بنفسج

مريم عبد ربه: "علمت باستشهاد عائلتي من منشور على "فيسبوك"

الجمعة 09 أكتوبر

شهداء حرب غزة
شهداء حرب غزة

لم تتخيل يومًا أن يأتي عليها يوم تقف فيه وحيدة، بلا عائلة تسندها، ولا زوج يشاركها الطريق، ولا أطفال يملأون البيت بالحياة. لم تتخيل أن تصبح، في لحظة واحدة، امرأة بلا ظهر، قليلة الحيلة، تحمل في جسدها آثار النار، وفي قلبها فاجعة لا تُحتمل، وأن تهدم الأحلام فوق رأسها.

في تلك الليلة، فقدت أربعة من أطفالها وزوجها دفعة واحدة. كان توأماها سما ولمى لم يتجاوز عمرهما ثمانية أيام، إلى جانب طفليها أحمد وهدى، وقد استشهدوا جميعًا مع والدهم في القصف. أما هي، فخرجت من تحت الركام مصابة، بعدما قذفها الصاروخ بعيدًا، والنيران تلتهم جسدها.

في البداية، لم تكن تعرف ماذا حدث. كانت الصدمة أكبر من أن تستوعبها، وكل ما وصلها أن أفرادًا من عائلتها الصغيرة قد أُصيبوا، وأن عددًا كبيرًا من أفراد عائلة زوجها الممتدة قد استشهدوا أيضًا.

خبر من "فيسبوك"

الأطفال الشهداء2.jpg

خاف من حولها أن يخبروها الحقيقة دفعة واحدة خشية أن ينهار قلبها تحت وطأة الصدمة، لكنها شعرت أن شيئًا ما يُخفى عنها. لم تطمئن إلى محاولاتهم لطمأنتها، فمدّت يدها إلى هاتف أحد أقاربها، وبدأت تبحث بنفسها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” عما جرى لعائلتها في تلك الليلة.

وهناك، بين الأخبار والمنشورات، بدأت الحقيقة تتكشف أمام عينيها. رحلت عائلتها بالكامل؛ رحل التوأم الذي لم تتشكل ملامحهما بعد، وأطفالها الذين كانوا يخطون خطواتهم الأولى في المدرسة. خرجت هي من تلك الليلة بجسد محترق وقلب مثقل بالفقد، وكأن الصاروخ لم يقذفها من مكانها فحسب، بل قذفها أيضًا إلى حياة أخرى لا تعرف كيف ستكملها وحدها.

تحكي مريم عبد ربه كيف دقّ الفقد باب قلبها فأنهكه، وكيف يفقد المرء روحه ويكمل الحياة بلا روح. تحكي عن جسدها المطبوع بالحروق، وعن أول نفس أخذته بعد الفقد، وكيف تعيش الأمهات الفاقدات في الغياب. وتحكي عن زوجها، الرجل الذي ترك غربته وعاد إلى غزة ليستقر فيها، وعن الحياة الآمنة التي كانت تحلم بها، قبل أن يقتل الاحتلال صغارها ورفيق دربها.

بدء الفاجعة

عدد الشهداء في غزة.jpg

في بداية الحرب، كانت مريم حاملًا في شهرها الثامن، تنتظر سما ولمى بفارغ الصبر، رفقة زوجها وطفليها أحمد، 10 أعوام، وهدى، 6 أعوام. لكن الحياة انقلبت؛ غادروا منزلهم منذ اليوم الأول للحرب، لكونه على حدود جباليا ويُصنّف ضمن منطقة خطرة، ومكثوا في بيت عائلة زوجها، رفقة العائلة الممتدة كلها.

تقول وهي تمسح دموعها: “في يوم 27 أكتوبر جاءني ألم المخاض بعد منتصف الليل، وبعد ساعتين من المناشدات والاتصال بالإسعاف أتى لنا بشق الأنفس. وصلنا إلى مستشفى كمال عدوان شمال غزة، وبعد ساعات انتظار لم تتم الولادة الطبيعية، لأخضع لعملية قيصرية ببنج نصفي فقط لشحّ البنج آنذاك، لأشعر بألم شديد جدًا. أنهينا الولادة وعدنا إلى البيت، ومن بعدها حدثت الفاجعة”.

في 19 نوفمبر 2023، كانت مريم تحتضن طفلتها هدى، فيما كان أفراد العائلة يؤدون صلاة المغرب جماعة. لم تكن تعلم أن تلك اللحظات الهادئة ستكون آخر ما تتذكره قبل أن تنقلب حياتها في ثوانٍ.

وقع الانفجار، ومنذ تلك اللحظة انقطعت تفاصيل المشهد من ذاكرتها. لا تتذكر كيف حدث، ولا ماذا أصاب المكان، ولا أين أصبح من كانوا حولها. الصورة الوحيدة التي بقيت واضحة في ذهنها أنها كانت ملقاة في الشارع، عاجزة عن تحريك جسدها.

حاولت أن تصرخ، لكن صوتها لم يكن يخرج. كانت تسمع سيارات الإسعاف تقترب، وأصوات الصراخ من حولها. بقيت للحظات بين الوعي والغيبوبة، تستمع إلى الصراخ والإسعافات من حولها دون أن تستطيع الوصول إلى أحد، قبل أن يغلبها الألم وتفقد وعيها تمامًا.


اقرأ أيضًا: في كل طفل يتعلم... يضيء مصباحًا من ذكرى أخي الشهيد


تضيف: “عدت للوعي في مستشفى الرنتيسي شمال قطاع غزة، على صوت الطبيب وهو يسألني عن اسمي، وأخبرني أنه يجب أن يتم نقلي للجنوب بشكل عاجل بسبب حصار الجيش الإسرائيلي للمستشفى وعدم وجود إمكانات لعلاجي. وفجأة اقتحم الجنود الطابق العلوي، وكنت أنا في الطابق الأرضي. نقلوني فورًا أنا وبعض المصابين بسيارات الإسعاف إلى المستشفى الأوروبي في جنوب غزة.

كنت وقتها مصابة بحروق في كامل جسدي، وجاءني أبي وأمي وإخوتي. في البداية كنت طوال الوقت في حالة إغماء، أستيقظ وأسأل عن زوجي وأطفالي، فيخبرونني أنهم في شمال غزة وبخير”.

تكمل: “دبّ الشك في قلبي: لماذا يرفضون أن يتصلوا بزوجي لأسمع صوته وأسمع أصوات أطفالي؟ أخذت هاتف أخي وأخبرته أنني سأتصل بصديقتي، وفتحت الفيسبوك، ليظهر الخبر أمامي. صرخت بأعلى صوتي، وبكت أمي كثيرًا وقالت: لقد استشهد زوجك وأطفالك جميعًا، وأختك وأطفالها، وكل من في المنزل، 60 شهيدًا، ولم يخرج إلا أنت وطفلان فقط”.

رحيل عائلة

شهداء الإبادة.jpg

كان الألم الجسدي الذي تعانيه مريم قاسيًا، لكن وجع القلب كان أشد وطأة. كانت تقاوم جراحها وآلام جسدها، وفي الوقت نفسه تحاول أن تستوعب حجم الفقد الذي حلّ بها دفعة واحدة. كان رحيل عائلتها ألمًا يفوق قدرتها على الاحتمال، وفي لحظات كثيرة كانت تسأل نفسها: هل يستطيع القلب أن يحتمل كل هذا الحزن؟ أم أن كثرة الفقد يمكن أن تثقله إلى الحد الذي يتوقف فيه عن الاحتمال؟

أمضت مريم شهرين في المستشفى، تتلقى العلاج من إصاباتها وجروحها، لكن حالتها كانت تستدعي علاجًا في الخارج، فسافرت إلى مصر بعد شهرين من إصابتها. ومنذ وصولها إلى مصر، بدأت رحلة علاج طويلة لم تنتهِ بعد. أكثر من عامين مرّا عليها وهي تتنقل بين العلاج والألم ومحاولات التعافي، تحمل في جسدها آثار الإصابة، وفي قلبها غياب عائلتها التي لم تعد موجودة لتنتظر عودتها.

تكمل: “كان يحلم ابني أحمد أن يصبح طيارًا. في طريق عودتنا إلى غزة ركب طائرة فأُعجب بها، فقلت له: ليس لدينا مطار ولا طائرات. فقال: حين أكبر سيكون. لكن لم يمهلوه أن يكبر. أما ابنتي، فكنت أحلم أنا أن أراها طبيبة، لكن قدر الله نفذ”. وتختم حديثها: “عشت مع زوجي 7 سنوات في ماليزيا حتى أنهى دراسة الدكتوراه في مجال الدراسات السياسية. كانت من أجمل سنين العمر، لنعود ونستقر في غزة قبل الحرب بعام واحد فقط، لتكون الشهادة من نصيبه، رفقة أطفالنا الأربعة”.