراب عن الطعام، في وقت بالكاد تقوى فيه أجسادهم على الوقوف وتحمل الأمراض التي باتت تنخر ما تبقى من أجسادهم الهزيلة.

وأمام هذه السياسات التعسفية، يزداد قلق العائلة وخشيتها على حياة ابنها بلال البرغوثي، وقد طالبت كل المؤسسات المعنية وذات الاختصاص بضرورة الوقوف عند مسؤولياتها، وتفعيل قضية الأسرى، والعمل على إعادة أحوال السجون إلى ما كانت عليه قبل حرب الإبادة، على أقل تقدير، إلى جانب ضرورة متابعة ملف الأسرى المعزولين.