كل شيء ما زال على حاله منذ غادرت جولان أبو عواد (21 عاماً) غرفتها مُرغَمة. فمنذ تلك الليلة التي حملت معها وجع اعتقالها، تجمّدت حياة عائلتها عند لحظة رحيلها، حتى قارورة الماء التي ارتشفت منها آخر مرة ما تزال في مكانها إلى جانب سريرها، الذي لم يقترب منه أحد منذ غيابها. كل ما يخصّ جولان ما زال في حالة انتظار: غرفتها، وسريرها، وأغراضها التي تركتها خلفها، فيما ينهش الشوق قلوب عائلتها التي تنتظر عودتها لتعيد إلى الحياة تفاصيلها التي توقفت منذ ليلة الاعتقال.
في الثاني من حزيران/يونيو من هذا العام، توجهت جولان فور انتهاء محاضراتها في جامعة بيرزيت في رام الله إلى مكان عملها، في مدينة ألعاب داخل أحد المراكز التجارية القريبة من الجامعة. تسرد والدتها، السيدة سحر أبو عواد، تفاصيل الليلة الأخيرة التي قضتها جولان مع العائلة، فتقول: "كل ساعة كنت أرنّ عليها حتى تظل قدامي بكل تفاصيلها، وقت المغرب حكتلي إنها راح تتأخر الليلة لأنه عندهم فعاليات".
صدمة الاعتقال

عند الحادية عشرة ليلاً، عادت جولان منهكة من عملها، وانصرفت إلى الدراسة استعداداً لامتحان اليوم التالي. عرضت عليها والدتها أن تتناول الطعام، لكنها اكتفت ببعض المسلّيات. وحين فرغت من المذاكرة، كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، فغلبها النعاس وخلدت إلى النوم، دون أن تعلم أنها ستكون ليلتها الأخيرة في غرفتها وبين أهلها.
تضيف والدتها: "يا دوب نمنا، إلا زوجي بحكيلي: قومي، الجيش في الدار. وراح فتح باب البيت وأنا رحت أصحّي الأولاد. الجنود دفعوا زوجي على مكتبة موجودة في صدر البيت، والسلاح كان مرفوع علينا". كان عدد الجنود الذين اقتحموا المنزل كبيراً، حتى بدا المشهد مرعباً للعائلة، بحسب وصف الأم. انتشر الجنود في أرجاء المنزل، وعاثوا في محتويات غرفة الفتيات تفتيشاً وتخريباً.
اقرأ أيضًا: براءة أبو خديجة... خمسة أطفال ينتظرون أمهم وسادسهم يشاطرها الزنزانة
ثم توجّهوا مباشرة نحو جولان، وطلبوا منها بطاقة هويتها ورقمها، لتكون الصدمة بإبلاغها بقرار اعتقالها. تتابع والدتها: "ما بنسى هاللحظة، لما نظرت جولان للضابط باستغراب وقالتله: أنا؟ متأكد أنا؟! بعدها دخّلوا مجندة معها فتّشتها وبلّغتها تجهّز حالها للاعتقال. طبعاً عملت معركة معهم لقدرت أفوت عندها أساعدها".
ودّعت العائلة جولان وسط مشاعر القهر والعجز والألم، لكنها لم تُظهر أمامها لحظة ضعف، بل رافقتها بالدعوات وبكلمات تحاول أن ترفع معنوياتها: "ماما، إنتِ ما عليكِ إشي". غير أن الضابط أخذ يهدد ويتوعد، مؤكداً أن اعتقالها سيطول، قبل أن يقتادها الجنود إلى الخارج. تقول والدتها: "لحقتها أنا وأبوها، فصوّب السلاح عليّ وحكى لزوجي: دخّلها، وإلا بطخّها". وفوجئ الوالدان بكمّ الجيبات العسكرية المحيطة بالمنزل، حتى بدا أشبه بثكنة عسكرية.
"ماما أنت ما عليك اشي"

وقبل نحو أسبوعين من ليلة الاعتقال، كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت منزل العائلة بعد أن فجّرت الباب الخارجي دون أن يصدر عنه صوت، والتقطت والدة جولان مشهد الاقتحام عبر كاميرات المراقبة في المنزل. يومها حقّق الجنود مع والد جولان دون أن يوجّهوا إليها كلمة، وفتّشوا غرفة شقيقها واستولوا على بعض أغراضه الشخصية، ثم غادروا مهدّدين ومتوعّدين. أما جولان فكانت خارج المشهد كله، دون أن تعلم أن ذلك الاقتحام كان مقدمة لليلة أخرى تقتحم فيها القوات منزلها لاقتيادها إلى الاعتقال.
بصوت حزين مليء بالحنين، تقول والدتها: "كل شي مؤجّل حتى ترجع حبيبتي جولان. كان لازم أعمل عملية ديسك، أجّلتها حتى نسيتها أصلاً. إذا صدف وعملنا أكل ممكن جولان بتحبه، بنحاسب حالنا وبنحس كأنه في خيانة، وفي أكلات بتحبها ما بعملها. سريرها ممنوع حدا يقرّب عليه، ووالله قنينة المي اللي شربت منها آخر ليلة لسّا جنب تختها".
اقرأ أيضًا: إبراهيم حامد... حين يستدعي السجن إلى جدار
تصف الأم ابنتها، آخر العنقود، بأنها مميزة في كل شيء؛ مرحة محبة للضحك والمزاح، مفعمة بالطاقة والحياة، وحاضرة في كل تفاصيل البيت رغم انشغالها بالدراسة والعمل. كانت تتحمل مسؤولية كبيرة داخل العائلة، ولا تذكر والدتها أنها طلبت منها يوماً أمراً فرفضته.
تقول والدتها: "لما كانت ترجع متأخرة من الشغل، طبعاً ما كنت أقدر أنام وهي مش مروّحة. كانت تيجي عندي وتقول: سحر، قومي أحكيلك شو صار اليوم بالشغل". وتضيف: "أمور كثيرة كانت وقتها عادية وبسيطة، ما كنا نوقف عندها كثير، بس اليوم، بعد غيابها، صرت أوقف عند كل تفصيل منها وأتذكره وكأنه إشي كبير".
حياة متوقفة منذ الفراق

ولم يقتصر حضور جولان على بيتها وعائلتها، بل ترك أثراً في كل مكان مرّت به؛ فقد وصفتها الأسيرات المحررات بأنها "جدعة"، و"وردة السجن"، و"فراشة". وفي الجامعة كانت محبوبة بين زملائها، كما تركت أثراً طيباً في مكان عملها. وتقول والدتها إن زميلاتها لم يمرّ أسبوع منذ اعتقالها دون أن يزرن المنزل، يحملن شوقهن وحزنهن، وتنهار بعضهن بالبكاء.
أما داخل العائلة، فتؤكد الأم أن الجميع كان يحب جولان، وأن غيابها لم يترك فراغاً في البيت وحده، بل امتد إلى كل من عرفها واقترب منها. وتصل آخر الأخبار عن جولان إلى عائلتها إما عبر الأسيرات المحررات أو من خلال المحامين. وتحرص جولان في كل مرة على طمأنة أهلها بشأن وضعها الصحي وظروف اعتقالها، وكأنها تخشى أن يصلهم شيء من وجعها، فتحاول ألّا تزيد قلقهم عليها.
وتقول والدتها إن الأسيرات اللواتي التقين بها، إلى جانب محامية هيئة شؤون الأسرى والمحررين، أكّدن أنها مرضت وأُصيبت بمرض الجرب (السكابيوس)، إلا أن جولان تصرّ على طمأنة عائلتها، وتقول لهم إن ما تعاني منه مجرد حساسية. ولا تزال الأسيرة جولان أبو عواد موقوفة حتى اللحظة، وقد عُقدت لها أكثر من ست جلسات، مدّدت المحكمة اعتقالها في كل منها.
فراشة السجن

وتؤكد عائلة جولان أن مطالبها مشروعة، وأنها حقوق تكفلها المواثيق والأعراف الدولية، وفي مقدمتها تمكينها من زيارة ابنتها، وتوفير الاحتياجات الشخصية والأساسية للأسيرات. وتعيش العائلة قلقاً مضاعفاً على حياة جولان، إذ تعاني من نوبات الصداع النصفي (الشقيقة)، لا سيما في ظل ما تعيشه الأسيرات من ظروف لا إنسانية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية، سواء في المعاملة والقمع المتكرر والشتائم والإهانات، أو في الطعام والعلاج.
كما تطالب العائلة بالسماح للأطباء بإجراء الفحوصات الطبية الدورية للأسيرات، وتوفير العلاج اللازم لمن تحتاج إليه، وتحسين نوعية الطعام وكميته، خاصة أن جولان، بحسب ما يصل إلى العائلة، تقضي معظم وقتها صائمة.
ويبقى المطلب الأخير والأهم بالنسبة للعائلة أن تُعامَل الأسيرات بصفتهن أسيرات، لا أن تتحول معاناتهن إلى مادة للدعاية الانتخابية أو الاستعراض، أو وسيلة للاستقواء عليهن وإظهار القوة أمامهن.
وختاماً، أبدت العائلة، كغيرها من عائلات الأسيرات، استياءها من زيارة بن غفير لسجن الدامون حيث تُحتجز الأسيرات، مؤكدة أن الأسيرات لسن ساحة للاستعراض السياسي، بل نساء لهن حقوق وكرامة، ومن حقهن أن يُعامَلن وفق ما تكفله القوانين والمواثيق الدولية.

