صدر الحكم: خمسة وأربعون عامًا بحق الأسير الجريح محمد وليد أحمد تركمان، من واد برقين غرب جنين. إلى هنا، قد ينتهي الخبر بالنسبة إلى القارئ، فبعد أن يُبدي تعاطفه مع محمد وعائلته، يعود كلٌّ إلى حياته وتفاصيله اليومية. أما بالنسبة إلى عائلته، فقد نزل الحكم عليها كالصاعقة. فبعد أن عاشت على وقع القلق والألم، وترقّبت صدور الحكم بحق ابنها، واضعةً في حساباتها أن يكون 24 عامًا، فوجئت بحكم يبلغ 45 عامًا، لتجد نفسها أمام واقع يفوق ما هيّأ قلبها لاحتماله.
فاجعة: حكم بـ 45 عامًا

تصف ميرفت حال والدتها فور تلقيها الخبر، قائلةً: "انهارت أمي كثيرًا بعد صدور الحكم، خاصة أنها كانت تتوقع 24 عامًا، لكنها صُدمت بحكم 45 عامًا، وكأنّ وجع السنين تضاعف أمام عينيها".
وما يضاعف وطأة القلق والاشتياق انقطاع التواصل؛ فلا صوت ابنها تسمع، ولا زيارة تروي بها ظمأ قلبها إلى رؤيته. فكل ما يصلها من أخبار عنه لا يتجاوز عبارات عامة مسكّنة تتكرر في كل مرة، دون تفاصيل تطمئن قلبها وتبدد مخاوفها: «الحمد لله بخير، بسلّم عليكم، وبحكيلكم ديروا بالكم على حالكم، وكل اللي بده إياه دعواتكم».
تصل هذه الأخبار إما عن طريق محاميه أو أسرى محررين، لتظل الخالة أم رأفت معلّقة بين الخوف على ابنها الأسير وانتظار أي خبر يطمئن قلبها. وكل ما ترجوه من الله أن ترى ابنها، ولو لدقائق، تُسكّن شيئًا من نار قلبها، بينما يلهج لسانها طوال الوقت بالدعاء له بالشفاء التام والفرج القريب.
تضيف ميرفت: "الحكم بـ45 عامًا سرق من أمي الأمل الذي كانت تتمسك به، وغياب الاتصالات والزيارات جعل المسافة بينها وبين ابنها أبعد من أن يحتملها قلب أمّ. هي لا تنتظر الأيام فحسب، بل تنتظر صوتًا، وخبرًا، ولقاءً يعيد إليها شيئًا من روحها".
أربعة أعوام من الاعتقال والمحاكم المؤجلة

بعد أربعة أعوام من الاعتقال والمحاكم المؤجلة، أصدرت محكمة الاحتلال حكمًا بالسجن الفعلي لمدة 45 عامًا بحق الأسير الجريح محمد تركمان، إذ وجّهت نيابة الاحتلال إليه تهمًا تتعلق بالمشاركة في عملية إطلاق نار ومحاولة إحراق حافلة كان يستقلها جنود الاحتلال في سهل عاطوف بالأغوار الشمالية.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت تركمان في الرابع من أيلول/سبتمبر 2022، في منطقة سهل عاطوف. وفي تفاصيل العملية، نُفّذت العملية باستخدام مركبة مسرعة كان يستقلها ثلاثة فلسطينيين من عائلة تركمان، وهم الأب ماهر تركمان، ونجله محمد، وابن أخيه محمد وليد.
واستهدفت المجموعة حافلة الجنود بوابل من الرصاص، ما أدى إلى انحرافها عن مسارها واصطدامها بحاجز جبلي بجانب الطريق. وانسحب المنفذون من المكان، لكن النيران اندلعت في مركبتهم خلال انسحابهم نتيجة خلل ما، ما أدى إلى اشتعالها.
اقرأ أيضًا: جولان أبو عواد: فراشة السجن وريحانة أمها
وتسبّب ذلك في إصابة الشابين بحروق بالغة في أنحاء جسديهما، ما أجبرهما على القفز من المركبة المشتعلة، وأتاح لقوات الاحتلال تحديد مكانهما واعتقالهما. في حين تمكّن الأب ماهر تركمان من الانسحاب مشيًا على الأقدام والاختفاء في مخيم جنين، قبل أن يعتقله الاحتلال لاحقًا في أيار/مايو 2023، عقب عملية ملاحقة استخباراتية دقيقة.
وقد اعترف الاحتلال بإصابة سبعة من جنوده في العملية التي استهدفت الحافلة، في حين ارتقى محمد ماهر شهيدًا نتيجة شدة الحروق التي أصابت جسده، بعد نحو شهر من العملية. وعقب اعتقال محمد وليد، نقلته قوات الاحتلال إلى مستشفى تل هشومير، حيث مكث مدة شهر، قبل أن يُنقل إلى عيادة سجن الرملة، التي بقي فيها قرابة عام، بعد تشخيص إصابته بحروق بالغة من الدرجة الرابعة. ويقبع حاليًا في سجن نفحة، في القسم 17.
شجاعة وثبات رغم الألم والتعذيب

عُرف محمد بشجاعته وثباته على الحق، فلا يهاب في الله لومة لائم. فعلى الرغم من إصابته وما تسببه الحروق من آلام، تعرّض للتعذيب خلال اعتقاله بعدما دافع عن أسير مسنّ تعرّض للضرب. اختار محمد الوقوف إلى جانب المظلوم والانتصار له، مدركًا أن موقفه هذا قد يكلّفه الكثير، وأن الاحتلال لن يتوانى عن معاقبته.
وتفتقد ميرفت وإخوتها الأربعة محمد في تفاصيل حياتهم اليومية، وفي لمّة العائلة، وفي اللحظات التي يحتاجون فيها إلى وجوده سندًا وداعمًا لهم. تقول ميرفت: "بنفتقده كثير، بكل فرحة إلنا ناقصة، وبكل وجع بنتمنى لو كان معنا فيه، وبكل لحظة بنحتاج فيها حضنه وكلمة منه تطمّن قلوبنا. أصعب إشي إنّه الحياة بتكمل، بس في غياب أخوي محمد في فراغ ما حدا بالدنيا بقدر يعبيه، وفي كل يوم بيمرّ بنكتشف قديش وجوده كان أمان إلنا، وقديش غيابه موجع".
اقرأ أيضًا: العم عبد الإله جرار: بعمر الـ 19 نال ابني نور لقب الشهيد
ستظل عائلة محمد متمسكة بالمطالبة بحريته وستواصل مناشدة كل مسؤول ومؤسسة معنية للقيام بمسؤولياتهم والتحرك من أجل قضيته، حتى ينال حريته ويعود إلى حضن عائلته. وأعربت الخالة أم رأفت عن توجسها الدائم على ابنها، في ظل ما تمارسه إدارة السجون من إجراءات قمعية وتنكيلية بحق الأسرى، وتعمد إذلالهم وتعذيبهم وتجويعهم، فضلًا عن الإهمال المتعمد لعلاجهم، بما يعرّض حياتهم للخطر.
ووجّهت عائلة محمد رسالة إلى المؤسسات المعنية، أكدت فيها أن ابنها ليس مجرد رقم في ملف، بل إنسان له عائلة تنتظر حريته، وقلب يتألم لوجعه، وعمر لا يجوز أن يُختصر خلف القضبان. وطالبت المؤسسات بضرورة العمل على الإفراج عنه، وضمان حمايته وصون كرامته، ومتابعة ما تعرّض له من تعذيب وما خلّفته الحروق البالغة من آثار.

