منذ أن كان وسام خشان في الثالثة عشرة من عمره، بدأ حبه للوطن يتشكّل في وجدانه، ويكبر معه عامًا بعد عام، حتى غدا الانتماء لفلسطين جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، ومكوّنًا أساسيًا في مسيرة حياته، التي انتهت كما أحبّ وتمنّى.
عاش تجربة الأسر والمطاردة، وذاق مرارة ملاحقة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وانخرط في العمل المسلح، فكانت ميادين المواجهة حاضرة في مسيرته. وتمسّك بقناعاته ومواقفه رغم ما واجهه من ملاحقة وتحديات، رافضًا التراجع عما آمن به.
وعُرف وسام بطيبته وحسن خلقه، فترك أثرًا طيبًا في نفوس كل من عرفه أو التقى به، حتى من سمع عنه. كان حنونًا وبارًّا بوالدته، وجمع في شخصيته بين لين القلب وقوة الموقف، وبين دماثة الخلق والشجاعة والإقدام.
من هو وسام خشان؟

تستذكر والدته ابنها قائلة: "الله يرضى عليه وسام، شب من خيرة الشباب، الكل بحبه وبمدح فيه. فتح عينيه على اقتحامات الجيش وأخبار الاعتقالات والشهداء، وكبر على هالأخبار، وصار تفكيره وكلامه أكبر من سنه، حتى ذاق مرارة وجوده تحت الاحتلال".
الشهيد وسام وليد خشان، البالغ من العمر 24 عامًا، هو بكر العائلة. ولد وترعرع في بلدة بير الباشا، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومترًا من مدينة جنين، في بيئة عايشت اقتحامات الاحتلال واعتداءاته المتصاعدة، وما رافقها من اعتقالات ومواجهات طالت المدينة وبلداتها.
اقرأ أيضًا: عائلة الأسير أمجد عليوي: 12 عامًا قضت من أصل مؤبدين و30 عامًا"
قضى وسام ما مجموعه سبع سنوات ونصف في سجون الاحتلال، كما تعرّض للملاحقة من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. ولم تقتصر تجربته على الأسر والملاحقة، بل خاض اشتباكات مسلحة مع قوات الاحتلال في عدة محاور، ضمن مسيرة شهدت محطات متتالية من المواجهة.
وفي الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2024، ارتقى وسام خشان، عقب اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال التي حاصرته داخل منزله في بير الباشا، حيث خاض مواجهته الأخيرة قبل الإعلان عن استشهاده.
المواجهة الأخيرة.. أمام عيني والدته

تستعيد والدة وسام تفاصيل الساعات الأخيرة التي جمعتهما، قائلة: "رجع وسام على البيت، وإجا يطمن عليّ لأني كنت تعبانة، وطلب مني أجهز حالي عشان يوخذني على الدكتور. يا دوب تركني، حتى سمعنا صوت انفجار، والرصاص زي زخ المطر". وتضيف: "قدام عيوني طلع من الشباك وتمت تصفيته وهو مشتبك معهم. الحادثة صارت الساعة سبعة الصبح، وبعد ما أعدموا وسام، نكّلوا بالجثمان، حسبي الله ونعم الوكيل".
من خلال أصوات الانفجارات وإطلاق النار، أدرك وسام أن قوات الاحتلال تحاصر المنزل، فطلب من والدته الابتعاد وعدم فتح الباب، خشية على حياتها، في ظل كثافة إطلاق الرصاص. ومن نافذة المنزل، خاض اشتباكًا مسلحًا مع قوة إسرائيلية خاصة أحاطت بالمنزل من مختلف الجهات، قبل أن يُعلن عن استشهاده.
وعقب استشهاده، طلب الجنود من الموجودين داخل المنزل الخروج، وأخضعوا أفراد العائلة للتحقيق، ثم اقتحمت القوة المنزل وعبثت بمحتوياته وخربتها. وبعد انسحاب الجنود، خرج أفراد العائلة للاطمئنان على وسام ومعرفة ما حلّ به، ليفاجؤوا بجثمانه ملقى بالقرب من المنزل، وقد غُطّي بغطاء، فيما كانت الدماء تسيل منه. وخلال الاقتحام، اعتقلت قوات الاحتلال شقيقه أحمد خشان، الأسير المحرر. وكان أحمد، البالغ من العمر 18 عامًا آنذاك، من بين الفتية الذين أُفرج عنهم ضمن دفعات التبادل بين المقاومة والاحتلال في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.
ورحل حبيب أمه

وشاركت جماهير غفيرة في تشييع جثمان الشهيد وسام، في موكب انطلق من أمام مستشفى جنين الحكومي، وجاب شوارع المدينة، وصولًا إلى مسقط رأسه في بلدة بير الباشا، وسط مشاركة شعبية واسعة ومطالبات بالثأر لدمائه ومواصلة الطريق في مواجهة جرائم الاحتلال المتواصلة.
ودّع الأهل والأحباب وسام وقلوبهم تعتصر ألمًا على فراقه، فيما امتزج الحزن بالفخر بما تركه من سيرة وذكريات في نفوسهم وأبناء بلدته، وكانت مواقفه وخصاله عزاءً يخفف شيئًا من وطأة الفقد. ولا يغيب وسام عن ذاكرة والدته، التي تستحضره في مختلف مواقف الحياة وتفاصيلها اليومية؛ فكل زاوية في البيت تحمل ذكرى، وكل موقف يعيد إلى قلبها ملامح ابنها وتفاصيل أيامه.
اقرأ أيضًا: أيسر السعدي: ابن جنين.. مقاومًا. فشهيدًا بجثمان محتجز
وتحرص والدته على أن تذكره دائمًا في دعائها، سائلة الله أن يتغمّده بواسع رحمته، ويرفع مقامه في عليين، وأن يجمعها به في جنات النعيم. فالدعاء بالنسبة إليها صلة لا تنقطع، ووفاء لابن غاب جسده، لكنه لا يغيب عن قلبها ووجدانها.
من جهتها، نعت كتائب الشهيد عز الدين القسام وسام خشان، ونعته بصفته أحد مقاتليها. وهكذا، غاب وسام عن عائلته وأبناء بلدته، تاركًا خلفه سيرة تختلط فيها ذكريات الأم بمرارة الفقد، وتفاصيل الحياة اليومية بحكاية ابنها الذي لا تزال تستحضره في دعائها ووجدانها.

