ما إن يحين موعد النوم، حتى تلجأ ريحان، ذات الأعوام الثلاثة، إلى حضن والدتها، وما هي إلا دقائق حتى تغطّ في نوم عميق، بعد أن تُغدق عليها أمها عديد القبلات على وجنتيها. مشهد اعتادته الصغيرة، وأصبح جزءًا من طقوسها اليومية قبل النوم. لكن، منذ شهرين، لم يعد ذلك الملاذ الآمن متاحًا لريحان، بعدما حرمها الاحتلال من حضن والدتها سهيلة الجعبري إثر اعتقالها.
فمن هي سهيلة الجعبري؟ وما تفاصيل اعتقالها؟ وكيف انعكس غيابها على عائلتها ومحيطها؟ أسئلة نحاول الإجابة عنها في هذا التقرير، من خلال حديث زوجها، السيد أحمد زلوم. تنحدر الأسيرة سهيلة الجعبري من مدينة الخليل، وتبلغ من العمر 37 عامًا. وهي زوجة أحمد زلوم، وأم لثلاثة أطفال: محمد (8 سنوات)، ودلال (5 سنوات)، وريحان (3 سنوات)، أصغرهم سنًا.
اقتحام المنزل واعتقال الأم

يستعيد أحمد زلوم تفاصيل الليلة التي اعتُقلت فيها زوجته، قائلًا: “بتاريخ 18/8/2026، وفي تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، اقتحمت قوات الشرطة الإسرائيلية منزلنا بينما كنا نائمين، وشرعت بقرع باب المنزل بعنف ووحشية. وعندما توجهت إلى الباب، دفعني الجنود وسألوني عن اسمي واسم زوجتي”.
وعلى الفور، طلب الجنود هاتف سهيلة وهويتها الشخصية، ولم يمهلوها سوى دقيقتين لتجهيز نفسها، وسط الصراخ والعبث بمحتويات المنزل. ويروي زوجها أنه طلب منهم منحها بعض الوقت لتتمكن من ارتداء ملابسها والاستعداد، إلا أنهم قابلوا طلبه بالصراخ ودفعه أرضًا، بينما كانوا يقفون عند باب الغرفة.
اقرأ أيضًا: الأسيرة سهير الزعاقيق: ماذا يريد المحتل من مصابة بالسرطان؟
ويضيف: “كنت خارج الغرفة، ثم أخذوها دون أن يسمحوا لنا بالحديث معها أو حتى النظر إليها. وعندما سألتهم إلى أين يأخذونها، أجابوا: للتحقيق”. وأمام ما جرى، لم يتمالك الأطفال أنفسهم، فدخلوا في نوبة من الخوف والبكاء المتواصل، في مشهد ترك أثرًا نفسيًا بالغًا في نفوسهم، يصعب محوه مع مرور الوقت.
وعقب اعتقال سهيلة، وبعد متابعة مع جهات مختصة، علمت العائلة أنها محتجزة في سجن الدامون، إلى جانب نحو تسعين أسيرة، بينهن أمهات وطالبات جامعيات. وبعد أسبوع من اعتقالها، عُقدت أولى جلسات محاكمتها، أعقبتها جلستان أخريان، دون أن يصدر بحقها أي حكم حتى الآن. ويقول أحمد: “بعد التواصل مع عدد من الأسرى المحررين، وخلال زيارة المحامي لها، علمت أنها تمر بظروف صحية ونفسية صعبة للغاية”.
حكم معلق

وتعيش العائلة حالة من القلق والتوتر الدائمين على صحة سهيلة، في ظل ما يصلها من معلومات عن الأوضاع المعيشية وظروف الاعتقال داخل السجون، وما يرافقها، بحسب روايات الأسيرات، من تنكيل وقمع وتجويع وحرمان من أبسط الحقوق الشخصية، فضلًا عن منع التواصل مع ذويهن وعزلهن عن محيطهن الخارجي.
وتعاني سهيلة من القولون العصبي ونقص بعض الفيتامينات، كما أُصيبت بمرض “السكابيوس”، الذي يسبب حكة شديدة، شأنها شأن عدد من الأسيرات. وفيما تأمل العائلة الإفراج عنها وعودتها إلى أحضان أبنائها، يطالب أحمد الجهات والمؤسسات المعنية، كلٌّ من موقعه، بإعادة تسليط الضوء على قضية الأسيرات، والعمل على تفعيلها ومتابعتها، والضغط من أجل تحسين ظروف اعتقالهن والحد من الانتهاكات التي يتعرضن لها داخل السجون.
"بدنا ماما تروح"

لم يقتصر أثر اعتقال سهيلة على غيابها عن المنزل، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية لأطفالها، الذين كانوا الأكثر تأثرًا بفقدان وجودها. ويوضح أحمد أن غياب والدتهم انعكس على حالتهم النفسية، وقدرتهم على التركيز والتحصيل الدراسي، في ظل افتقادهم لرعايتها وحنانها.
يحاول أحمد التخفيف عن أبنائه وإبعادهم عن حقيقة اعتقال والدتهم، فيخبرهم بأنها سافرت من أجل الدراسة، محاولًا صرف تفكيرهم عن السجن وما قد يرافقه من مخاوف وقلق. ويقول: “طبعًا أحاول إقناعهم بأنها سافرت للدراسة، لكنني أشعر أنهم لا يقتنعون دائمًا بذلك، ولا سيما محمد”، في إشارة إلى صعوبة إخفاء حقيقة الغياب عن الأطفال، مهما حاول طمأنتهم.
شوق وأمنيات

أما ريحان، الصغيرة التي لم تتجاوز الثالثة من عمرها، فهي الأكثر افتقادًا لحنان الأم ووجودها إلى جانبها. ويشير أحمد إلى أن أبناءه اعتادوا عليه، لكن حاجتهم إلى حنان الأم لا يمكن لأحد أن يعوضها، فهم لا يتوقفون عن السؤال عنها.
ويضيف أن مسؤولية رعايتهم والاهتمام بهم تقع عليه بالدرجة الأولى، مستعينًا أحيانًا بشقيقته، فيما يقضي الأطفال بعض أوقاتهم برفقة أفراد عائلته في منزل أهله. ويصف أحمد زوجته سهيلة بأنها صاحبة شخصية قوية، وطموحة ومثابرة، ومعروفة بحبها للعطاء وخدمة الآخرين.
وفي ختام حديثه، يوجه إليها رسالة تختصر ما تركه غيابها في حياة عائلتها، قائلًا: “اهتمي بنفسك جيدًا، ونتمنى أن نلقاكِ بيننا في القريب العاجل، فقد ترك غيابك فجوة كبيرة في حياتنا، واشتقنا لوجودكِ بيننا”.

