داخل دائرة الطب الشرعي في مجمع الشفاء الطبي، لا تنتهي مهمة طواقم العمل عند انتشال رفات الشهداء مجهولي الهوية، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا، تتمثل في محاولة إعادة الهوية إلى أصحابها. فمن بين كل رفات مجهولة، تقف عائلة تنتظر إجابة تنهي شهورًا، وربما سنوات، من البحث والترقب.
وترافق طواقم الطب الشرعي فرق الدفاع المدني منذ اللحظات الأولى لعمليات انتشال الرفات، حيث تُنقل الجثامين إلى مقر الطب الشرعي، لتبدأ سلسلة من الإجراءات تشمل توثيقها، وجمع عينات الحمض النووي (DNA)، وترقيمها وحفظها وفق نظام خاص، على أمل أن تُطابق مستقبلًا مع عينات ذوي المفقودين، بما يتيح التعرف على هويات أصحابها وإعادتهم إلى عائلاتهم.
لكل شهيد بيانات محفوظة

غير أن هذه المهمة تصطدم بواقع معقد، في ظل غياب أجهزة فحص الحمض النووي داخل قطاع غزة، واستمرار منع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها، إلى جانب محدودية الإمكانات التي تعمل بها دائرة الطب الشرعي، الأمر الذي يؤخر التعرف على الرفات ويطيل معاناة مئات العائلات.
ويقول رئيس قسم الأدلة الطبية في دائرة الطب الشرعي بمجمع الشفاء الطبي، زياد عاشور، إن فرق الطب الشرعي تواصل منذ سنوات توثيق الجثامين مجهولة الهوية، رغم الظروف الصعبة التي تعمل فيها. "منذ ثلاث سنوات لم نتوقف عن فحص ومعاينة وتوثيق الجثامين مجهولة الهوية التي تصل إلينا، ولن نيأس من محاولة إعطاء كل شهيد اسمه."
اقرأ أيضًا: قول في المسكوت عنه: التفتيش العاري للأسيرات الفلسطينيات
ويوضح عاشور أن عملية التعرف تبدأ بتوثيق مكان العثور على الجثمان وتاريخ انتشاله، ثم منحه رقمًا تعريفيًا خاصًا، بما يسهل العودة إلى هذه البيانات عند مراجعة بلاغات المفقودين. إلا أن المهمة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تصل جثامين متحللة أو متفحمة أو خالية من الملابس والمقتنيات الشخصية، إذ لا يبقى أمام الطواقم سوى الفحص الظاهري، الذي غالبًا لا يكون كافيًا للوصول إلى هوية أصحابها.
"عندما تصل الجثامين دون ملابس أو مقتنيات شخصية، نفقد أهم وسائل التعرف الأولية، ولا يبقى أمامنا سوى الفحص العيني، الذي لا يقود في كثير من الأحيان إلى نتيجة."
صاروا جثامين مجهولة

ويضيف أن الاحتلال أعاد في أكثر من مناسبة نبش مقابر دفنت فيها جثامين مجهولة الهوية، ما أدى إلى اختلاط الرفات وفقدان كثير من المعلومات التي كانت قد وثقت عنها، فضلًا عن أن النزوح المتكرر وتشتت العائلات حالا دون قدرة كثير من الأهالي على تحديد آخر مكان شوهد فيه ذووهم أو حتى الملابس التي كانوا يرتدونها.
ويؤكد عاشور أن غياب أجهزة فحص الحمض النووي يمثل العقبة الأكبر أمام إنهاء هذا الملف، مشيرًا إلى أن الطواقم تحتفظ بعينات من الرفات في ظروف مناسبة، بانتظار توفر إمكانية فحصها مستقبلًا، سواء داخل القطاع أو عبر مختبرات دولية. "نطالب بإدخال أجهزة فحص الحمض النووي، أو السماح بنقل العينات إلى مختبرات خارج القطاع، حتى تتمكن العائلات من معرفة مصير أبنائها."
لا أجهرة لفحص الحمض النووي

وفي الجانب الآخر من هذه القصة، يقف محمد بسام، الناجي الوحيد من عائلته، شاهدًا على واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا. يتذكر لحظة قصف منزلهم، ويصفها بأنها كانت أشبه بسماء تمطر نارًا، قبل أن يجد نفسه عاجزًا عن انتشال أفراد عائلته الذين ظلوا تحت الركام، في ظل غياب المعدات الكفيلة بإنقاذهم.
ومع توقف العمليات العسكرية، عاد محمد برفقة أقاربه إلى المكان نفسه، لا بحثًا عن ناجين، بل لانتشال رفات أحبته. إلا أن اختلاط العظام وتحلل الجثامين جعلا التعرف على كثير منها أمرًا بالغ الصعوبة، لتتحول لحظة الانتشال إلى بداية معاناة جديدة.
"جلست أمام الرفات أحاول أن أعرف لمن تعود هذه العظام... أين أمي؟ أين أبي؟ وأين إخوتي؟" لكن معاناة البحث عن المفقودين لم تتوقف عند من تحت الأنقاض، بل امتدت إلى أولئك الذين اختفت آثارهم دون أن تترك خلفها إجابة.
من بين هؤلاء وليد ناصر، الذي فقد أثر شقيقه بعدما خرج من منزله متوجهًا إلى إحدى نقاط توزيع المساعدات، بحثًا عن بعض الطعام لأطفاله، لكنه لم يعد. ومنذ ذلك الحين، بدأ وليد رحلة شاقة بحثًا عن شقيقه، تنقل خلالها بين المستشفيات، وبحث بين قوائم الشهداء والجثامين، علّه يعثر على أي معلومة تقوده إليه، لكن دون جدوى.
جثماين متحللة وأخرى متحللة

لم يترك وليد جهة يمكن أن تساعده في الوصول إلى شقيقه، فتوجه إلى المؤسسات الدولية والصليب الأحمر، باحثًا عن أي خيط قد يقوده إليه، وحتى احتمال أن يكون قد اعتُقل ونُقل إلى أحد سجون الاحتلال ظل قائمًا في ذهنه. لكن كل تلك المحاولات لم توصله إلى إجابة.
ومع انعدام الخيارات، اتجه وليد إلى دائرة الطب الشرعي، وبدأ يبحث بين رفات المفقودين عن أي علامة يمكن أن تساعده في التعرف على شقيقه. فربما كان قد استشهد، وتحللت جثمانه إلى درجة بات معها التعرف عليه بالوسائل التقليدية شبه مستحيل.
ويقول وليد إن الأمل الوحيد لمعرفة مصير شقيقه، ومصير عشرات المفقودين، يكمن في السماح بإدخال أجهزة فحص الحمض النووي (DNA)، حتى تتمكن الجهات المختصة من مطابقة العينات وفكّ هوية الرفات التي لا تزال مجهولة.
"لم أعد أبحث عنه بين الأحياء فقط، بل أصبحت أبحث عنه بين الرفات، وأتمنى أن يكشف فحص الـDNA إن كانت هذه العظام تعود إلى أخي، حتى أعرف أين انتهى به المطاف وأستطيع أن أدفنه وأودعه كما يليق."
لن نيأس من المحاولة

وقصة وليد ليست الوحيدة، فهناك من اختفت آثارهم بعد أن اقتادتهم قوات الاحتلال من أماكن نزوحهم، دون أن تعرف عائلاتهم ما حل بهم. سيف الحرازين واحد من هؤلاء. كان نازحًا داخل مجمع الشفاء الطبي عندما داهمت قوات الاحتلال المستشفى، واحتجزت عددًا من النازحين الموجودين فيه، كان سيف من بينهم. وبعد ساعات من الاحتجاز، أُفرج عنه وطُلب منه التوجه نحو جنوب قطاع غزة، لكن منذ ذلك الحين انقطعت أخباره، ولم تعد عائلته تعرف شيئًا عن مصيره.
حاول والد سيف، رغم ما يواجهه من ظروف قاسية، أن يبحث عن ابنه في كل مكان، طرق أبواب الجهات والمؤسسات التي يمكن أن تساعده، وبحث عن أي معلومة تقوده إليه، لكن كل محاولاته اصطدمت بالصمت، ليبقى مصير سيف مجهولًا حتى اليوم.
اقرأ أيضًا: إلى مجلس سُمي بالسلام.. ما زلنا نُقتل كل يوم
"منذ أن خرج سيف من الشفاء وأنا لا أعرف أين هو... بحثت عنه في كل مكان، وكل ما أريده اليوم أن أعرف أين ابني، هل هو حي أم بين الذين لم نتمكن من معرفة هوياتهم؟".
وتعكس قصص محمد ووليد وسيف واقع مئات العائلات التي ما تزال تعيش على وقع الانتظار، تبحث عن إجابة لمصير أحبّتها، بين مفقودين انقطعت أخبارهم ورفات لم تُعرف هويات أصحابها. وفي وقت لا تزال فيه كثير من العائلات عاجزة عن معرفة مصير أبنائها، يبقى فحص الحمض النووي الأمل الأخير لإنهاء هذا الملف، وإعادة الأسماء إلى أصحابها، ومنح ذويهم حقًا طال انتظاره في معرفة مصير أحبّتهم ومواراتهم الثرى بكرامة.

