بنفسج

ثقب في عين السجان: انفلات الجسد وهزيمة المنظومة العقابية

الأربعاء 16 سبتمبر

سجون الاحتلال ونفق الحرية
سجون الاحتلال ونفق الحرية

في دراسات العمارة العقابية وسوسيولوجيا السجون، يُعرَّف السجن الحديث بأنه ليس مجرد جدران خرسانية صمّاء، بل هو "منظومة رقابة شمولية" هدفها الأول إخضاع الجسد وسلب الإرادة الإنسانية قدرتها على الفعل. غير أن تاريخ النضال الفلسطيني كشف باستمرار عن ثغرة بنيوية في فلسفة هذه المنظومة فحين تتحول الرقابة إلى صنم تكنولوجي، يتحول فعل الهروب واقتحام الأسوار إلى تفكيك نظري وعملي لأسطورة "الضبط المطلق".

تستند السجون الحديثة وفي مقدمتها سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلى مفهوم "البانوبتيكون" (الرقابة الدائمة) الذي تنظر فيه عين السلطة إلى كل زاوية وتتحكم بالوقت والحركة والتنفس. في هذا الفضاء المغلق، لا يستهدف اقتحام الأسوار مجرد قطع مسافة جغرافية من الداخل إلى الخارج، بل يُعد عملية "انسحاب سياسي وفكري" من هيمنة السجان.

إن مجرد التفكير في النفق أو ثقب الجدار هو استعادة واعية لملكية الجسد والحرية. الهروب هنا هو ممارسة تفكيكية لمنظومة العقاب فهو يثبت أن الخلل ليس في الثغرة العمرانية أو التقنية فحسب، بل في توهم السلطة أنها قادرة على تأطير الروح الإنسانية. وحتى لو امتدت فترة الانفلات لأيام معدودة انتهت بإعادة الاعتقال، فإن الفعل في حد ذاته ينجح في إسقاط الشرعية المعنوية والهيبة الأمنية للمؤسسة العقابية، محولًا "الخزنة المحصنة" إلى مجرد مجسم خرساني عاجز أمام الإرادة.

تتجلى هذه المقاربة بأبهى صورها في عملية "نفق الحرية" بسجن جلبوع عام 2021. صُمم هذا السجن بأعلى المعايير الهندسية الأجهزة الأهمية في العالم، وسُمي بـ "الخزنة" لخلوه – زُعمًا – من أي إمكانية للاختراق. غير أن ستة أسرى فلسطينيين (محمود العارضة، يعقوب قادري، أيهم كممجي، مناضل نفيعات، زكريا الزبيدي، ومحمد العارضة) نجحوا في إعادة تعريف جغرافيا السجن.


اقرأ أيضًا: قبر انفرادي: الاحتلال ينتقم من بطل نفق الحرية مناضل نفعيات


بأدوات بسيطة لا تتعدى ملاعق الطعام وأجزاء معدنية بدائية، وعلى مدار أشهر من الحفر الصامت تحت الأرضية الخرسانية للغرفة، شق الأبطال طريقهم نحو الشارع الخارجي. كانت لحظة خروجهم من فوهة النفق انكسارًا كليًا لمنظومة الرقابة الرقمية والحساسات الأرضية وأبراء الحراسة. تنشَّق الأسرى الستة هوايات بيسان وفضاء فلسطين الأرحب، وعاشوا أيامًا من الحرية الخالصة تحت عين الاستنفار العسكري والتكنولوجي الشامل. لقد كشفت الملعقة الحافرة أن الإرادة القوية قادرة على ثقب عتاد المراقبة الأعتى في الشرق الأوسط.

لم يكن نفق جلبوع حدثًا معزولًا، بل جاء امتدادًا لمسار نضالي طويل خطّه أسرى جعلوا من الهروب خيارًا إستراتيجيًا متكررًا: حمزة يونس (عميد الفارين): يمثل التجلي الأبرز لرفض الخضوع للمنظومة العقابية. نجح هذا المناضل في الفرار من أعتى السجون الإسرائيلية ثلاث مرات متتالية، كانت الأولى من سجن عسقلان عام 1964، والثانية من سجن الرملة عام 1967، والثالثة والمدوية من سجن الجلمة عام 1971. أثبت يونس عبر تجاربه الثنائية والمتعددة أن السجن بالنسبة للأسير المقاوم ليس محطة استسلام بل ساحة اشتباك مستمرة.

عملية سجن غزة المركزي (1987): بقيادة الشهيد مصباح الصوري وخمسة من رفاقه، حين تمكنوا من التسلل خارج الأسوار المحصنة في قلب غزة، ليشكل هذا الانفلات شرارة رمزية ودافعًا ميدانيًا ساهم في إشعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

إنها تجربة تُعيد التوازن للضحية فالسجان الذي يعتقد أنه يملك الرقابة المطلقة يُصدم بكونه مخترقًا من الأسفل، وأن التكنولوجيا التي يحتمي بها أضعف من عزم إنسان يطلب حريته. تظل عملية الاختراق نفقًا كانت أم حفرة في جدار شهادة حية على أن المعتقل ليس قدر حتمي، وأن السور مهما ارتفع واستطال، يظل مجرد حدٍّ مادي قابل للكسر والتجاوز أمام روحٍ تأبى أن تُأسَر.

عملية سجن شطّة (1958): انتفاضة واقتحام جماعي للمنظومة الأمنية داخل السجن، تمكن خلالها الأسرى من السيطرة على الحراس والتجهيزات، والعبور باتجاه الحدود الأردنية. وعملية العروب / سجن الخليل (1998): حين نجح أربعة أسرى في حفر الجدران وتجاوز النظم الأمنية المجهزة للرقابة، والانفلات إلى الفضاء الحر.

إن القيمة التأسيسية لمحاولات الهرب واقتحام الأسوار لا تُقاس بالمسافة التي يقطعها المطرود في الخلاء، ولا بالمدى الزمني الذي يستغرقه قبل المطاردة، بل بالهزة النفسية والفلسفية التي تتركها في بنيان المؤسسة العقابية.

إنها تجربة تُعيد التوازن للضحية فالسجان الذي يعتقد أنه يملك الرقابة المطلقة يُصدم بكونه مخترقًا من الأسفل، وأن التكنولوجيا التي يحتمي بها أضعف من عزم إنسان يطلب حريته. تظل عملية الاختراق نفقًا كانت أم حفرة في جدار شهادة حية على أن المعتقل ليس قدر حتمي، وأن السور مهما ارتفع واستطال، يظل مجرد حدٍّ مادي قابل للكسر والتجاوز أمام روحٍ تأبى أن تُأسَر.